هل يساند الثوريون (ات ) كل حركة تتعرض للقمع ؟ (1)



” بنادي على كل واحد في مصر
ندايا أنا لكل بيت مش لقصر
بلدنا في محنة…نظامها ذابحنا
وواجبنا إحنا ..نصونك يا مصر” فؤاد نجم
لازال إلى الآن النقاش و الجدال حول ما يجري بمصر لم يهدأ بعد سواء محليا أو اقليميا أو عالميا ، فتطور الاحداث دفع بالكل إلى الانخراط في هذا النقاش المحتدم حول طبيعة الموقف أو المواقف الواجب اتخاذها إزاء ما يحدث، بل انتقل الوضع من اتخاذ مواقف الى تجسيدها عمليا بين معارض ومؤيد لهذا الطرف أو ذاك . فوسط فوضى من المفاهيم و التحاليل التي أصبح ينتجها بعض المثقفين الليبراليين و القوميين بل حتى من يقول بالانتماء الى ” اليسار ” ، تاه النقاش و التحليل العلمي بطبيعة الصراع السياسي في مصر بما هو صراع طبقي ارخى بظلاله على مجمل التطورات في مصر خاصة ،و اقليميا وعالميا بشكل عام .
ففي غمرة الفوضى هذه ظهرت العديد من النزعات و التي إن لم ننتبه لها كشيوعيين  (ات ) وكثوريين بشكل عام ستخلق – وهي بدأت تخلق أفكارا غير سليمة ومشوشة ستضر بالحركة الثورية وستغرقها في مستنقعات النزعة ” القومية الصغيرة ” و النزعات الانسانية اللطيفة ، وعمى الفهم لكل صراع سياسي باعتباره صراعا طبقيا .
لقد بحت الحناجر اليوم حول النداء “بالشرعية ” و ” الرئيس الشرعي ” ضد انقلاب العسكر… الى غير ذلك من المفاهيم التي أنتجتها وتحاول نشرها ” جماعة الاخوان المسلمين ” المعبر السياسي عن مصالح البرجوازية الكبيرة بمصر ،وما لاقته هذه الشعارات من صدى لها وسط العديد من المثقفين التائهين طبقيا بل حتى وسط بعض اخوانــ “ــنا ” في اليسار ، فشعار “الشرعية ” و “ضد الانقلاب ” هو مفهوم فضفاض كل طبقة تراه من وجهة نظرها الخاصة ، تاريخ الحركة الشيوعية العالمية وتاريخ نضالات الشعوب المضطهدة مليئ بالدروس في هذا الصدد ، فإبان الثورة الروسية  ( أكتوبر 1917 ) شكل استيلاء البلاشفة على السلطة السياسية عبرانقلاب على حكومة كرنسكي المؤقتة ” انقلابا دمويا ” في نظر الاشتراكيين الثوريين و المناشفة و الكاديت عل شرعية الحكومة ” المنتخبة ديمقراطيا ” ، أما البلاشفة فشرعيتهم كانت تستمد من مجالس العمال و الفلاحين عبر رفع شعار” كل السلطة للسوفيتات “، تاريخ الثورة الصينية مليئ بهذه الدروس كذلك والتي يمكن أن نركزها في مقولة الرفيق ماو الشهيرة ” السلطة السياسية تنبع من فوهة البندقية ” ، من وجهة نظر بروليتارية هل يمكن أن نتحدث عن وجود ” شرعية صناديق الاقتراع ” قادرة على ايصال أي تيار سياسي معادي للأمبريالية و الاقطاعية الى سدة الحكم في دول شبه اقطاعية وشبه مستعمرة ؟ هل يمكن الحديث أن الديمقراطية و الشفافية حتى بالمفهوم البرجوازية في الدول الامبرالية ” المتحضرة ” هي من جلبت ” مرسي ” الى كرسي الرئاسة في مصر؟ هذا التحليل عفى عنه الزمان قرابة 3 قرون مضت ابان الثورثين الانجليزية و الفرنسية ، وأكدته انهزام ثورة 1848 ،أما اليوم فهو عصر الامبريالية عصر سيادة الاحتكارات على المستوى الاقتصادي و الرجعية السياسية على طول الخط ، فطبقة البرجوازية البيروقراطية و الكمبرادورية المعبرعنها وسط القيادة العليا للجيش المصري والتيكنوقراط المدني ترى شرعيتها في المحافظة على مصالحها الطبقية التي لا يمكن أن يقتصر الأمر على تصنيف ممتلكاتها باعتبارها من أسرار الدولة وإنما أيضاً لتوسعها وتشعبها، إذ تتمثل المصالح التجارية للطبقة الكمبرادورية في مصر في أقدم المصانع التي تديرها وزارة الإنتاج الحربي، والهيئة العربية للتصنيع  (AOI )، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية  (NSPO )  (مجلة “ميدل إيست ريبورت” 262، ربيع 2012، ترجمة سهى فاروق ). كما تشرف طبقة البرجوازية البيروقراطية على العديد من الشركات التابعة للشركات القابضة المملوكة للدولة، وتمتلك أسهماً في مشاريع القطاعين العام والخاص. في كثير من الحالات، تعتبر هذه العمليات الصغيرة جزء لا يتجزأ من مجموعات الشركات العابرة للقارات، والتي تشمل قطاعات اقتصادية عدة، من البناء والشحن البحري إلى تصنيع الأسلحة. إذ تتميز المؤسسة العسكرية بقدرتها على جذب شركاء الاستثمار الأجنبي بشكلٍ جيد. وذلك لأن جزءاً كبيراً من القطاعات الاقتصادية التي تسيطر عليها بشكلٍ قوي، هي أيضاً تلك التي لديها امكانيات كبيرة للربح. تشمل هذه القطاعات النقل البحري والجوي والنفط والغاز، والمشاريع البيئية الصناعية مثل معالجة مياه الصرف الصحي وتوليد الطاقة المتجددة.  (مجلة “ميدل إيست ريبورت” نفس المرجع ) ،وقد واصلت المؤسسة العسكرية بنشاط الشراكات مع شركات الخارج في كل من هذه القطاعات، في إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص في المقام الأول، وهي آلية لاقتصاديات التنمية تلبي أيضا قيود مخططي السياسات الامبريالية كصندوق النقد الدولي .
فالبرجوازية البيروقراطية و الكمبرادورية المعبر عنها وسط القيادة العليا للجيش المصري وخارج المؤسسة العسكرية في التيكنوقراط المدني و التي تتشابك مصالحها بالامبريالية العالمية كانت تحاول دائما أن ترسم صورة الجيش المصري كجيش فوق الطبقات معزول عن الدولة في حين أن مهمته هي الحفاظ على الدولة كجهاز طبقي في يد هاتين الطبقتين للحفاظ على مصالحها الطبقية ضد العمال و الفلاحين وعموم الكادحين .
منذ بداية الحراك الشعبي بمصر حاولت المؤسسة العسكرية أن تمزج بين حركتها وحركة الجماهير الشعبية محاولة اضفاء شرعيتها المهزوزة وتقديمها كحركة واحدة ، من الناحية السياسية و الطبقية لا يمكنهما أن يسرا معا أو أن يتحالفا معا بالرغم من الديماغوجيا المنتشرة في الجو حول ” وطنية الجيش المصري وووو ” ، عندما انتفض عموم الشعب المصري  ( عمال ، فلاحين ، مثقفين ، شباب ثوري …. ) على واقعه البئيس ومخافة من تطور هذه الحركة الشعبية نحو اتجاهات لا تحمد عقباها إبان الانتفاضة الاولى يوم 11 يناير 2011 تدخل الجيش عبر انقلاب عسكري على ” الرئيس الشرعي ” و ” المنتخب ديمقراطيا ” لإسقاط نظام – مبارك، إن عدم نزاهة المؤسسة العسكرية لعملية الانتقال السياسي، كانت واضحة منذ لحظة الانقلاب على نظام مبارك. وكان أن وفرة الغضب من الثروة الفاحشة للمقربين من القطاع الخاص لمبارك، الفرصة الذهبية للجيش للقضاء على المنافسين وسط الطبقة الحاكمة ، فقد أجبرتها الحركة الشعبية على الرضوخ – ولو مؤقتا لمطالبها بإسقاط رمز من رموز الطبقة الحاكمة وانتزاع حريات سياسية ونقابية غير ” رسمية ” ولحظية غير تابثة . في غياب المعبر الحقيقي عن مصالح البروليتاريا و الجماهير الشعبية استطاعت البرجوازية الكمبرادورية و البيروقراطية من خداع الشعب في تحالف مكشوف مع حليفتها البرجوازية الكبيرة المعبر السياسي عنها ” جماعة الاخوان المسلمين “، والتي بدورها استطاعت باعتبراها أكبر قوة تنظيمية سياسية بعد مؤسسة الجيش وبحكم الظروف الاقليمية و الدولية التي تميزت بصعود التيارات الفاشية لا سواء في أوروبا أو فيما أصبح يعرف بدول ” الربيع العربي ” . من تأدية المهام الموكلة لها عبر قمع الشعب المصري ومصادرة التراكمات التي حققتها انتفاضة 11 يناير .
إن هذا التحالف العسكري الاخواني في جوهره هو تحالف لحظي مرحلي حاولت من خلاله مؤسسة الجيش أن ترجع الامور الى ما قبل 11 يناير، وامتصاص غضب الجماهير بالقمع تارة ، وتارة اخرى بإسناد المهمة الى أكبر عصابة منظمة في مصر لبسط سيطرتها وممارسة اساليبها الارهابية على الشعب الكادح ، من جهة ” جماعة الاخوان المسلمين ” فقد سعت على منوال اخوتها في باقي دول ” الربيع العربي ” الى خونجة المجتمع وبناء قواعد ارتكاز خلفية للثورة المضادة داخل الدولة والاقتصاد و المجتمع من موقع ” الرئيس الشرعي ” – الشكلي طبعا – وتمرير مشروعها الفاشي المسمى ” نهضة مصر ” وكانت النتيجة هي برلمان شديد التوافق مع الجيش في الإدارة الاقتصادية. رغم تأكد حدوث صراع على السلطة بين “جماعة الاخوان ” والمحيطين بها ومؤسسة الجيش، حيث دعمت الأحزاب التي تسيطر على ما يقرب من 87 بالمئة من البرلمان  (الحرية والعدالة، والنور السلفي، حزب الوفد والكتلة المصرية ) مواصلة السعي نحو جذب البساط من تحث كمبرادوريي المؤسسة العسكرية .
وبهذا كله قد أحنت المؤسسة العسكرية رأسها للعاصفة الثورية بإنقلاب عسكري  (لم يتحدث عنه أي من اخوننا في اليمين أو “اليسار”  ) في 11 يناير ، لكن على منوال المثل الشعبي المغربي الشهير ” السن يضحك للسن و القلب في خديعة ” و الذي توفقت كلا الطبقات المستفيذة من هذه الهزيمة الشعبية و الذي دام قرابة سنة ونصف، بدأت التناقضات تبرز وسط التحالف الطبقي المسيطر لاسيما بعد هبوب رياح الانتفاض من جديد و التي دبت وسط الجماهير الشعبية التي خلصت و بالملموس أن وضعها لم يزد إلا تأزما بل الادهى من ذلك “جماعة الاخوان ” لم يضيعوا اية فرصة على انفسهم لفرض القوانين الفاشية وخنق الحريات السياسية وتحويل آلة الدولة القمعية والبيروقراطية والقضائية الى اداة بايديهم لفرض اجندتهم المضادة للثورة عبر التفنن في رفع الاسعار والهجوم على نضالات العمال وطردهم و المزيد من مراكمة فائض القيمة ….
بعد الطلاق الذي اعلنته المؤسسة العسكرية في 3 يوليوز والذي جاء على أرضية نفس اهداف الانقلاب الاول مع معطيين أساسيين لا يمكن تجاهلهما :
استناد البرجوازية الكمبرادوية و البيروقراطية  (القيادة العليا للجيش ) على طبقة جديدة ظلت مهمشة لمدة نظرا لضعفها الاقتصادي ما أثر على خفوتها السياسي و هي البرجوازية الليبيرالية  ( البرادعي ومن لف لفه ) التي استطاعت أن تكسب ثقة جزء من الفئات الشعبية التي ملت من الحكم العسكري الاخواني تحت يافطة الدولة المدنية و الحكم المدني
الصراع الذي وصل اوجه بين المؤسسة العسكرية و” جماعة الاخوان المسلمين ” بعد محاولة هذه الاخيرة في خطوة غبية توهم من خلالها أنصارها بأنها فرعون زمانها وذلك بمحاولة تعديل ” وثيقة الزواج ” الممثلة في الدستور ،بينها وبين المؤسسة العسكرية عبر اعطاء ” الرئيس الشرعي ” كل السلطات .
وكسابقاتها تدخلت المؤسسة العسكرية بإنقلاب “حديث ” يستند الى ” شرعية الشارع ” وغيرت نظام – مرسي ، بنظام مبارك – السيسي .
لقد حاولنا ولو بشكل مقتضب ابراز جوهر الصراع الحالي في مصر بما هو صراع بين التحالف الطبقي حول الاستيلاء على السلطة السياسية بين البرجوازية الكمبرادورية و البيروقراطية من جهة المعبر عنها في القيادات العليا في الجيش والتيكنوقراط المدني وبين البرجوازية الكبيرة المعبر بــ” جماعة الاخوان المسلمين ” وبين هذا وذاك يرزخ الشعب المصري بطبقاته الكادحة من  ( عمال ، فلاحين ، مثقفين ، شباب ثوري …. ) تحت وطئة الجوع و البؤس .
إن المجازر المريعة التي تمارسها المؤسسة العسكرية وجماعة الاخوان و التي يروح ضحيتها العديد من الشباب الساخط عن مؤسستي الجيش و الشرطة و التي تحاول جماعة ” الاخوان ” الدفع به نحو الموت لاستغلال حجم القتلى في دعايتا ضد الجيش والترويج لشرعيتها ، تبين حقيقة مؤلمة ومريرة ، وهي غياب حزب ثوري يعبر عن مصالح العمال وكل الكادحين و يرسم استراتيجية واضحة للإستيلاء على السلطة السياسية عبر العنف الثوري المنظم وبناء دولة مجالس العمال و الفلاحين وليس عبر ” شرعية ” صندوق النقد الدولي و المؤسسات الامبريالية وفي مقدمتها ” مجلس الامن “.
لكن غياب هذا الحزب ليس مبررا للتقاعس وترك الجماهير تنكش أنفها وسط صراع الفاشية العسكرية و الدينية وليس أيضا مبرر لطمس الحدود بين المضطهدين و المضطهدين عبر نشر سموم ” حقوق الانسان ” التي يروج لها عندنا بعض الدجالين المحتالين مشوهي وعي الشباب الثوري وعموم الجماهير ، إن الوضع في مصر لا يحتاج الى الدفاع عن “حقوق الانسان” ومساواة الجنرال السيسي ومحمد بديع بالكادح (ة ) المصري ، ما يحتاجه الامر هو الدفاع عن حقوق الشعب المصري في الحياة و “العيش” و الحرية السياسية و النقابية . فمن بين المهام المطروحة حاليا على كل من يفكر بشكل جدي في تغيير موازين القوى أو لنقل في تنظيم تراجع استراتيجي منظم وايجابي وسط الجماهير :
فضح المشروع الفاشي الذي تصارع من أجله جماعة ” الاخوان ” ايديولوجيا وسياسيا وعمليا
مناهضة الطغمة العسكرية وابراز جذورها الطبقية ومضمونها السياسي
خلق لجان الشعبية للأحياء و المناطق للدفاع الذاتي ضد هجمات الفاشية العسكرية و الدينية
تكثيف الدعاية وسط الجماهير الشعبية لتهييئ الشروط لموجة جماهيرية ثالثة تفضح جماعة الاخوان و العسكر
النضال من أجل استرجاع الحريات و من المزيد من انتزاعها السياسية و النقابية التي فرضتها انتفاضة 11 يناير.
يتبع …..

——————————————————————————

خالد بنسودة


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...