في حرية الإبداع

– محمد بوبكري –

         هناك نوعان من “النصوص الروائية” . واحدة حية وأخرى ميتة. الرواية الحية هي تلك التي تصور لنا الحياة فعلا، حيث تأتي على الأديب لحظة وهو يكتب الشخصية تبدو فيها هذه الأخيرة كما لو أنها تتصرف من تلقاء ذاتها دون سلطة منه عليها. الأدب حياة، ولكنه حياة أعمق، لأن الأديب يُجمل الحياة بكل ضجيجها وصخبها وهديرها وصمتها في صفحات ذات معنى وفائدة. ومتى انعدم هذا العمق في العمل الأدبي فقدَ الحياة…

         يحتوي كل عمل أدبي على عنصر آني يناقش من خلاله الأديب مشكلات المجتمع الذي يعيش فيه، كما يحتوي على عنصر آخر يتمثل في قدرة الأديب على أن يخلق من المشكلات اليومية التي قد تختفي غدا نماذج إنسانية. وهذا ما يجعل أعماله قابلة دواما للقراءة مثل رواية “مزرعة الحيوانات” لجورج أورويل وغيرها…

          لقد كتب كل من دستوفسكي وتشيخوف وتولستوي عن المعاناة الحقيقية للإنسان والمجتمع في روسيا القيصرية في القرن التاسع عشر، لكنهما أنتجا بذلك معاني إنسانية حول علاقة الحاكم بالمحكوم والعلاقات بين الناس في الحياة… وهذا ما جعلنا نقرأ أعمالهم بالرغم من سقوط الحكم القيصري في روسيا منذ سنين بعيدة .

          لسوء الحظ، تم إغراق المجتمع العربي الإسلامي في النزعة التقليدية المنغلقة نتيجة غزو الفكر الوهابي القادم من صحراء الجزيرة العربية والمرتبط بالثروة النفطية. ويعادي هذا الخطاب السلفي المتشدد الفن عموما، حيث يرفض  السينما والموسيقى والغناء والرقص والتشكيل، كما يعارض ممارسة النساء للرياضة، على سبيل المثال. إذ كان فيلم “الكرنك” يتضمن مشهدا طويلا تبدو فيه الممثلة سعاد حسني وكأنها تتعرض للاغتصاب، وهو ما يرمز فنيا لمصر…، فالمشاهد “العادي” سينظر للمشهد الذي يركز على الجزء الظاهر من جسد الممثلة بتقزز. أما الذي يرى فيه ما هو أعمق من ذلك فسيصل إلى إدراك رمزية المشهد وتجسيده لاغتصاب أكبر وأشرس يرتكب في حق البلاد…

       لقد رفضت السلفية التكفيرية بعض النصوص الأدبية بدعوى احتوائها على بعض الألفاظ الخارجة، في نظرها، عن النسق القيمي الذي حدده “الإسلام”، والحال أن عيون التراث العربي تحتوي على نصوص لم تلتزم بذلك المعيار ومع ذلك أحرزت على قيمة فنية وجمالية إنسانيتين…

        هكذا، قامت مجموعة من “المحامين” المصريين برفع دعوى قضائية من أجل حظر تداول كتاب “ألف ليلة وليلة” بسبب تضمنه، في نظرهم، لبعض الألفاظ التي تخدش الحياء. ويكشف سلوك هؤلاء المحامين عن أنهم غير مطلعين على كتب التراث، حيث يحتوي أغلبها على ألفاظ تفصِّلُ في وصف العلاقة بين الرجل والمرأة. ويمكن، على سبيل المثال، أن نذكر في هذا السياق كتاب “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني وكتاب “الإمتاع والمؤانسة” لأبي حيان التوحيدي…

فما مصير هؤلاء الأدباء والمفكرين وغيرهم؟ هل نعتبرهم كفارا ونمنع أعمالهم من التداول ونحرق كتبهم؟ هل نلصق بهم أبشع التهم ونكّفرهم ونبيح دمهم، كما حصل مع العديد من المفكرين والشعراء والفلاسفة الذين  تم إحراق مؤلفاتهم كإخوان الصفا والمعتزلة، أو الذين قُتلوا وصُلبوا وطُردوا من البلاد بتهمة الزندقة والهرطقة والكفر مثل جعد بن درهم وابن المقفع وبشار بن بُرد وابن رشد والطبري والرازي والحلاج قديما، ومع جلال العظم وعلي عبد الرازق ونصر أبو زيد ونجيب محفوظ وطه حسين حديثا، ومع فرج فودة وحسين مروة ومحمود طه الذين دفعوا حياتهم ثمنا لمواقف فكرية وآراء نظرية؟ ….

          لا علاقة لهذا المنطق التكفيري المتشدد بقراءة الأدب! فالأدب يلتقي مع الدين في الأهداف العامة، لكن يجب ألا نطبق أبدا قواعد الدين وفتوى الفقهاء التكفيريين على تفاصيل الأدب.. فالأدب والدين يلتقيان في الدعوة إلى القِيَم والمبادئ الإنسانية، كالحق والخير والجمال، وهما يدافعان عن العدل والحرية وكرامة الإنسان، لكنهما يختلفان تماما من حيث الطريق المؤدي إلى ذلك…

         ليس رفض بعض النصوص الإبداعية العربية القديمة والجديدة سوى سعي لتدمير الأدب  والثقافة وتشويههما. فمن الواجب أن نحافظ على هذا التراث كما هو بدون أي تغيير أو حذف، كما ينبغي الدفاع عن حرية التعبير الأدبي ضد الرقابة والفكر المتشدد الموغل في النزعة السلفية التكفيرية…

      يدعي بعض السلفيين المتشددين أن بعض النصوص الإبداعية تمارس اجتراء على الدين، والحق أن المبالغة الفنية بالاجتراء على المقدس الديني كانت دائما من سمات الشعر العربي القديم والحديث جميعا. ولعل أشهر الأمثلة القصيدة التي غنتها فيروز من الشعر الأندلسي:

“إذا كان ذنبي أن حبك سيدى* فكل ليالي العاشقين ذنوب

أتوب إلى ربي وانى لمــرة * يسامحني ربى إليك أتوب”.

      يتوب العاشق هنا إلى حبيبته بدلا من توبته إلى الله. وقد كتبت هذه الأبيات منذ قرون طويلة فأحبها الناس وحفظوها وتغنوا بها ورددوها، ولم يدر بخلدهم إطلاقا أن الشاعر قد كفر أو أشرك أو أنه يعبد حبيبته دون الله، لأنهم فهموا ما كتبه في نطاق المبالغة الشعرية المقبولة لا أكثر ولا أقل.. كل هذه الوقائع تدل على أننا أمام ظاهرة مؤسفة، هي مطاردة الأدباء والعمل على مصادرة أعمالهم وملاحقتهم والتعسف في فهم النصوص الأدبية والتعامل مع الخيال على أنه واقع واعتبار القصيدة مجرد كلام يجوز أن يطبق عليه القانون الجنائي..

تبعا لذلك، فالذين يطالبون بمنع بعض النصوص الأدبية يجهلون طبيعة العمل الأدبي والمؤلفات الرمزية التي هي من إنتاج الخيال الذي لا يمكن أن يسيء إلى المقدس أو إلى أشخاص أو مؤسسات حقيقية…

        لا ينقل الروائي الواقع كما هو، بل يوظفه ويضيف إليه من خياله، ما يستوجب عدم محاكمة الروائي على خياله حتى ولو تشابه صدفة في بعض التفاصيل مع أشخاص أو مؤسسات حقيقية…

          لقد تخلى القانون في العالم المتقدم منذ زمن طويل عن قبول إدانة النصوص الإبداعية، حيث لا يجوز تطبيق قواعد السب والقذف على عمل روائي متخيل.

       يعلم القارئ الحصيف منذ البداية أنه يقرأ خيالا، مما ينفي أساسا ركن القذف والسب في حق أي شخص أو فكر أو مؤسسة بعينها. كما أن قارئ الروايات ومتذوقها ليس من نوع من البشر الذين يبحثون عن استثارة غرائزهم.

            إن محاكمة الأديب على خياله وإخضاع الأعمال الأدبية لتقارير الوشاة ومحاضر الضابطة القضائية علامة على التخلف السياسي والحضاري. وتفاديا لهذا الوضع، ينبغي أن تتم محاكمة العمل الأدبي بواسطة نقاد الأدب والفكر وليس من قِبٓل الضابطة القضائية،  وذلك كما هو الشأن في البلدان الديمقراطية.

          كما أن قضايا الأدب وموضوعاته ليست قانونية وإنما هي أدبية وفنية بالأساس. وجدير بالذكر أن مناهج وبرامج  الدراسة في كليات الحقوق والشريعة لا تحتوي على مواد النقد الأدبي والسينمائي والتذوق الفني.. وبالتالي فالقاضي المؤهل بجدارة للفصل في النزاعات القانونية والشرعية لا يكون بالضرورة مؤهلا للفصل في قضايا الأدب والفن.. إن تحقيق العدالة يقتضى إحالة مثل هذه القضايا إلى خبراء من أساتذة كليات الآداب والفنانين والمبدعين والمفكرين للفصل في موضوعاتها تماما كما يحيل القاضي القضايا الخاصة بالهندسة أو التأمين أو العلوم المتخصصة إلى لجنة من الخبراء ليستضيء بتقاريرهم في الحكم النهائي..

 

        يقول أدونيس: تاريخيا، أدت ثقافة التكفير إلى ثقافة الامتناع عن التفكير أو إلى ما يمكن أن نسميه بثقافة الاجتناب. اجتناب الأساسي في كل شيء: في الدين.. في الفلسفة.. في العلم.. في الشعر.. في السياسة.. في الطبيعة وفي ما وراءها. ويرى هذا الشاعر والمفكر أن “الشعر والحقيقة الشعرية يتناقضان كليا مع الحقيقة الدينية؛ فالحقيقة في الشعر غير ثابتة وغير واضحة وغير نهائية، لأن الشعر سؤال واستشراف وتشكيك، والدين جواب مطلق وتقرير وتعليم” .

            لا شك أن التباعد الذي حصل بين الدين روحا ومضامين وإبداعا وبين تطبيقات هذا الدين المتجسدة في ممارسات الفقهاء وفتاواهم المنغلقة قد أدت في النهاية إلى شبه قطيعة بين الدين من جهة، وظهور هذا المنهج التكفيري في التراث الإسلامي من جهة أخرى. ويعود ذلك إلى التحول الدراماتيكي في فهم الإسلام بعد وفاة الرسول (ص) الذي كان يسعى لتشجيع الاجتهاد وجعله قاعدة الإسلام الأساسية، حيث يكون كأي اجتهاد بشري لا يمتلك الحقيقة المطلقة ولا يتمتع بصفة الثبات ولا يكون إلزاميا. لكن بعد وفاته (ص) تم التحول بفهم الدين بوصفه تجربة روحية حية ونظام حياة مرن ومتحول إلى نظام كهنوت وفقه جامد يخدم أهدافا سياسية وطائفية وقٓبٓلِية… ومن ثمة، بدأ الدين يتحول إلى وسيلة سياسية، الأمر الذي حوٌٓله إلى مجرد فقه وتشريع، وبالتالي تقلص بُعده الروحي الفكري إلى أن أصبح الفقهاء يعتبرون كل إبداع بدعة تؤدي إلى الضلالة، وكل حرية فكر تهافتا يؤدي إلى الكفر، وبالتالي إلى الموت.

           ينشىء الأدب تجربة خيالية محلقة تسعى إلى إقناع الناس بأنها حقيقية، ولا يمكن له أن يبدع في ذلك إلا إذا تحرر من كل القيود والمحرمات ووجه ضرباته للأعراف الجامدة السائدة، لكن على أساس أن يكون هذا الفن جميلا محملا بطاقة فنية وإنسانية رفيعة. ولم يكن للعلم نفسه أن يصل إلى ما وصل إليه اليوم إلا بعد أن تخلص من سطوة الكهنوت… والأدب لا يرتقي في بيئة يسيطر عليها الجمود والانغلاق وتحكمها عقلية فتوى الفقهاء التكفيريين المتشددين.

           والإبداع لا يتعايش مع الرقيب الذي يمارس رقابته بعقلية المُحتَسب أو القيِّم المشدود للماضي والمربوط بأوتاد التاريخ الجامد. هذا هو جوهر الخلاف مع المشروع السلفي المتشدد المثقل بالمحرمات والممنوعات والذي يحيط كل شيء بهالة من القداسة تمنع رؤيته، والذي تديره عقلية متزمتة منغلقة متكلسة تحرم كل ما استطاعت إليه سبيلا.

         يوصلنا هذا الطرح إلى فهم حقيقة الصراع القائم اليوم بين تجربتين ومنهجين متعارضين: التجربة الإنسانية الوطنية الديمقراطية في مواجهة القمع والتسلط والقوى الطائفية والعرقية، والتجربة التي تنهض على التسامح والتعددية والاختلاف والحوار والتعايش بين بني البشر في مواجهة التشدد السلفي والتعصب الفكري، تجربة الدولة المدنية في مواجهة الدولة الدينية، أي معركة الحرية ضد الاستبداد ومعركة الإنسان ضد الجمود والجهل والتكفير …

            يوجد بين الفكر السلفي الماضوي… والقمع والديكتاتورية ارتباط متين وقوي؛ فالفكر المتزمت المتشدد يوفر التربة الملائمة لقوى القمع والاستبداد. فهو يدعو إلى طاعة الحاكم المسلم ويحّرم الخروج عليه مهما ظهر منه الفساد. والقمع السلطوي ينشىء عقلية مستلبة منغلقة عدوانية تميل إلى التحريم والتكفير وغير قادرة على مواجهة الظلم. والسلطة القمعية تشجع هذا النوع من التفكير لأنه يضمن لها الاستمرارية ويضفي عليها القداسة الدينية ..

   إن العمل الإبداعي هو أساسا عمل فكر، ما يستوجب مقابلة الإبداع بإبداع آخر مثله ولا يُقابل بأساليب ومساطر جنائية ضد هذا الإبداع. وتعتبر محاربة الإبداع بشتى أنواعه وأشكاله شكلا من أشكال الإرهاب…


قد يعجبك ايضا