حنين البكالوريا بالأبيض والأسود


كل عام يأخذني الحنين رغما عني بعيدا للهيام في بحر الذكريات بلونها الأبيض والأسود راسما لوحة تشبه لوحة التلفاز الذي كنا نجتمع حوله كبارا وصغارا لنرى ما بداخله من عجائب الدنيا قبل عشرة سنين ونحن في حالة ممزوجة بالفرح والسرور. وبعد مرور الأيام احتلت هذه اللحظة مكانة داخل ذكرياتنا وأصبحت جزءا من ماضينا ، فنحن كائنات لها ماضي يختلط فيه الحنين بالألم والرجوع الى الوراء لاسترجاع شريط ما مضى بقوة الحاضر التي تجرفنا نحو الأمام.
استرجعت حنين الذكريات في خضم امتحانات تسمى بالبكلوريا ولكل منا معها قصص ووقائع تصل الى حد الخيال، فهذا هجر منزله وهدد عائلته بالانتحار ان لم يحصل على هذه الشهادة، وهذه فتاة تمتنع عن الطعام حتى تحصل على هذه الشهادة، وهذا يقول ستتغير حياتي وحلمي الوحيد هو النجاح في ” الباك”، وكل هؤلاء لهم تصورهم لهذه الشهادة التي كانت لها يوما قيمة عليا تفوق قيمة أي شهادة اخرى خصوصا أنها بمثابة الباب الذي يفتح للمتعلمين فرص دخول وولوج المعاهد والمؤسسات الكبرى.
في خضم هذا وأنا أمر من إحدى الحدائق العمومية المملوءة بمن يستعدون لاجتياز هذا الامتحان، استرجعت شريط ذكرياتي مع البكالوريا التي تعود لحظاته الى سنة 2006 و2007 ، وهي ذكريات تحوي بداخلها حنين خاص امتزجت فيه الرغبة في النجاح بالرغبة في إثبات الذات أمام الأقران والزملاء وأبناء الحي وبمعنى اخر الشامتين والشامتات، فمن لم يحصل على هذه الشهادة يصبح موضع القيل والقال ويصبح موضوع المنتديات التي تعقد في اواخر الشوارع الضيقة، في الأسواق وعند دكان الحي وحتى في الأعراس والمناسبات الاحتفالية، فتصبح بهذا موضوعا للإعلان والتحليل والمناقشة وتصبح محط نظرات الجيران وكأنك ارتكبت جريمة ما، فأنت لم تحصل على البكالوريا ،وبالتالي فأنت فاشل ومصيرك الضياع وكأنك إذا حصلت عليها ستنجو من الضياع.
تذكرت لحظات المراجعة التي كنت أبتدئها صباحا أنا وأصدقائي مباشرة من بعد صلاة الفجر في احدي غابات المدينة ، وما يرافقها من تسكع من بعد تعب المراجعة و” الحفيظ” والتصور الذي كان يرافق هذه اللحظة هو أن من لم “يحفظ” باكرا لن ينجح، لحظات امتزجت فيها أحلامنا بأمانينا وتطلعاتنا الى المستقبل خصوصا أننا أبناء عائلات فقيرة لا تمتلك شيئا أكثر من امتلاكها لأحلام وأماني تساعدها على تنفس هواء الأيام المقبلة.
كانت هذه الأيام تطول وتطول وكأنها سنين خصوصا أنها كانت ترافقها طموحات الأهل والأحباب، فالكل يطلب منك النجاح في هذا الامتحان حتى من لم يعرفك، المهم هو النجاح ولا شيء غيره، وبمجرد اقتراب اليوم الأخير تبدأ عملية ” التكوفيش ، ولحجابات” كنوع من الحيطة والحذر خصوصا في المواد التي نعلم مسبقا أننا لن نجيب عن مضامينها ، ليأتي يوم الامتحان بحلوه ومره ، فإما يهان المرء أو يصبح سيدا وتعلق النتائج وينتهي الحلم أو يبدأ من جديد لكن بلون أبيض وأسود.

عزالدين الشدادي
أستاذ متدرب بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين –مراكش
فاعل جمعوي


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...