شموع تضيء سماء الوطن



 


– خالد أبورقية –

شاعر مغربي.


لم تكن الجموع التي نزلت إلى الساحة المقابلة لمقر البرلمان بالرباط مفاجئة، ولا الإصرار والغضب الباديين على محيا الجماهير التي استعجلت الوصول إلى الساحة الكبرى، ما كان مفاجئا – ربما – هو الغياب التام لقوات التدخل السريع والقوات المساعدة، التي اعتادت أن تنفس غضبها وسخطها في عظام وأضلع كل من حج إلى القبة ليعلن مطلبا أو يشهر غضبا.

جاءوا يردون الصفعة أمام أعين العالم:

كانوا يسيرون بخطى حثيثة عبر الشوارع والأزقة المحاذية انطلاقا من باب الأحد أو من باب شالة، أو من محطة للنقل العمومي (قطار أو حافلة أو سيارة أجرة) أو حتى قادمين من موقف للسيارات غير بعيد، قدموا من كل حدب وصوب مسرعين قبل الوقت قبل هذه المرة كما لو أن البرلمان قد يقرر في أي لحظة أن يلم إسمنته ويرحل عن المكان إلى غير رجعة. لم يكونوا يلتفتون إلى الوراء كثيرا هذه المرة ليرصدوا أعين “البصاصين” من رجال الشرطة أو مصالح الاستعلامات، كان مسيرهم إلى الأمام، وكانت وجهتهم مقر القبة حيث تستعد كاميرات تلفزيونات العالم لرصد اللحظات وأخذ درجة حرارة المشهد.

شموع تضيء سماء الوطن:

إنهم شباب وشيوخ وكهول، نساء و”صبايا”، كل زهور البلاد تحث السير لتخطف لحظة صدق وتعلن موقفا. لقد جاؤوا هذه الليلة يردون الصفعة بأرقى الأشكال حضارية، جاؤوا يشعلون شموعا ليعلنوا على الملأ أن المكان مظلم للغاية وأن شموعهم – ضئيلة الإضاءة – ستنير سماء الوطن.

ألتراس يغني للثورة:

كما يرتفع مؤشر الحماس في المدرجات، كما ترتفع أمواج اللهفة في الملاعب، جاؤوا جماعات يرفعون أغانيهم – بالروعة ذاتها – للمهمشين والضحايا.

“هاد الشعب المقهور == غادي يثور غادي يثور”، كما أوبرا تصدح لا يهمها سوى إعلاء الصوت كانوا ينشدون، لم يكن صراخا، كان نشيدا متألقا في حب الوطن، وفي حب أشباههم من الفقراء.

وكما ينكلون بحكم في مباراة يحيد عن أصول التحكيم، كانوا – دون اكتراث – يشيرون بأصابع الإدانة إلى من أخطأ، الفرق هذه المرة، أن مدرجات البرلمان فارغة، بينما هم في وسط الميدان.

الشعب يريد اعتذار الملك:

كأن الهراوات التي استعذبت مرورها على عظامهم فقدت أثر سيرها، أو كأن الجسد فقد رهبة الألم، عادوا يشهرون موقفهم. عادوا يشيرون إلى الملك بأصبع الاتهام. توارى الخوف ووارى معه العصي الغليظة في أزقة هامشية لا يسلكها – على الأرجح – سوى متسلل أو قاطع طريق. كانوا يطلبون اعتذارا قد يرتب ما يخشاه الحاكمون.

المعتقلون السياسيون أيقونة الحدث:

الشموع التي أضيئت لتنير سماء الوطن، كان تحيط صورهم وأسماءهم، يبدو أن مسرعي الخطى قبل قليل، أرادوا أن يبثوا بعض الدفء في الزنازين الباردة، أو رغبوا – حقيقة – أن يذيب ذاك الدفء قضبانها.

طالبوا بإطلاق سراحهم وسراح الوطن.

 


حين وجدوا بعضهم البعض:

حين أخذوا يصافحون بعضهم ويتبادلون العناق، كانوا كعشاق التقوا بعد سنوات فراق طويلة. كانوا يتبادلون الابتسامات والتهاني والترحيب كأنهم فجأة اكتشفوا وجود بعضهم البعض، الأيدي التي تمرر الوداع كانت تمرر معه موعدا مقبلا، أيقن العشاق أنهم لن يخلفوه.

حين اكتشفوا وجود بعضهم البعض، كانوا يكتشفون إمكانية الوطن، كانوا يكتشفون أيضا أحلامهم التي بدا للحظة أنها ضاعت، اكتشفوها غير بعيد، قريبا من الوطن.

 


 

 

 

 

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...