جورج عبد الله …مرة أخرى



عن موقع – بانوراما الشرق الأوسط –

سنعيدها للمرة المليون ، هذا الغرب الذي يعشقه البعض حد الهوس و الجنون هو غرب بفكر استعماري و بتاريخ مظلم ، و لو عددنا كل الجرائم التي ارتكبها الغرب الاستعماري في حق الإنسانية و في حق الشعوب المغلوبة على أمرها لوقفنا على حقائق مرعبة و خطايا بعدد أوراق الشجر ، لكن البعض يصر إلحاحا و إسفافا ، إن هذا الغرب هو قبلتهم ، و مكان عطلتهم و بوصلة أخلاقهم في حين أن القاعدة تقول لا يستوي الظل و العود أعوج .

جورج عبد الله ، باتت قصته معروفة ، و كتب في شانها الكثير ، و كانت فرصة و مناسبة لتقنعنا فرنسا ، جان دارك ، و فولتير ، و جون بول سارتر، و منتسكيو ، بأن شكوكنا نحو ديمقراطيتها، و مقاربتها لحقوق الإنسان، و لمفهوم العدالة ، هي شكوك واهية ، و أن ما يتحدث عنه البعض من سياسة المكيالين في هذا الخصوص هي مجرد نزوات فكرية مغلوطة ، و لقد آثرنا الصمت المقصود حتى نتأكد من عدالة فرنسا ، نتأكد من كوننا نظلم فرنسا ، حتى نتأكد أن الجنرال ماسو و الجنرال ديغول، قد كانا مجرد ماض لن يعود ، و أن ما يزعمه بعض المثقفين عن فرنسا الجديدة، التي تخلت عن فكرها الاستعماري الوحشي ، هي بلد الحريات و تطبيق القانون ، فجاء الرد قاسيا و الموقف واضحا بان فرنسا هي نفسها فرنسا استعمار الجزائر ، فرنسا استعمار الهند الصينية ، فرنسا العنصرية ، فرنسا المتآمرة على الشعوب العربية ، فرنسا صديقة إسرائيل و “راعيها” الرسمي في بناء مفاعل ديمونة الشهير ، فرنسا المتواطئة مع الموساد في قتل العلماء و القيادات المقاومة العربية ، فرنسا المساندة للديكتاتوريات العــربية ، فرنسا فضيحة زوارق شربورغ (Les vedettes de Cherbourg )، فرنسا تعذيب المجاهدين حتى الموت .

لا تصدقوا فرنسا ، فطبقتها السياسية ملوثة ، تاريخها أسود ، مزيج من النازية و الفاشية ، مزيج من العنصرية و التشدد الديني ، فوزيرها الحالي للخارجية، لوران فابيوس ، الذي يتحدث و ينادى بحقوق الإنسان و يخاطب العالم ضد سوريا هو أحد أكبر المجرمين و الفاسدين في تاريخ الجمهورية الفرنسية ، و هو من كان طرفا أساسيا في قضية الدم الملوث الشهيرة الذي تسبب في تسرب مرض الايدز للآلاف من المرضى العرب و الأفارقة و حتى الفرنسيين أنفسهم ، لا تصدقوا فرنسا فعدالتها خائبة ، لا تصدقوا فرنسا ، فهي دولة مجرمة بكل المعايير و المقاييس الأخلاقية و السياسية و القضائية ، افتحوا خزائن أرشيف فرنسا فستكتشفون كم كنتم واهمين ، مغررين ، لا تصدقوا فرنسا فذيل الكلب – عفوا – لا يستقيم، لا يستقيم .

تصوروا دولة تحتجز مواطنا بدون حق ، لأسباب سياسية ، لمواقف لا علاقة لها بمفهوم العدالة ،للمقايضة السياسية ، و تتحدثون عن العدالة و المؤسسات و الديمقراطية الفرنسية ، ليبقى السؤال ، هل هناك رجل سياسي في فرنسا قادر على إبقاء سجين صهيوني في فرنسا دون مبرر أو حتى بمبرر لو طالبت به حكومة إسرائيل ، هل هناك رجل في فرنسا بمقدوره أن يقف في وجه إسرائيل ، هل هناك إعلامي سيقف ضد الصهيونية ، هل ستتكلم المحطات الإعلامية لتهاجم إسرائيل ، و هل فرنسا دولة لها شان حتى تقف ضد إسرائيل .

دعوكم مما يسوقه الإعلام العربي ، مما يقوله بعض مثقفي الصالونات الباريسية ، فرنسا دولة استعمارية لا تتغير ، دولة لا مجال لحقوق إنسان عربي فيها ، الشواهد على هذا الأمر كثيرة ، و أخرها قضية جورج عبد الله ، لكن يبقى السؤال الملح ، لماذا تصمت الحكومة اللبنانية حيال موضوع مهم يتعلق باحتجاز سياسي إجرامي لمواطن لبناني في دولة استعمارية ، كيف لا تقوم الحكومة اللبنانية باستدعاء السفير كما فعلت مع السفير السوري بمجرد أن أتتها التعليمات من واشنطن و الرياض ، و إذا كان الرئيس ميشال سليمان لا يقدر على حماية مواطنيه و الدفاع عن حقوقهم بالطريقة التي تكفل سراحهم فلماذا لا يستقيل كما يتم في كل الدول المتحضرة ، و الأدهى أن تيار الحريري الذي يزعم نفاقا أنه يسعى إلى لبنان سيادية لا يتقدم بأية مبادرة ذات جدوى مع أن الجميع على علم بالعلاقة المتينة بين الحكومة الفرنسية و تيار السقوط الحريري السياسي .

تعطى قضية المناضل الكبير جورج عبد الله مثالا واضحا على أن الأنظمة العربية – ليست كلها طبعا – لا تريد المقاومة ، و لا تحرض عليها ، و إذا كانت أغلب الدول العربية قد حصلت على ” استقلالها” بعد أن خاضت معارك مع الاستعمار ، فان الأنظمة التي تولت الحكم تباعا لم تعد تر في المقاومة إلا نوعا من العبثية ، و عندما نسمع السيد محمود عباس يصف المقاومة الفلسطينية بهذا التوصيف العاهر ، نتفهم كيف سقطت القضية الفلسطينية من الأجندة الدولية و باتت مجرد أوهام و تخيلات ، لذلك لا غرابة في أن ينأى الرئيس سليمان بنفسه عن معالجة قضية إنسانية مبدئية ، تخص مواطنا لبنانيا ، مهما كان وجه الاختلاف السياسي معه ، و لا غرابة أن ينأى الرئيس سليمان بنفسه عن هذا الموضوع ، كما نأى بنفسه عن مسائل أخلاقية ، و مبدئية داخلية ، و خارجية كثيرة ، لأنه لا يملك جرأة الرئيس المناضل ايميل لحود ، و لا كاريزما السيد عمر كرامي.

يقبع جورج عبد الله منذ 25 عاما في السجن ، عفت فرنسا عن عديد عتاة المجرمين، تدخلت عديد الدول للإفراج عن مواطنيها، لكن المناضل جورج عبد الله بقى بين القضبان ، و لان فرنسا دولة إرهابية عنصرية ، فقد ذاق المناضل الكبير كل أنواع التعذيب النفسي ، و المضايقات المهينة ،حتى يفهم العرب أنهم مواطنون درجة عاشرة في هذا العالم ، و أن الحقوق لا تعطى لأمثالهم ، حتى يفهم العرب ، أن هذا الغرب لم يتغير عن أيام الصليبية ، و الحروب ضد الإسلام و المسلمين ، حتى يقول البعض لأنفسهم ، أن فرنسا لا زالت دولة استعمارية بنفس المواصفات البربرية المتوحشة التي قتلت بها الملايين في المغرب العربي الكبير و في الهند الصينية و في إفريقيا السوداء.

قضية جورج عبد الله ليست مشكلة قضائية كما يظن البعض ، و كما تحاول الدولة اللبنانية التسويق إليه ، قضية المناضل جورج تفتح ملفات كثيرة ، لعل من أهمها على الإطلاق، أن هذه النخبة العربية التي تصدع رؤوسنا يوميا ، هي نخبة معدمة الأفكار، و غير قادرة تماما على صنع أي إنجاز يحسب لها ، و أن محطات الإعلام المتفرغة على مدار الساعة للتضليل الإعلامي في سوريا ، و مصر ، و تونس ، هي محطات صهيونية ، لا علاقة لها بالقضايا العربية الأصلية، قضية المناضل جورج عبد الله ، لو أراد نظام عربي أن يحلها بمجرد مكالمة هاتفية لحلت ، مشكلة جورج عبد الله ، تطرح مجددا كيفية تعاملنا كشعوب، و مكونات مجتمع مدني مع المشاكل ، و مع الدول الغربية ، لأننا قادرون طبعا على فرض إرادتنا الشعبية على الحكومة العربية ، و على القرار السياسي الغربي ، فيما لو فكرنا في تسليط ضغط مباشر على مصالح فرنسا في المنطقة.

نعم ، إن فرنسا أوهن من بيت العنكبوت ، و مجرد التلويح بمقاطعة تفريغ بضائعها في الموانئ العربية فقط سيجعلها تعيد حساباتها ، مجرد خروج الملايين في الشارع للمطالبة بقطع العلاقات مع فرنسا سيجعلها تعيد حساباتها ، مجرد تضييق الخناق على السفارات الفرنسية سيجعل فرنسا تراجع حساباتها ، مجرد المطالبة بطرد كل المتعاونين الفرنسيين في الدول العربية سيجعل فرنسا تعيد حساباتها ، مجرد الضغط للمطالبة بسحب السفراء العرب سيجعل فرنسا أسيرة القرار العربي ، لكن من يتوهمون أن جورج و غيره سيخرجون من السجون الفرنسية دون ضغوط ملموسة تغير منطق الحوار الأجوف الذي تقوم به الحكومة اللبنانية مع نظيرتها الفرنسية لا يدركون أن فرنسا لا تعطى بالا للعرب .

بالمقابل ، لا بد من التصريح بكون كل الطوائف و المؤسسات اللبنانية تتحمل وزر بقاء جورج عبد الله في السجن ،أن هذه الطبقة السياسية اللبنانية تحتاج إلى تغيير هرمي كامل ، أن بعض إعلام لبنان يحتاج إلى كثير من الوقت حتى يغتسل من الجنابة ، بفعل صمته المريب إزاء قضية إنسانية لا تحتمل التوظيف السياسي ، بل لنقلها بكامل الصراحة ، أن تكون مع أو ضد جورج عبد الله ، ليست المشكلة ، المشكلة أنه يجب أن نكون مع حق المواطن مهما كانت مواقفنا ، مشكلة جورج عبد الله مشكلة ضمير فقط .

 

 

أحمد الحباسي – تونس


قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...