جدار … عازل

 

 

البارحة “زغبني الله ” في مرافقة صديق لي لكورنيش أكادير ليلا ، كنت دوما أرفض الذهاب إلى هذا المكان طيلة إقامتي بمدينة التناقضات ” أكادير” ، و لأنه ألح علي في مرافقته لمؤانسته في الطريق ، أو ربما كان يريد أن يحرك بداخلي ذلك الإحساس بالنقص و الغبن داخل بلدي ، و لأن الجو كان يغري بزيارة للبحر قلت ” ما فيها باس” في تغيير الوجوه المعتاد رؤيتها بحي ” الداخلة ” ، أخدنا سيارة أجرة حمراء ، لا أعلم لماذا تم إختيار هذا اللون ، هل هو إنذار لجيوب المواطنين بخطورة ” كونطورها” ؟، أم محاولة لجعلها بادية لأعين من تسللت أشعت الشمس لقزحيتها فحالت بينها و بين رؤيتها للألوان بوضوح ، على أي مهما كان الغرض من ذلك اللون فهي في آخر المطاف وسيلة نقل غير متاحة للجميع خصوصا حينما تغادر الشمس كبد السماء. الساعة تشير إلى الحادية عشر بالتوقيت المغربي ، العاشرة بالتوقيت العالمي ، ترجلنا من ” بتي طاكسي بالباطوار ، لازل بائع ” الديطاي” في مكانه ينتظر من يقتني سيجارة تنسيه تعب يوم من ” الدوران” ، صاحب عربة ” الهندية ” يتفنن في ترتيب ” الكرموس” من أجل فتح شهية الماريين بجانب عربته ، كم من واحد لازل يعتبر هذه الفاكهة من مخاطر الطبيعة أو ” دارتها بيه” في لحظات إنتشاء بطعمها الحلو ناسيا عد كم إلتهم فوجد نفسه في ورطة ” إوا عند الفورة إيبان الحساب”. بدأنا في شق طريقنا صوب ” لا كورنيش ” و سط أجساد و مؤخرات أصابتني بتخمة النظر إليها ، سيارات فارهة تكذب مقولة أن المغرب في أزمة ، كل ما أعرفه أن جارنا هو الذي في أزمة إيجاد ثمن الربو الذي أصابه في غفلة منه ، مومسات و عاهرات إخترن إرتداء ” عبايات” يخفين تحتها ” مني جيب” لأظهار المفاتن من أجل إصطياد زبون يدفع ثمن ” البيرة” ، وقضاء ليلة حمراء يمكن أن تنتهي سوداء إذا ما حلت ” الصطافيت” . وصلنا الكورنيش ، وجدناه ممتلئا بالناس ، نساء أطفال شيوخ و حتى محجبات ، كل يبحت عن مراده من إرتياده المكان ، أطفال صغار محظوظين في تجريب ألعاب كنا نحن نشاهدها فقط في أفلام ” والت ديزيني” ، شباب تفنن في إيقاف شعر رأسه ” بحال إيلا شادو الضو ” يلاحق معاكسا فتيات أرهقهن ” الطالون” ، متلفظا بكلمات الإعجاب و العشق وحينما لا يجد قبولا من طرفهن يبدأ في لعن و سب” طاسيلتها “، نفس الفتاة تجاوبت مع شاب يظهر على ثيابه ” أثر النعمة ” ، فالأول لم يكن يرتدي سوى ملابس ” البال”. على الجنبات كانت تنبت المقاهي كما ينبث الفطر في البرك الآسنة ، كل مقهى تجتهد في غناء مقاطع تجلب زبناء يستطيعون دفع مشروب يفوق ثمنه أضعاف ما هو مكتوب عليه ، بالجانب الأخر كان العشاق يتسللون في خفية من أعين المتلصصين للرمال الشاطئ لسرقة لحظات ممتعة تبدأ بقبل ، و يمكن أن تنتهي ” بشي عجب كحل” . ما أثار إنتباهي ، تلك الأنغام الغربية المنبعثة من إحدى الباحات الخلفية لأقدم فندق بالمدينة ، وعلى إيقاعها تتمايل أجساد يظهر من لون بشرتها أنها ” ماشي ماروكية ” ، و مع كل مقطوعة تمتد الأيادي لمنصة كانت مؤثثة بأنواع الخمور ، كل هذا يجري أما أعين رجل أمن ، فالسهرة لم يكن يفصلنا عنها سوى سياج حديدي يبين ما بالداخل بوضوح ، و غيرهم من غير المحظوظين من من يريد نسيان معاناته بشرب ” الماحيا ” يجد نفسه في مخفر الشرطة لأنه يسكر علانية ، و ماذا يفعل هؤلاء هل يصلون علانية ؟ إنها الفوارق من يصنع القانون. و أنا عائد بعد أن وصل السيل الزبى كما يقال ، تذكرت نساء البوادي ممن أرهقهن تعب يوم ، تذكرت أطفالا كل حلمهم هو الحصول على دواء يذهب عنهم ” كحبة” مرض السل ، تذكرت شيوخ أقعدهم المرض فوجدوا الدولة تصرف لهم معاشات لا تكفي ثمنا ” للروماتيز” ، تذكرت جارتنا التي توفيت لأنها لا تملك ثمن عملية بسيطة ، تذكرت أننا غرباء في وطننا . لكل هذا على الدولة أن تفكر في بناء جدار عازل يفصل بين ” شعيبة ” ، و بين علية القوم لأنهم يكرهون رؤيتنا في لحظات سكرهم من أمول نهبوها لنا . ـــــــــــــــــــــــــــــــــ الحافة حسن


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...