عذرا يا بني… من اغتصبك حر طليق



 

زمان قيلت هذه الكلمة الحاملة لدلالات الأسف والاعتذار للتعبير عن قلة الحيلة والعجز أمام شبح الحياة، عندما قال الأب لابنه :  عذرا يا بني…لن أستطيع أن أوفر لك هذا…تقبلها الابن بكل فرح لأنه يعلم أن أباه صادق فيما يقول، واعتذاره  فرصة للابن لمواجهة الحياة بكل صبر وإصرار…

لكن اليوم لن يفيد هذا الاعتذار، لأن الأمر لم يعد يتعلق بتوفير شيء ما أو حاجة ما ، بل الأمر تجاوز كل الحدود، الأمر وصل الى جرح الجسد، اغتصاب الطفولة، قتل أمال المستقبل، وتغيير النظرة إلى الحياة من طابعها النوري الملائكي إلى طابعها الأسود الممزوج بلهيب النار الدفينة والتي  بخروجها يحرق الأخضر قبل اليابس وينتشر العويل والصياح بين أزقة فلذات أكبادنا المكلومة…

اليوم لن يفيد الاعتذار والذي هتك العرض يتمتع بالسراح، يقتل ولا يعاقب ، يشنق الطفولة ولا يحاسب ، والابن يده في يد أبيه، يقول :أبي..هذا هو الذي فعل بي هذا… ولا جواب للأب إلا الدموع، لأن القاتل حر والمقتول نفسيا وجسديا متهم وحقه مسلوب كما سلب منه شرفه في مدينته وحيه وبين بني جلدته وبين من يحميه ويسميه مواطنا،  وهو يرى أن في بلدان أخرى يعدم من اغتصب  ذاتا بشرية تسمى طفلا ويشنق في الساحات العمومية ليكون عبرة لمن يعتبر،ورغم الشنق لن ينطفئ الجرح، ففي إيران لما كانت محاكمة  أحد مغتصبي الأطفال شنقا كان أخو المغتصب يحمل سكينا ويخبأه تحت ملابسه ويبكي، وعندما سأله أحد أفراد الأمن عن ذلك، قال ودموعه تكتب الكلمات: لن يكفيني شنقه، أريد أن أقتص منه بيدي، إنه ضيع حياة أخي…

لقد ضاعت الحياة عندما ضاع الحق وأصبح الظالم مظلوما، والمظلوم ظالما، بل الأمر من ذلك عندما يصبح المظلوم يعتذر لظالمه ويقول له : أعتذر منك لأنك اغتصبتني ودمرت حياتي فأنا أستحق كل هذا، فقبل الاغتصاب كنت أعيش في هدوء وسكينة، أفرح وأغني كما تغني الطيور، وألعب كما تلعب العصافير في فصل الربيع وأحسب كل من ألقاه طيبا، لم يكن للألم نصيب في جسدي وكنت أنا الانسان لأن لي دولة تحميني وقانون يعاقب من يتعدى على حرمتي…

أعتذر لأنك جرحتني وغيرت مسار حياتي وأمام أعين أهلي وأحبابي، وجعلتني مجرما بعدما كنت طفلا يهوى الأمان والسكينة وها أنت حرا طليقا غير ابه بما فعلت، وها أنا أمامك أجدد اعتذاري بدموعي ودمائي التي غرر بها ،وتغير لونها منذ ذلك اليوم المشئوم، أحقا ضاع حقي بهذه السهولة؟ أم لا حق لي أصلا بين الوحوش؟

أفعلا ضاعت الطفولة أم لم أكن أصلا يوما ما طفلا؟

أحقا أنت تتمتع بالسراح بعد أن دمرت حياة إحدى عشر طفلا أو أكثر ومعهم إحدى عشر عائلة ومدينة ووطن وقانون لا يبالي…

أعتذر لأن قانوني  يعاقب من سرق لسد رمق عيشه بسنة أو سنتين وأنت سرقت دمي وحياتي وبراءتي وحولتني من إنسان سوي إلى إنسان يخاف من ظله وصراخه الذي يلاحقه  وتعاقب بنفس عقاب السارق لسد رمقه، بل يتم العفو عنك ولا ينقص إلا أن نزفك كما تزف العروس ونغني لك أغنية النصر والبراءة.

تبا لك أيها الانسان الذي لا تشبه الانسان، وأسفي ليس على ما فعله الغريب بي، بل اسفي على من باعني وكأني قطعة قماش بالية لا قيمة لها، وأسفي لن ينسى  وصورتك يا جارحي ويا مغتصبي لن تنسى، وليشهد العالم والضمير أنك اغتصبتني وتم العفو عنك…

 

————–

عزالدين الشدادي

أستاذ

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...