سعيد ناشد: الفلسفة والطمأنينة

-ذ. سعيد ناشد-*

الأتاراكسيا مفهوم يوناني قديم، منه اشتُقّ اسم الدواء المعروف بـ”أتاراكس ” atarax، الذي يوصف لعلاج بعض أعراض الحساسية، وبعض الاضطرابات النفسية، لكنه في الأصل كان ينتمي إلى مجال الفلسفة اليونانية (الأبيقورية والرواقية على سبيل المثال)، قبل أن يُهجر ويُترك للأديان ورجال الدين إبان العصر الوسيط. وقد حاول الأطباء النفسانيون في القرن العشرين التعامل معه، وفي المقابل كادت الفلسفة تنحصر في قواعد الحِجاج والبرهان. وقتها كان الكلام عن موت الفلسفة يبدو مبرراً.

غير أن روّاد الطبّ النفسي سيستنتجون أن للاضطرابات النفسية جذوراً أعمق من الجهاز النفسي للفرد، إذ تمتدّ إلى الذاكرة الجينية، واللاّشعور الجمعي، واللغة المشتركة، وتعاليم الدين، وقيم الثقافة، وأعماق الكينونة أيضا. وهو ما يقتضي من المعالج عدم الاقتصار على المعرفة الطبية حصراً. 

لذلك حاول كارل يونغ في أواسط القرن العشرين الاستعانة بالدين والتراث الديني، معتبراً أن “الأديان أنظمة علاجية بالمعنى الدقيق للكلمة” (الروح والحياة). وهي الفرضية التي فتحت شهية الأصوليات الدينية قصد الترويج لما سيسمى “العلاج الديني”، والذي سرعان ما صيره البعض نوعاً من الاستعمال السحري للدين في العلاج، ولاسيما في العالم الإسلامي، على منوال الرقية الشرعية، والطب النبوي، والعلاج بالقرآن، والصرع من الجن، وما إلى ذلك.

إلاّ أنّ مظاهر التديّن – والتي تبقى رغم الصخب مجرّد مظاهر تخفي أكثر ما تظهر- لم تستطع أن تصد زحف العلمانية. ذلك أن الحياة حين نغلق عليها المنافذ تعرف كيف تجد طرقاً ملتوية إلى الضوء. إنه درس النباتات، لكنه درس الإنسان أيضاً. الملاحظ بالأحرى أن صيرورة العلمنة اليوم بلغت عتبة عصر ما بعد الأديان، وأن الكثير من المسائل الروحية بدأت تفقد طابعها الديني، وتتخذ طابعاً دنيوياً صرفاً، من قبيل مسائل الهوية، والمعنى، والحِداد، والتضحية، والعزاء، والفضيلة، والموسيقى، والجنائز، والزواج، إلخ. 
في سياق العلمنة الجارية والتي حولت التدين إلى مجرد مظاهر بلا عمق، بدأ بعض الأطباء النفسانيين يلجأ إلى الفلسفة والتراث الفلسفي لأجل استكمال العلاج في أبعاده الوجودية المتعلقة بالكينونة، فيما يمكننا أن نصطلح عليه باسم العلاج العلماني للروح. على رأسهم الطبيب والروائي الأمريكي الشهير إيرفين يالوم، والذي يقدم في رواياته الشهيرة نماذج مهمة وملهمة، مثل رواية (علاج شوبنهاور)، ورواية (عندما بكى نيتشه)، وغيرهما.

هكذا يحقّ للفلسفة – بل يجب عليها- أن تسترجع وظيفتها الأصلية في تحقيق ما كانت التقاليد الفلسفية اليونانية تسميه بالأتاراكسيا. بل لعل الفلسفة المعاصرة سائرة في هذا المنحى بفضل جهود العديد من فلاسفة القرن الواحد والعشرين. غير أن العلاج العلماني للروح لا يتم فقط داخل المستشفيات، بل داخل مجالات الأدب، والسينما، والمسرح، والمدرسة، والمعمل، والجامعة، والفضاء العمومي، ومختلف وسائل التواصل والإعلام، بمعنى داخل الحياة.

فما معنى الأتاراكسيا؟

بوسعنا أن نترجم مفهوم الأتاراكسيا إلى اللغة العربية بصيغ كثيرة، مثل التوازن النفسي، اطمئنان القلب، سكينة الروح، السلام الداخلي، ونحو ذلك.

غير أن الصيغة الأكثر سلاسة -فيما أرى- أن نقول، الطمأنينة.

بصرف النظر عما تقوله الأديان وما يقال باسمها، عما تفعله الأديان وما يُفعل باسمها، وعن مستقبل الأديان ومآلاتها، تبقى الطمأنينة هي المطلب الروحي الأكثر جذرية بالنسبة للكائن الإنساني، والذي خُلق متوتراً لا يعرف كيف يجلس في قاعة انتظار هادئاً لنصف ساعة دون أن يشبك أصابعه، أو يفرك كفيه، أو يتململ من مكانه، أو يخبط قدمه، أو يقضم أظافره، أو ما إلى ذلك من الحركات الدالة على التوتر.
يعاني الإنسان توتراً وجودياً مزمناً قد يؤثر على مجمل خياراته الحياتية. مثلاً، لربما يكون المرء متحارباً مع ذاته، فيلتمس الهدنة من الحانات ولا يجدها، يلتمسها من الأسفار فلا يجدها، يلتمسها من المساجد فلا يجدها، وقد يذهب به الظن إلى أن الدين يتطلب جرعات زائدة، وحين لا يتحقق المراد تنهار الروح على وقع العتاب أو الاكتئاب أو الإرهاب. وقد يظن أن الزواج -أو إعادة الزواج- هو الحل. وحين لا تتحقق السكينة يتحطم القلب على صخرة اللوم والغضب. هناك مسألة لا يجب نسيانها: لا يمكن إصلاح الكينونة من خارج الكينونة.

يرتبط الاضطراب الروحي ارتباطاً مزمناً بالوضع البشري. ومع أن الأديان قدمت وعداً عظيماً بالشفاء منه إلا أنها -لهذا السبب أو لذلك- أخفقت في تحقيق وعدها إخفاقاً مدوياً. ثم حاول التحليل النفسي أن يقدم وعداً كبيراً بشفائه، قبل أن يكتشف بأن وسائله محدودة في هذا الباب، بل اكتشف حدوده مبكراً، وذلك منذ أكد فرويد بأن دور التحليل النفسي ليس أن ينقلنا من الشقاء إلى السعادة، لكن دوره أن ينقلنا من شقاء مرضي على شقاء اعتيادي. على أننا لا ننكر بأن الشرط الإنساني الراهن سيفاقم من مشاعر الاضطراب المقترنة بخيبة الأمل في كل وعود الخلاص التي راهن عليها الإنسان: الخلاص الديني، الخلاص الثوري، الخلاص العلمي،،، إلخ.

وفق آراء رواد التحليل النفسي (كارل يونغ، وليام رايخ، إريك فروم، إلخ)، وأيضا وفق آراء رواد الفلسفة المعاصرة (إدموند هوسرل، سيمون فايل، هربرت ماركيوز، إلخ)، ثمة اتفاق واسع على أن العالم المعاصر يعاني من اضطراب روحي متفاقم بفعل أن سيرورة التقدم العلمي لا يوازيها نمو مناسب في مستوى كينونة الإنسان. 

يقابل ذلك الأمر فشل ذريع للأديان في تحقيق وعدها بأن توفر لأتباعها الهدوء والسكينة. وهو الفشل الذي يبرر ارتفاع أعراض الاكتئاب والوساوس المرضية بين صفوف غلاة الديانات. علما بأن الغلو في الفكرة يمثل الحالة القصوى لاختبار الفكرة نفسها. لأجل ذلك كله لا يخلو التوظيف العلاجي للدين من مجازفة قد تفاقم من حدة الاضطراب ولو بعد حين، ولاسيما عندما يتعلق الأمر بما يسميه إريك فروم في كتابه (الدين والتحليل النفسي) بالديانات التسلطية، القائمة على فكرة وجود إله يغضب وينتقم. ههنا قد يراهن البعض على إمكانية تعديل صورة الإله. غير أن هذا الإجراء ليس وظيفة الطب النفساني، بل وظيفة الفلسفة والإصلاح الديني.

من الواضح أن هناك إخفاقاً مدوياً لوعود الأديان في تحقيق الطمأنينة (الأتاراكسيا)، مقابل عدم قدرة العلم الحديث على تحقيق الطمأنينة بأدواته الخاصة، أو ليس بعد. لكن الملاحظ أيضاً أن الفلسفة الراهنة، رغم جهود عدد من الفلاسفة المعاصرين، لم تسترجع بعد -كما ينبغي- دورها الأصلي في العمل على تحقيق الطمأنينة باعتبارها الحاجة الروحية الأكثر جذرية لدى الإنسان. بل مؤسف أن تكون ثاني تهمة ألصقت بالفلسفة بعد الإلحاد، هي التسبب في اضطراب النفس وقلق الروح، ومن تم تهديد السلام الداخلي للإنسان. وهذا الحكم مجحف بكل المعايير.

لكن، إذا كان التوتر مرتبطاً بالوضع البشري، فإن الإنسان المسلم تحديداً يعاني من توتر روحي بالغ التعقيد، إذ يغمره تضارب حاد بين شعورين متناقضين، من جهة أولى فهو يشعر بفقدان الثقة في دينه بسبب حجم الهزيمة الحضارية التي تشمل كل مناحي الحياة، من النظافة إلى المعرفة؛ ومن جهة ثانية يشعر بالخوف من فقدان الدين بسبب حجم التطورات العلمية والاجتماعية الجارية. والحال أن التجارب التاريخية لمختلف الشعوب منذ فجر التاريخ تبين أن معظم الشعوب التي عانت من صدمة الهزيمة المدوية قد عانت أيضاً اضطراباً مماثلاً بين الشعور بفقدان الثقة في الآلهة المحلية، والخوف من فقدان تلك الآلهة بصفة نهائية. 

من وجهة نظر “دراسة الروح” يمرّ الإنسان المسلم اليوم من حالة اضطراب روحي مماثلة. إذ بين فقدان الثقة في الدين، والخوف من فقدان الدين، ثمة توتر مدمر. هنا بالذات علينا أن نتفهم معنى الحاجة إلى استعادة الطمأنينة بالنسبة للإنسان المسلم. يتعلق الأمر بالحاجة إلى ما كان يسمى في الفلسفة اليونانية بالأتاراكسيا، والتي هي الحاجة الرّوحية الأساسية للإنسان، كما انتبهت ونبّهت معظم المدارس الفلسفية اليونانية والرومانية القديمة، ومعها بعض مدارس التصوف الفلسفي في الإسلام. 

بدون الفلسفة لن نفهم أزمات الحضارات، والتي هي أزمات روحية بالأساس. وبدون الفلسفة لن ننجح في التعامل مع تلك الأزمات بنحو عقلاني وعملي. إلا أن هناك فكرة خاطئة ومضرّة مفادها أنّ من يبحث عن الطمأنينة داخل الفلسفة فقد أخطأ العنوان طالما دور الفلسفة ليس السكينة وإنما الإزعاج. هنا يتعلق الأمر بعبارة تُحمل على غير محملها. صحيح أن دور الفلسفة أن تزعج، دورها أن تزعج الجميع وفي كل الاتجاهات، دورها أن تزعج السلطة والجموع والثوابت واليقينيات، غير أن الطمأنينة ليست نقيض الإزعاج، بل هي غايته. ذلك أن الطمأنينة القائمة على الأوهام لا تطمئن، بقدر ما تؤجل شقاء الروح لكي تفاقمه في الأخير. التطمينات الوهمية مثل المسكنات التي قد تمنح للمريض بعض الشعور بالراحة لكنها لا تقدم علاجاً شافياً، بل قد تفاقم من حدة المرض، ولاسيما حين يتم الإفراط في استعمالها. فضلاً عن ذلك، أن يكون الفيلسوف مزعجاً ليس معناه أن يكون منزعجاً. 

لا يمكن للثوابت واليقينيات والمطلقات أن تحقق الطمأنينة. بل إنها تُعيق إرادة النمو لدى الفرد حين لا تأذن له بتحقيق نموه، فتحتجزه داخل قوالب جامدة حتى يسهل إخضاعه للسلطة أو التقنية. إن التمسك بالثوابت المطلقة لهو أساس الشعور بالتوتر والاضطراب الذي يصيب الإنسان في روحه. ذلك أن الثوابت سرعان ما تتحول إلى عائق أمام النمو الطبيعي والحر للذات. لذلك ليس مصادفة أن يكون مصطلح الأتاراكسيا (الطمأنينة) الذي استعمله الأبيقوريون والرواقيون، قد استعمله أيضا تيار فلسفي يوناني آخر كان يسمى بالشكاكين، وكان على رأسه بيرون، مؤسس المذهب.

لقد كان الشكاكون يعتقدون بأن أساس الطمأنينة هو إزالة أحكام القيمة المطلقة حول الأشياء. إذ إن تعليق الحكم يوفر ما يشبه مسافة الأمان في علاقة الإنسان بنوائب الدهر. مثال، ليس المرض هو ما يجعلنا متوترين لكن حكمنا على المرض بأنه سيء، وبأنه لعنة وعقاب وشؤم، هو ما يدفعنا إلى التوتر. وكذلك هو الحال في تجارب الطلاق والإعفاء والاستقالة والتقاعد والشيخوخة والموت، والتي لا تمنحنا الشعور بالشقاء إلا لأننا نحكم عليها بأنها أفعال سيئة. والواقع أن كل الأحكام قابلة للتعديل أو إعادة التأويل. هذا هو درس الشكاكين، الذي ليس مجرّد درس في المعرفة، بل درس في الحياة.

كتب الفيلسوف الروماني إبكتيتوس وصية يقول فيها: “تذكر أن من شتمك أو ضربك لم يهنك، وإنما الذي أهانك هو حكمك بأن هذه الأشياء إهانة. فاعلم إذاً كلما أغضبك أحد أن فكرتك ذاتها هي ما أغضبك” (المختصر). ثم يضيف استنتاجاً آخر: إنك ما إن تمنح لشخص القدرة على إغضابك حتى تكون قد منحته السطوة عليك، حتى ولو كان خادمك (المختصر).

ينجم اضطراب الروح عن تأويل غير صحي ناجم بدوره عن تفكير غير صحي، إذ يهدد صحة الجسد أو النفس أو الروح. إن جوهر المشكلة يكمن دائماً في نظرتنا إلى المشكلة. ولنختبر هذه الفكرة في أبعد مداها الممكن، أقصد مشكلة الموت.

كتب ماركوس أوريلوس يقول: 

– أيها الإنسان الفاني، لقد عشت كمواطن في هذه المدينة العظيمة. ماذا يُهم إذا كانت هذه الحياة خمسة أعوام أم خمسين؟ على الجميع تسري قوانين المدينة، فما يخيفك في انصرافك من المدينة؟ إن ما يصرفك ليس قاضياً مستبداً أو فاسداً، إنها الطبيعة ذاتها التي أتت بك. إنها أشبه بمدير الفرقة الذي أشرك ممثلاً كوميدياً في الرواية وهو يصرفه من المسرح.

– ولكني لم أمثل مشاهدي الخمسة، مثلتُ ثلاثة فقط.

– حقاً، ولكن في الحياة قد تكون ثلاثة مشاهد هي الرواية كلها”.

* الباحث في الفلسفة وفي الفكر الديني


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...