الشاعرة زهرة الطاهري، وثورة الجسد على قيود الواقع..!

الشاعرة زهرة الطاهري

    وجدان عبد العزيز*

حينما قرأت للشاعرة زهرة الطاهري قصائدها الرومانسية، وجدت مفردة الحب عندها تعني الكثير، فالحب كما نعرف مفردة من أكثر المفردات إلهاما في الشعر والموسيقى والغناء والأدب ومختلف الفنون، لذا أخذت طريق الشعر الرومانسي حيث تُعدُّ الرومانسيّة الشعريّة إحدى أنواع الشعر الغنائيّ، ولكنْ لا يوجد رومانسيّة غنائيّة خالصة، فالرومانسيّة هي شكل من أشكال الأدب، وتعني التعبير عن عواطف وأحاسيس فرديّة ضمن نطاق المشاعر العامة، ومن صفاتها: الصدق في التعبير، حيث يتميز الشعر الرومانسيّ بتعابيره الصادقة، فهو يصدق في التعبير عن العواطف الفرديّة، والمشاعر العميقة، التي تختلج في أعماق النفس، والاستسلام إلى عالمها، وتيارها البعيد عن الفكر والواقع، وأيضا تعني الهروب من الواقع المُخيّب للآمال إلى عالم الخيال، وذلك من خلال الإفراط في استخدام الخيال، والتصورات الإبداعيّة، أو الخياليّة، وبما أنها تفرط بالخيال تلجأ إلى الرمز الجديد الموحي في التعبير، حيث يتميز الرمز بإيجاز المعاني المتعددة، ويدل على انطباع الشاعر دون الحاجة إلى تفصيل وبيان ذلك، بعد ذلك أصبحت الرومانسية مدرسة من مدارس الأدب، كما تُعرف أيضاً بأنها شعور بالإثارة والغموض المرتبطين بالحب، وميل خاص للشعور بالرضا والراحة في العلاقة مع الحبيب الشيء، الذي يبعدها عن الرتابة والملل، حتى عند تكرار الأمور ذاتها لمرات عديدة واستعادة الذكريات المرتبطة بالتواريخ مراراً وتكراراً معه، ومن هنا فان الشاعرة الطاهري دوما مكتظة بحب الاخر، وتدعوه ان يكون ضمن رؤيتها الجمالية في الحب، فاسمت قصيدتها هذه (دعني اكتظ بك)، تقول فيها :

(دعني أشعلك بمرارتي

دعني أضئ عينيك

بهشيم دمعي المتلألئ

دعني أرقص لك

من جرح نظراتي

فإني حتى في نزيفي

لا أفقد حركاتي)

وهنا حتى دعواتها له جمالية (دعني أرقص لك)، ورغم نزيف الحياة بالألم والوجع، الا أنها تحصر حركاتها بوجوده أي الآخر، وهو رمز عن الحب والجمال والحياة..وتؤكد هذا في قصدتها (اتسكع فيك)، تقول فيها:

(أتسكع في وجهك

طوال الشوق والغيوم

ترفعني إلى السماء

وتقول

لا شأن لنا بالضباب

الذي خلف النافذة

مادام جسدك يا أميرتي

يضئ كالقمر)

وهذه حالة إشراقية أن تجعل التسكع الحالة الاجتماعية المعروفة، وهي التسكع بالطرقات والأرصفة، إلى التسكع بوجه الحبيب، وفي حالة من التناغم يرفعها هو، ليكون جسدها مضيئا كالقمر، حيث تحدث لذة حسية، لأنه يخاطبها بقوله: (أتسكع في جسدك/طوال الرغبة/أسكن غرفة في الصدر/وأشرب كأسا من رحيق الثغر).. اذن هنا تحولت اللذة من لذة لاحسية “الارتفاع الى السماء” الى لذة حسية” وأشرب كأسا من رحيق الثغر”، وبين الصعود والتألق والإشراق إلى النزول ومعانقة واقع الحياة، هكذا تعيش الشاعرة زهرة الطاهري صراع الحياة بين الحاجات الروحية اللاحسية إلى الحاجات الحسية الحياتية الواقعية ضمن طراز جمالي كما تراه، لكنها ترفض وتثور في قصيدة(خرافات باطلة)، حيث تقول:( هذا حقلي/أزرع فيه ما أريد/وهذه آلتي/أعيل بها بيتا وعائلة..)، فهي حرة كما انت ايها الاخر الحبيب تعيش حريتك، ثم تنفعل قائلة:

(هذا رأسي..

وليس رأسك كي تحبسه

عن الشمس..

بظلمتك القاتلة

هذه أنا.. امرأة

حرة وكاملة

من خوّلكَ جسدي

حتى تكون له خياطا

أو مصمما..

يا صاحب العمامة)

وكانت ثورتها محتجة منفعلة على الاخر، وتقصد الرجل الشرقي، الذي يضع شروط وتقاليد على المرأة ما نزل بها من سلطان، حيث يصمم لها سلوكها وتصرفاتها، وكذلك ملابسها وطريقة حياتها، فهي امرأة حرة وكاملة المسؤولية، فـ(من خوّلكَ جسدي/حتى تكون له خياطا أو مصمما..) تقولها بانفعال واحتجاج، لكن حينما تكون هادئة تتحدث بحب وجمال كما في قصيدة (حدثني البحر)، حيث تقول:

(حدثني البحر

في شفتيك

عن رحيق أزلي

وعتق في زجاجات ثغري

عنقود حب متدلي)

وهنا تتغنى بالحب والجمال، وتدعوه، أي الآخر إلى مائدة الحب حيث القُبل ولذة الجسد، يقول الناقد علي الفواز: (إن نص الأنوثة هذا يفرش تفاصيله كخطاب ورؤيا ولغة، بنوع من البذخ الاستعراضي عند لحظة التماس الكينوني والجسداني، ليس لكي يصير نسقا مكشوفا يستعيد به وهجه التعويضي، قدر ما هو محاولة لاستعادة قوة الوجود لتكون خطابا يتجدد في المحبة والقوة والمخيال واللذة،، باعتبار هذه الانوثة نزوعا عميقا نحو أنسنة العالم الذي يحيل الذات الانثوية الى ذات فاعلة، خالقة، توليدية في المعنى والاشباع، اذ هي تتكشف عن جوهرها العميق الحاوي على كينونة الخلق مثلما تتكشف ايضا عن كينونة اللذة السرية الكامنة في الاصل الجينالوجي للجسد عبرتماهيه مع سلسلة من المستويات المتمظهرة في الاقنعة والأسرار والعلاقات، وكرؤيا تتلمسها قوة الخصب عبر تمثل الكثير من المصادر المثيولوجية للألوهة والنظم العبادية القديمة المفعمة بروح الانثى وشغفها في الوصال والسيطرة والرغبة والمزاج، وكأنها تنشر عبر هذه الروح الكونية شهادتها عن الغواية الاولى التي تطلقها كدلالة فاعلة في صياغة اصل الوجود وعلاقاته الخالقة وسيولة رموزه وتماهياته)، هذه هي رؤية الشاعرة زهرة الطاهري من خلال مسارها الشعري..

* ناقد عراقي وعضو اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...