الإخوان المسلمون: إخفاقات متتالية. مقال تحليلي

 


لأنهم كانوا غير مستعدين لقيادة البلاد، اقترف الإخوان المسلمون أخطاء قاتلة. بينما تظل إمكانية تخليهم عن الاختيار الديموقراطي من أجل اختيارات أقل سلمية واردة جدا.

– ناثان براون –


تميزت الساعات الأخيرة للرئيس مرسي على رأس السلطة، قبل أن تتم إزاحته من طرف الجيش، يوم 3 يوليوز، بكونها مثيرة للشفقة. فبعد حركة مسرحية خاطفة، ذكرتنا بحركة سلفادور اليندي وهو يلتقط بندقيته للدفاع عن مشروعيته الرئاسية ( إبان انقلاب 1973 بالشيلي)، لجأ محمد مرسي إلى توظيف مجموعة من الإشارات طبعها اليأس المتنامي إذ تشبث عبثا بمشروعيته وحاول تجديد اقتراحات توافقية بعد فوات الأوان، بدت صورته معها أقرب من صاحب حق يشهر رسوم ملكيته في وجه عمال أوراش مكلفون بتدمير منزله، منه إلى شهيد.

لا شك أن الإخوان المسلمين حصدوا نتائج جيدة في الانتخابات وتحملوا المسؤولية أمام مشاكل البلاد المستعصية، وووجهوا بالرفض القاطع لسلطتهم من طرف فاعلين مهمين داخل جهاز الدولة، وأن أطراف المعارضة تقاسمتها الرغبة في الإطاحة بحكمهم، لكن من جهة ثانية لا يخفى على أحد أ، محمد مرسي وجماعته اقترفوا كل الأخطاء الممكنة بما في ذلك تلك التي قطعوا على أنفسهم عهدا بتجنبها كالاستيلاء على السلطة والتحلل من نسج تحالفات مع القوى الأخرى. كما أحدثوا قطيعة مع كل الشركاء المفترضين، وصمت آذانهم عن التذمر المتصاعد واهتموا أكثر بتثبيت سلطتهم أكثر مما اهتموا باستخدام الوسائل المتوفرة لهم، كما لجأوا للخطاب المخادع ولغة الوعيد.

قابلية التكيف:

تعتبر ولاية مرسي ولاشك من لحظات الإخفاق الموجعة في تاريخ الإخوان المسلمين، أية دروس ستستخلصها الجماعة من ذلك؟

يعتبر الإخوان المسلمون في مصر – حركة تأسست سنة 1928 – بجميع أطيافهم من التنظيمات غير الرسمية التي حققت أكبر فوز في تاريخ العالم العربي، حيث لم تحظ أية حركة أخرى بالاستمرار وإعادة هيكلة وإنتاج دواليب جديدة لها لمدة أطول وفي مجال أوسع. هناك تفسيران لسر هذا النجاح: اعتماد بنية تستند إلى مبدأ الوفاء الذي يعزز وحدة الصف والانفراد بقابلية مذهلة للتكيف. استطاعت الجماعة، أكثر من أي فصيل معارضة آخر، بفضل تلاحمها تنظيم الحملات الانتخابية. كما مكنتها خاصية التكيف التي تميزها من الاستفادة من الاختلالات التي شابت خلال العقود الأخيرة سير الأنظمة السلطويةفعندما انطلقت أولى الحركات الاحتجاجية في العالم العربي سنة 2011، كان الإخوان المسلمون في مصر الذين تمرسوا على اللعبة يمتلكون من الخبرة ما يميزهم عن باقي منافسيهم، فخلال العقدين الأخيرين اختلت السياسة مكانة خاصة في برنامج الحركة التي دأبت في الأصل على الأعمال الخيرية، كما اهتمت بميدان التربية والتضامن، ومارست أيضا العمل الدعوي قبل أن تتحول إلى كائن سياسي بالأساس.

لكن وفي الوقت الذي أوشك البرنامج السياسي للجماعة على التحقق، انهار كل شيء فجأة وبطريقة مخجلة. لم يجد بعض مريديها في رد فعل مباشر بدا من التشكي بحجة أنه تم استغفالهم، والحال أن هذا ما وقع بمعنى من المعاني، لكن هذا الأسلوب لن يحل محل التأمل والتفكير إلى ما لانهاية.

ماذا كانت ردة فعل الحركة على المدى الطويل؟ في حوار أجريته مع عمر دراج، أحد قادة الجماعة، توقعت ندم الإخوان المسلمين على ما حبكوه من مؤامرات في موضوع الرئاسة سنة 2012.

حزب مهيمن:

ما الذي تأسف عليه الجماعة؟

بالنظر إلى الأحداث القريبة هناك ثلاثة أجوبة:

1-   يرى البعض استنادا إلى مجموعة من الحجج أن الإخوان المسلمين أقدموا على قرارات خاطئة، خاصة بين 2011 و 2012، عندما رفضت الجماعة الاقتصار على لعب الفاعل السياسي الأول والسعي وراء الهيمنة المطلقة على المشهد السياسي. لكن هذا التحول لم يكن نتيجة تفكير عميق واستراتيجي بقدر ما جاء كرد فعل على أحداث مختلفة: إهانات خيالية، فرص غير متوقعة، إشارات غامضة.

وقد لامست هذا التطور في فكر الإخوان المسلمين من خلال عدة لقاءات – خلال السنة التي تلت الانتفاضة – مع خيرت الشاطر، الرجل الثاني والعقل المدبر لتنظيم الجماعة في مارس 2011 كان يتكلم عن الولوج للسلطة كواقع وارد مستقبلا، وفي يناير من السنة الموالية بدأ يثير إمكانية ترشحه شخصيا لمقعد الرئاسة، قبل أن يتنازل مكرها لمحمد مرسي بسبب إدانة قضائية سابقة طالته مع النظام المخلوع.

لا شك أن أصحاب هذا التصور سيتمنون لو تتم العودة إلى اللعبة السياسية ولكن بتأني وتعقل، رغم أن الطريق سيكون طويلا بعد ما خلفه الرئيس مرسي لدى شرائح واسعة من المجتمع والتي تجاوزت مرحلة الشك إلى الإحساس العميق بالكره والتوجس.

2-   إن الجماعة لم تقترف ما اقترفته اعتباطا. فقد جعل منها التنظيم المتراص الذي اختارته حركة منطوية على نفسها، بل حركة مهووسة لم تتخلص من هذا الموروث حتى وهي تحاول التكيف مع وضعا الجديد كحزب حكومي. إن قياديي حركة الإخوان المسلمين أبناء التنظيم بدون منازع، لكن ولهذا السبب بالضبط لم يتوفقوا في اكتساب خبرة على مستوى العلاقات مع العالم الخارجي، وقد يدفع بها إلى إعطاء الضوء الأخضر لأعضائها للانتماء للحزب الذي يختارونه، وقد سبق أن اتخذ هذا الموقف من طرف قلة من الشباب، لكن القيادة الحالية ستعيش متاعب جمة في الجمع بين هذين الاختيارين، خاصة وأنها كانت دائمة التشبث بالتراتبية التنظيمية وبالتنسيق وباحترام القواعد التنظيمية.

3-    الإستراتيجية السياسية البليدة: انطلاقا مما سبق يمكن إرجاع خطأ الإخوان المسلمين إلى كونهم اعتقدوا أنه بإمكانهم الفوز بالانتخابات ومن تم الولوج إلى الحكم. وفي الواقع، قد سبق وعاشت جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر، في التسعينيات من القرن الماضي، نفس التجربة عندما تدخل الجيش للحيلولة دون فوز الإسلاميين، وسنة 2006 بفلسطين عندما حال تحالف دولي ووطني دون وصول حركة حماس إلى السلطة في قطاع غزة.

يمكن أن تفضي هذه الملاحظات على المدى الطويل إلى مسارات مختلفة، قد يتخلى الإخوان المسلمون عن السياسة، وقد يتخلون عن بعض أعضائهم، كما قد يرسوا اختيارهم على الاستمرار في ممارسة السياسة لكن باستعمال أساليب أكثر عنفا وتطرفا.


 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...