أضيف في 04 ماي 2017 الساعة 09 : 02


ألبير كامي و سؤال الثورة السياسية .... ترجمه إلى العربية ذ. رضوان أيار*


على سبيل التمهيد :

 

عندما تحتدم الصراعات السياسية و لغرض ضبابية المشهد العام و تعويم فهم الواقع خاصة لدى الجماهير التي لا تمتلك أدوات للتحليل كفيلة بكشف كل مستور يتحول الصراع إلى حلبة المفاهيم الفلسفية ، و قد سمعنا فقط عبر مراحل تطور الأزمة في مصر ترسانة مفاهيم نذكر منها أساسا "الشرعية و المشروعية ، الانقلاب و التمرد ، الثورة و الإصلاح و...لذلك و من أجل احتكاك عن قرب ببعض من هذه المفاهيم ،  أقدم بين يدي القارئ الكريم هذا الدرس المتميز حول المتميز " ألبيركامي " و سؤال الثورة السياسية.

ر.أ

ماذا نعني حينما نقول : "ثورة سياسية" ؟

في البداية دعونا نبدأ ببعض التحديدات . يمكننا دائما البدء بمقولة "النسبية" فنقول مثلا إن الأمر يتعلق أساسا بالموقع الذي نتواجد فيه ، فما تدعوه السلطة القائمة "اضطرابا غير مقبول" أو "فوضى" ، أو "اضطرابات يقف وراءها  مرضى مدمنون " (كما في حالة ألقذافي و حبوب الهلوسة ) يدعوه الشعب تمردا أو ثورة . لكن إذا اقتصرنا على هكذا تقابل سيكون هذا التحليل سطحيا جدا . ففي عمق الأشياء  و الأحداث يجب أن نتواجد لا أن نتحيز لأحد أو نفتري على أحد . تكمن الصعوبة في الإجابة على هذا السؤال إذن في ضرورة التمييز بين الثورة و الانقلاب والعنف و المقاومة والعصيان والتمرد .

 

الثورة و التمرد

بالنسبة لألبير كامي ، من أجل مطلب العدالة ، يقول المتمرد "لا" في وجه الرشوة  ، و في وجه  الكذب والجشع والاستغلال ، لقد سأم هذه الممارسات لذلك يطلب العدالة والنزاهة ، التمرد هو في البداية فكري قبل أن يصير سياسيا . ثم ان المتمرد الذي ينتظر حلولا جذرية لوضعية غير عادلة لا يكون في خدمة أجندة محددة أو محدودة ، كما أنه لا يكون ملزما باعتماد العنف كخيار أول ، بالعكس من عيوب الإنسان العنيف انه يقدس أنانيته و يفرض على الآخرين منطق القوة  و تكون له دائما المبادرة في ذلك ، لكن من الممكن دائما التعبير عن التمرد دون اللجوء الى العنف . أكثر من ذلك هنالك استراتيجيات غير عنيفة أكثر نجاعة لمواجهة الظلم ، ولا شك في ان كل الثورات ابتدأت كمجرد تمردات ، لكن التمرد يبقى محدودا بالمقارنة مع الثورة التي ينصهر داخلها الشعب بأتمه ، ومع ذلك ، يمكننا أن نلاحظ أنه لم تكن في التاريخ ثوراتعديدة غير عنيفة .

عندما يتظاهر الناس في الشارع ، هناك دائما مشاغبون مستعدون للتكسير وآخرون مستعدون للانضمام الى أعمال الشغب . كما يمكن كذلك للسلطة القائمة  أن تلجأ إلى استفزاز المتظاهرين و تأجيجهم للدفع بهم إلى  القيام بتجاوزات أو لممارسة العنف وذلك  لتبرير استخدام القوة ضدهم . لكن على أي حال ، حتى لو لم يكن هناك عنف هناك في كلثورة علاقات قوة ، وهذه نقطة سنعود إليها لاحقا .

ألبير كامو يقف كثيرا عند تصور للثورة تمت صياغته في الشيوعية الماركسية ، هذا التصور يقول إن الثورة تخون التمرد . و الفكرة المثيرة للاهتمامهنا هي أن الأيديولوجية ( التي نصفها عادة بالحركة : النازية، الفاشية، الشيوعية،... ) تحمل في جوهرها الشعور بالظلم والقهر ، الإحساس بأننا بصدد إحباط شعب و الدفع به نحو تحقيق غايات خاصة ، أو نحو حتفه . لكن بدلا من السماح في سياق الدفعة الثورية بتحرير

أنواع من اليوتوبيات للقيام بمهام معينة ، تترك لخدمة أهداف أو خطط أخرى ، هي بالتحديد ( أجندات ) نظام ينتهي بأن يكون متسلطا . و بالمقابل،  نقول عن المتمرد أنه يعرف ما لا يريده ، ما سأم منه و يود تغييره ، لكنه لا يعرف بعد ما يريده ، المتمرد  يبحث . في التمرد ، لا شئ مخطط له ، المنهج حر لبناء و إنشاء عالم أفضل.

هنالك من يقول أيضا أن التمرد يجب أن يتحول أولا إلى انتفاضة من أجل أن يصير لاحقا ثورة ، لكن هذه المرة أيضا هناك غموض ،  فالتمرد قد يكون فقط أداة لاقتلاع جسم مؤسساتي ، حزب ، أو سلطة اجتماعية  تفرضها طبقة لا يهمها سوى الدفاع عن مصالحها الخاصة . التمرد هو دفاع طبقة ما عن مصالحها ضد السلطة القائمة ، و الدفاع عن نقابة ما بالقوة لا يعني بالضرورة قيادة ثورة . نتحدث عن تمرد القضاة ، الجنود ، الطلبة ، العمال ، المزارعين ، الخ... لكن لابد أن لا نغفل أنه من  الضروري أن يكون الاستياء شاملا ، و أن تكون محفزات التمرد متفق حولها و على نطاق واسع  ، حتى يكون للتمرد سند شعبي حقيقي . يجب  تجاوز المصالح الطبقية أو الفئوية الضيقة . كما  يمكن أن نذهب إلى ابعد من ذلك فنقول ان الثورة تبدأ بعد تمرد واسع لا يهدف إلى مجرد الاحتجاج و إنما إلى الاستيلاء على السلطة . في عام 1968 مثلا دخل الطلبة في انتفاضة ضد الحكومة ، ولكن الإضراب العام هو الذي قاد البلاد إلى ثورة ، إذن في التمردات تنتشر العدوى ، ومن رحم التمردات تولد الثورة ، و عندما نكون بصدد تمرد عام  نكون على أعتاب الثورة .

 

الثورة و الإصلاح

يستعمل مفهوم الإصلاح عادة لوصف المبادرات التي تسعى الى معالجة أشكال ممارسة السلطة ردا على ارتفاع وثيرة الاحتجاجات ، عندما يتظاهر الشارع تقترح الحكومات مجموعة "إصلاحات" ، الإصلاح تغيير ، ولكنه تغيير بطيء يفتقد إلى الاستمرارية من جهة  و الى آفاق واسعة من جهة أخرى . يمكننا إصلاح مؤسسات بعينها لكن لا علاقة بالطبع لتلك "الروتوشات" بالثورة ، ومن شأن الانقلاب بالتأكيد أن يكون أكثر جرأة ، لكن الانقلاب ليس ثورة ،  انه استيلاء على السلطة بالقوة . في الانقلاب ليس هناك ما يضمن أن تأخذ تطلعات الناس بعين الاعتبار ، والخطير في المسألة بالتأكيد أن أولئك الذين يستولون على السلطة ، و هم غالبا القوات المسلحة ، سيحتفظون بالسلطة لأنفسهم ، كما يمكن للانقلاب أن يكون رجعيا  و محافظا و بالتالي فهو نقيض للثورة ، و من اللحظة التي لا يجد  الناس ذواتهم في السلطة السياسية التي تدير شؤونهم تنشأ حركات المقاومة

الثورة و المقاومة

المقاومة هذه الكلمة عادة ما تشير إلى حركة ضد المحتل ، أو ضد حكومة تؤيد سلطة المحتل . لهذا السبب كنا نتحدث عن مقاومة خلال سنوات حكومة فيشي . لكن فقط عندما تتأسس مصالح السلطة على أرضية مصادرتها لمصالح أسر أو عشائر أو أعراق لصالح أخرى ، وما إلى ذلك ، عندما تتسع الهوة بين  مصالح الموالين للسلطة و المصالح التي فيها خير الجميع ، تولد الحركات الثورية التي تجلب إلى صفها المعارضين ، و في بعض الأحيان حتى المنشقين . و عندما تندلع  الثورة ، يكون هؤلاء هم الفاعلون الأساسين و البارزين.

 

وباختصار ، تنطوي الثورة على تغيير سريع، انتفاضة جماهيرية يتجند لها الجميع ، حركة تجد  لها آثارا في المجال  الاجتماعي والثقافي الاقتصادي والسياسي ، انتفاضة  تترجم رغبة في  تصفية الماضي و فتح آفاق عهد جديد. و بالتالي فمن دون تغيير جذري في ثوابت و قيم و مبادئ الحكم لا يمكننا الحديث عن ثورة

 

 

الثورة تحدث قطيعة  في مسار و مجرى التاريخ  ، حيث أنها تكسر استمرارية كانت تعتبر في السابق جد عادية ، بعبارة أخرى ، يمكن أن نتحدث عن قفزة و نقلة  ثورية ، تماما كما في الفيزياء حينما  نتحدث عن تغيير مفاجئ في حالة بناء او نسق معين .

 

باعتمادنا هنا  على التاريخ ، يمكننا ، فقط من أجل مزيد من التوضيح ، إضافة التمييزات التالية :

 

التغيير السياسي الجذري يؤدي إلى ثورات الاجتماعية تكون لها حتما نتائج باهرة خصوصا على مستوى العقليات ،  أنه يغير معطيات التاريخ ، و مثالنا على ذلك  إلغاء الرق ، و إلغاء الامتيازات ، و إقرار حق النساء  في التصويت من جهة ، و من جهة ثانية  من الممكن أيضا أن نقول أن أحداث مايو 1968 في فرنسا  لم تؤد إلى قلب في المؤسسات ، إلا أنها عجلت باتفاقات "غرونيل" وتسببت في حدوث تغييرات في المواقف و في الذهنيان .

مفهوم "الثورة الاجتماعية" كان دائما معوما و فضفاضا . في الماضي كنا نميل إلى السماح باستعارة وتبني قرارات سياسية بدعوى أنها  " كانت ثورة اجتماعية حقيقية ".  قمنا بذلك على سبيل المثال في  تشريع الإجهاض و إدخال حبوب منع الحمل .

نقصد بالثورات الشيوعية تاريخيا تلك الثورات المستوحاة من روح الماركسية و من صراع الطبقات ، و تحديدا من نضال البروليتاريا  ضد البرجوازية و منها :انتصار الحزب الشيوعي في الصين إبان الحرب الأهلية في سنة 1949،  الثورة الروسية في 1917، و الثورة الكوبية في 1959 ، و ما إلى ذلك

وأخيرا ، و هذا بالطبع موضوع هذا الدرس ، المقصود  بالثورات السياسية ، الحدث التاريخي الهام في تاريخ أية أمة ، و المتمثل في التحول الجذري الذي يطال الأفراد و المؤسسات السياسية  ،ذلك  الذي يعقب انتفاضة شعبية . وقد أصبحت الثورة الفرنسية 1789-1799 مرجعا في هذا الشأن  بحيث أصبحت المبادئ التي تأسست عليها الجمهورية  نموذجا يحتذ . بعد حرب الاستقلال 1775-1783  الثورة الأميركية  برزت أيضا كنموذج  لأنها أدت إلى تشكل الولايات المتحدة كأمة . يمكن إن نتحدث أيضا عن  ثورة القيم  في تشيكوسلوفاكيا في عام 1989 ، ثورة القرنفل في البرتغال عام 1974 ، وثورة الورود في جورجيا في 2003 ، والثورة البرتقالية في أوكرانيا في 2004 ، وثورة الزنبق في قيرغيزستان في 2005 ثورة الزعفران في بورما في 2007 ومؤخرا ، ثورة الياسمين في تونس . و ضمن هذه الفئة أيضا يمكن أن نضع حروب الاستقلال كثورة هايتي 1791 .

المرجع :

عن موقع الفلسفة و الروحيات

درس :  التفكير في الثورة

*أستاذ الفلسفة

-الفقيه بن صالح-

المغرب




هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

اضغط هنـا للكتابة بالعربية

 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



زراعة الكيف تجارة مربحة وجب تقنينها ؟

بني ملال : إسدال الستار على الملتقى العلمي الثالث حول "الهوية بين الخصوصية والعالمية "

حكاية قرار لا وطني: المغرب والتوقيع على اتفاقية أكتا

بنكيران يرسل لجنة لإعداد تقرير حول استغلال الصفريوي لـ 27 ألف هكتار من الغاسول بمنطقة ميسور

لحسن حداد: "محمد السادس حث حكومته على مساعدة اسبانيا"

صدمة مغربية أمام مبادرة الولايات المتحدة حول الصحراء

رفاق الحمزاوي يحيون ذكراه رغم الحصار. صور + فيديو

هل سيستغني المخزن عن التراكتور ويعتمد السلفية بنزينا جديدا بعد استنفاد وقود المصباح ؟

"وقع هنا فحسب" تقرير ناري عن المغرب لهيومن وايتس ووتش

ملف: العوامل التسعة التي أسقطت فارس عين أسردون

ألبير كامي و سؤال الثورة السياسية .... ترجمه إلى العربية ذ. رضوان أيار*