أحمد كازى:فعل التخارج من خلال أعمال الفنان مولاي المصطفى التيجاني كما يراها ذ. حسن الإسماعيلي

– أحمد كازى-*

يحرك حقل ” الفن التشكيلي ” الكثير من المهتمين من خلال الاهتمام بمـمارسيه، ومدارسه، وتاريخه، ممـا يحولهم إلى نقاد للفـن من أجل الكشف عن منطق اللوحة أو العمل. و يعتبـر صاحب ” الأنـسكلو بيديــا ” ( ديدرو)، أول من أسس النقد الفني وكذلك “بودلير”. 
والنقد الفني، بمطالبه وتوجهاته هو إغناء للفعل الإبداعي بالبحث في مطالب اللوحة، ومراميها، وبالتالي خفائها الغير المصرح به، والغـير الظاهر. وهذا ما عـمل الأستـاذ ” حسن الإسماعيلي ” على إبرازه، وإظهاره، محاولا الإطلالة على أبعاد هذه الأعمال المنجزة من طـرف الـفنان ” مولاي مـصـطفى تيجـاني “. والغـرض عنده هو الوقوف على المعنى الجمالي أو كيفية إنتاج ما هو جميل عبر هذه الإبداعات المتعددة المسالك والوضعيات 
وما ينبغي التأكيد عليه، هو أن العمل الفني بجماليته الظاهرة والخفية، هو دوما منفلت، ولا يمكن أن تحكمه قواعد ثابتة ونهائية لأن منطقه محكوم بأبعاد لا عقلية، بل متخلية، حيث هناك إمكانية للحديث عن الأشياء بحياتها الخاصة في العمل، والسارية بشكل خفي ومستور في المشهد. 

إن العمل الفني كمـنتوج ملموس، يــضع القارئ أو المتلقي أمام قضية معرفية، والممثلة في كــــيفية تقليص المسافة الفاصلة بينهما: هل يتم الاهتمام بصاحب المنتوج أو بالمنتوج؟ وهل فهم المنتوج يتطلب معرفة مسبقة بصاحبه؟ 

هذا الإشكال سبق وأن أثاره “هيـدجـر”، وهو في نــظره غيـر مـلتصق لا بالـمنـتوج ولا بصاحبه، بل بالعلاقة بينهما. في حقل الفن تتحول المشاهد المتعددة المدارك والوضعيات إلى مناسبة لرؤية العالم كأفق إستطيقي وبالتالي إلى قضية فلسفية، أي إلى موضوع قابل للمساءلة، والاستفهام حول تشكيله، لا مضمونه. ومن هنا تأتي مشروعية النقد الفني، بالرغم من حرية الفنان في الإبداع. إلا أنها حرية مفيدة بفعل التخيل، وممتدة داخل حقل استعاري، بالاستعمال الرمزي للخط واللون، والحرف، والجسد.

إن كل تجربة إبداعية، فنية، هي فعل ” كيميائي «، وعبارة عن مـزيج من المواد المتداخلة والصانعة للعلامات المشيرة إلى الموضوع أو المضمون. لأن هذا الأخير ليس معطى بشكل مباشر وحسي، بل هو مستور أو مطوي وغير مباشر. ومن هنا تأتي مشروعية القراءات المتعددة للأعمال الفنية، وما قراءة الأستاذ ” حسـن الإسماعيلي ” إلا واحدة من بين قراءات مفتـرضة أو ممكنة: فما هي اختيارات ” الأستاذ الإسماعيلي ” اتجاه هذه الأعمال؟ وهل وقف على الخيط الرابط بين مضامينها وعلاماتها المتداخلة؟

فالسياق الذي يتكلم من خلاله صاحب الكتاب، وهو ذلك المرور الغامض من اللامرئي إلى المرئي، أي كيف يتحول المرئي إلى مشهد لتقريب خفائه. وهذا في عمقه بحث عن تمظهرات الداخل، أو كيفيات حدوث الاستضاءة، فقارئ الكتاب يكون أمام صورتـين: الصورة المرسومة من طرف الفنان ” مصطفى التيجاني” والخطاب المؤول لها. مما يضعنا نحن كمتلقين أمام، كلمة وصورة. وصاحب الكتاب اختار مسلكا نظريا لرؤية الموضوع، بتمثله المحدد في كيفية الخروج من المتاهة، مستعيدا في ذلك تجربة ” ديدال ” أو أسطورة ” ديدال “: كتيه محكوم بالمأساة والحيرة وللااستقرار … هذا ما جعل من تجربة ” مصطفى تيجاني” بأن تكون شبيهة بنهر متجدد، لا نسقط فيه إلا بطريقة رأسية، بحثا عن العمق. وغرضه من ذلك هو تأطير القارئ، ودمجه في ذاكرة الفنان الذي إعتاد منذ طفولته التواصل برمزية ” الماء ” و ” الطين “، وهو يستحم في فضاء خاص بأهل بلده ( أم الربيع ) .

ينطلق صاحب الكتاب من الذاكرة، كإلتقاء، وتضارب لمعاني متعددة في ذهنية الفنان: المقدس، النور، الشخصيات .. فهل فعلا عمل ” مصطفى تيجاني ” على بيان هويات أصحابه، أم تعامل معهم كأجساد يصعب تسميتها أو إعطائها نعوتا محددة ؟ 

هناك نوع من العتمية الطاغية على هذا المنتوج الفني، دفعت الكاتب إلى أن يقف على إحراجات متعددة: كيف نخرج من الزمن و المكان لتقديم عمق المعنى أو ذلك المعنى الهارب والمنفلت؟ 

وللخروج من هذه المتاهة، استعاد ” حسن الإسماعيلي ” المقاربة الصوفية، لأن الذاكرة لا تسعفنا في تقريب الموضوع في كليته أو تشكيله اللوني، والخطي، والضوئي. والغرض من هذا هو تجريد المعنى بالانتقال من اللون إلى التلوين ومن الخط إلى الشكل، ومن الضوء إلى النور. وفعل التجريد هذا ليس عقليا أو مفهوميا، بل هو تتبع لحركية المتخيل في طاقته أو تحولاته الإستطيقية والجمالية. كما هو الأمر في مشهد ” القلم و اللوح”، الذي يتجاوز فعل الكتابة المدادية ( الحياة ) إلى فعل التلاشي، أو الرماد المتبقي من الحياة، و هو ما تبقى من فعل الاحتراق: فهذا ” العمل “، بقدر ما يأخذ قيمة اللوحة الفنية، بقر ما يصلح وصفة إشهارية، باستبدال هوس التدخين بهوس الكتابة . 

ما ينتج عن هذا، هو أن فكرة التحولات الطاغية على أعمال ” مصطفى تيجاني ” تخدم فكرة واحدة، والممثلة في مفهوم ” العبور”، أو السفر اللانهائي داخل ” الحد “، لأننا لا نقطن المكان، بل ما بين الأمكنة. و هناك لحظة واحدة نتمثل بها هذا الحد، و هي لحظة تحول المداد المائي إلى رمادي لأن الحد وجوديا هو ما بين الحياة و الموت – البـرزخ – أو ما بين الإثنين Entre Deux. 

وأشكال العبور تأخذ صورا متعددة وقد عمل ” حسن إسماعيلي ” على استعاب أو حصر هذا الأفق من خلال فكرة المرآة، معتمدا في ذلك على العمل المعنون ب ” Biens”، فهو يحمل دلالة ممتلكات، لكن سياقات الأعمال وتوجهاتها الموجهة بوعي صوفي، تدعو إلى استبدال الممتلكات بما هو خير. وما يجعلنا ننتصر لهذا المعنى الأخير هو الصورة الموضوعة في الأعلى والحاملة “لاسم الله “، وبجانبها مشهد ” مطلسم “: إنه اختيار صوفي عرفاني ، رمزي. وهذا عمق المتاهة في عالم التشكيل، فالألوان باهتة في فضاء هذا المشهد، لكن حل محلها الاسم والحرف.


إن تتبع حـركية التجـريد، هي أساس الفهم لمصطلحات هذه المعاني: إنها رغبة في الصعود من الكثرة إلى الوحدة، من المحسوس إلى المجرد، رغبة في القبض على الواحد. وهذا التماهي بفكرة الصعود يخفي مأساة ملتصقة بالإنسان، والممثلة في الخوف من السقوط: فهل هذا الخوف، هو ما تعكسه، وتجسده مشاهد التحولات ” Métamorphoses ” أو ” توجهات الحلازين “؟

وما يبرر هذه الاستفهامات هو وضعيات الأجساد الآدمية بعتمتيها، لأنها بدون هويات شخصية، ولأنها تخفي رغبة التعالي أو تسعى بأن تتحول إلى كائنات سماوية، أو بأن تكون ذات هوية علوية: إنها رموز الخصب كما يرى ” صاحب الكتاب ” : فما دلالة التشكيل الخطي لوجودها على شاكلة القيومية، إضافة إلى استقامة الحلازين ؟

إن القيومية في التقليد العرفاني – الصوفي -، مجسدة في ” حرف الألف “، حيث هناك إمكانية للوصل ما بين الإلهي والإنساني، وحيث هناك إمكانية للتوجه نحو السماوي بحرية. ولهذا كانت الأعمال الخاصة بالوجود الآدمي، بدون وجوه Faces، لأنها لا تُعرف ولا تُسمى إلا باستقامتها، فهي ليست أشخاصا، لأن الشخوص الإنسانية هي مجرد أقنعة للوجود الآدمي -الطيني-. 

لذا فالمعاناة من أجل إظهار الـداخل، أو ممارسة فعل التخارج، هي ما وجه الفنان للعودة إلى الماء والطين، المداد المائي والجسد الطيني: لكن هل في هذا انتصار للوجود الأنثوي كأصل،” والمكان الذي لا يؤنث لا يعول عليه ” كما يقول ابن عربي؟ وحسب هذه السياقات اللـونية تنمحي النعوت، لا ذكورة ولا أنوثة. هناك فقط أجساد مستهلكة لألوان بيضاء، و البياض رامز للنور، بل هو اسم من أسماء الشمس (البيضاء) .

ويتجسد الانتصار للوجود النير، بشكل أقـوى، بالتحول من قيومية الحلــزون إلــى ” عباد الشمس “، وبالتالي هناك تحول من الكائن الطبيعي إلى كائن نباتي. و من مهام هذا الأخير، هو التوجه نحو الشمس، عبر الميل إلى نورها بالصلاة: فـهـــل صــلاة ” عباد الشمس ” هي الصلاة النيرة أو نموذج القيومية ؟ وهل هذا الميل، هو رغبة في تشكيل نصف الدائرة المغيب عن حرف النون، المجسد، في لوحة ” القلم «: وهل الغرض من هذه التحولات هو وضع الشكل المدور في كماله واستكماله؟ أولا يكون هذا الاستدعاء لما هو نباتي وطيني ومائي، يعكس محاولة للقبض على ما هو حيوي في كينونتها وما هو قابل للتلاشي في صورة رماد؟ 

تلك هي استفهامات، محركة للأستاذ ” حسن الإسماعيلي ” من أجل الإحاطة بانفلاتات اللون والخط والشكل في تجربة مولاي ” مصطفى تيجاني ” لكونها أعمال نابعة من تجربة ذاتية خاصة، وملتصقة بآفاق فكرية ومعاناة داخلية باحثة عن الكمال المخفي والقابل للتخارج عبر الشقوق العاكسة والمجسدة لما هو قابل للانتشار كضوء.

 * استاذ بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة


قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...