بورتريه: الفنان عبد القادر عليوي، حكاية مخاض طويل

 

 – حسن الاسماعيلي – 

زرته بمدينة ميدلت حيث يستقر حاليا وحيث يختلي وفرشه ومختلف عبوات ألوانه، يرسم ويشكل بياض اللوحة بلمسات تشكيلية محسوبة الأبعاد والضوء والكثافة والانتشار والتموقع، لمسات سحرية تحول المبتذل لتحفة غاية في الدقة والجمال تنضح برموز وطلاسم ذات دلالات لا متناهية.

لكن بداية عبد القادر مع الرسم والتشكيل كانت هناك في “جنوب الروح“, قبل تدمير المنطقة قسرا بذريعة نفاذ مخزونها من النحاس ومن الرصاص، وقبل أن ُيوطّأ للموت بزرع القبح في ثنايا مكان ظل لردح ونيف، قصيدة تصدح بالحياة، قبل أن يطال الخراب كل شيء وينخر الخبث جسدا، استعصى اختراقه وتشويهه لعصور.

هناك في بلدة ميبلادن، كانت بداية عهد عبد القادر عليوي مع الرسم ، حكاية حب عميقة الجذور شغلت نصف العمر. رسم أكد نفسه بعد ذلك باعتباره باعثا على استيقاظ الوعي بالمادة والفرشاة واللون والكتلة و السند و التقنيات المختلفة.

 


هناك، من بين أبناء البلدة القلائل الذين لجأوا للفن كشكل من أشكال التمرد على الوضع المعاش في الوسط العمالي المنجمي، اجترح الطفل عبد القادر كوة في سماء العزلة وحلق بعيدا في عوالم اللامنتهى بحثا عن صوت و عن رؤيا، واختار خوض هذه المغامرة رغم غياب أية ضمانات للنجاح ورغم علمه أن لامناص، لمن تشبث بمسقط رأسه، من صراع ضار من اجل الاستمرار.

من تلك الديارحيث كان غياب الفن غياب هذا النوع من الفن واضح للعيان، في الوسط المدرسي كما في الوسط العائلي والاجتماعي لم يكن للطفل الفنان خيار آخر لتغذية ميوله غير التلصص من خلف أسيجة فاصلة بين عالمين، على الهواة من الأجانب وهم يرسمون في نهاية الأسبوع تحت ظلال أشجار حدائقهم بحثا عن الاسترخاء.

يرجع الفضل بالطبع وبنسبة كبيرة للسيدة ’’بواصلو‘‘ الفرنسية (Mme Boisleau) و لزوجها الذين قدما للطفل الشغوف بالتشكيل والرسم كثيرا من الدعم وما يلزم من التشجيع لإشباع فضوله وتقويم موهبته. سيسر لنا عبد القادر قائلا: ” كان أول عهد لي بلوحة زيتية بهذا المعنى يوم أدخلتني السيدة بواصلو حديقتها حيث كانت بصدد انجاز لوحة…. طبعا كان ذلك من سابع المستحيلات في الوسط الذي كنت أعيش فيه حيث لا دار ثقافة ولا مكتبة ولا تقاليد تحفز على المضي قدما على درب الإبداع”.

 


لكن رغم الرغبة الأكيدة،  ظلت حظوظ التكوين الفني البعيد عن مجال العصامية بل حتى حظوظ الدراسة نفسها جد محدودة.على أن الاحتكاك بالرسامين الأجانب سهل إمكانية استعمال أدوات الرسم والتردد على ورشاتهم كان حاسما بالنسبة إليه وتعلق بالفرشاة منذ الصغر، حيث كان يشاكس الألوان والخطوط ويصنع مواد الصباغة بطريقة طبيعية، وهو ما جعل لوحاته تتميز بالبساطة في انتقاء الألوان والمواضيع.

وظلت لوحاته تستلهم الواقع المغربي، وهي تعيد بذلك تشكيل الوجوه العمالية ومعمار الجنوب والعيش اليومي للبسطاء خوفا من اندثاره .

ولما أصبح يمتلك الأدوات الضرورية، سيعود له الفضل في فتح كوات ضوئية فنية خلابة سمحت للعمال و لعائلاتهم بالسفر إلى عوالم السحر والألوان، بل وأنارت جدران بيوتهم البئيسة العارية ودشنت عملية إنعاش الذاكرة بتوثيقها لوجوه أحبة عزفوا بشغف أنشودة ذات زمن دوى صداها بالحياة فوق ارض صخر صماء. ناوش قلم الرصاص فتمكن من الإلمام بخبايا البورتريه وأتقنه وجعل منه تحفا لا تقدر بثمن.

 


فرض هذا العصامي، نفسه بداية كطفل ـ ظاهرة في المدرسة الابتدائية، حيث كان المعلمون في غياب تام لوسائل الإيضاح المصورة، يلجئون لمساعدته كلما دعت الضرورة الديداكتيكية لرسومات تجسيدية.

بدأ بعرض محتشم للوحات اعتمد فيها السند الخشبي والصباغة الكميائية المتداولة وكان ذلك بفضاء نادي العمال والأطر الأوربيين. خلال هذا المخاض الطويل الذي تفرضه كل ولادة, تكبد الطفل عبد القادر عليوي في وحدة شبه تامة عبء هذه  الصيرورة الحية.

أما اللحظة الحاسمة لهذه الصيرورة ، فقد تحققت حين تيقن أن الرسم إذا توفرت له الوسائل الأساسية أصبح ظاهرة تتسع للأحلام وللرؤيا وللمواهب، وتؤكد الكيفية وتوقظ الحس وتشحذ الأسلوب وتهذبه. وكان هناك من يقتني لوحاته تقديرا لفنه واعترافا بجميل صنعه مما غير رأي الأب الذي اقتنع ان ما يشغل عبد القادر طوال اليوم ليس مضيعة للجهد والوقت والمال.

آمن الشاب الذي ابتعد بنفسه عن كل التصنيفات، برسالته النبيلة وكرس صفوة وقته لرعايتها لكن كان عليه أيضا أن يواجه آلة رهيبة من التهميش والإقصاء، لأنه ظل ولا يزال يرفض الاستغلال المذل لفنه من طرف المتطفلين على الميدان الذين لا تعوزهم ذرائع لتبخيس أعمال الآخرين بل والسطو عليها. يحكي عبد القادر بهذا الصدد أن احد “الفنانين” الذي كان يقتني لوحات له ويعرضها للبيع بعد العمل على استبدال توقيعها الأصلي.

 


 من جهة ثانية، يرى عبد القادر أن التمييز بين الأصل و التقليد في الميدان الفني يبقى في الواقع تمييزا اعتباطيا يستند إلى قانون السوق أكثر منه تمييزا ينبني على التقنية أو المنطق، بحيث ان الميدان الفني ليس في منأى عن قانون العرض والطلب، وعليه، تشتد الرغبة في الحصول على منتوج استثنائي ما، كلما قل عرض القطع المنسوخة منه، وتفتر كلما ازدادت وفرتها. وفي جميع الأحوال فان اختلاف النسخة، عن الأصل هو ما يمنحها تفردا وتميزا. ويسنده في ذلك كونه خبر عوالم اللون وأسراره وبرع في استخدامه كما تملك من التقنية والممارسة ما يكفي للتحرر من سلطة هذا الأصل، بالإضافة إلى انه بنظره الثاقب و قدرته على الملاحظة، يضيف قيمة ثمينة لموضوع اشتغاله؛ فعبد القادر التشكيلي-الملون le peintre-coloriste، فنان يمتلك حسا مميزا يساعده على التقاط تموجات اللون و ارتعاشاته ويملك قدرة على إعادة إنتاج اللون ومواصفاته البدئية واستحضار بيئة الموضوع الخاصة لحظة التقاطه، مما يضمن الحصول على لوحة لا تنافر بين ألوانها المنسجمة. كما انه بفضل ما اكتسبه من تجربة في تدبير ما يمكن أن يعترضه من إكراهات تقنية،  يسهر على تصحيح هفوات اللون وخلل الإنارة و تطهير “المجسد” من كل الشوائب التي قد تتسبب في تدني قيمته التقنية أو الفنية، وبفراسة لا يخطئها المتتبع، يحرص أيضا على تطابق العناصر المكونة للوحته وإبراز مفعول اللون والكثافة بها والوصول لأعلى درجات الجودة من خلالها.

أنجز هذا الفنان عبر أبحاثه أعمالا تشكيلية حقيقية متنوعة وخصبة، رغم انه لم يعرض أعماله إلا نادرا، ربما لأن وضعه كفنان وليد بداية، ثم كونه مبدعا منحدرا من هامش الهامش ثانية، جعلاه يصر على إبعاد فنه من دائرة الالتباس التجاري والثقافي العام الذي يتربص بالفن وبالفنانين بالمغرب.

 فتمكنه التام من التقنية وخبرته في الميدان جعلت في بعض الأحيان ما ينتجه من لوحات يبدو وكأنه أنتج بشكل آلي من أجل تصديره، وهذا طبعا غير صحيح، لان عبد القادر وان كان يصنف ضمن هؤلاء الرسامين/التشكيلين الذين لم يتمكنوا من عرض أعمالهم إلا لماما، بل تعتبر أعمالهم تحفا حقيقية، رغم أن الوضع الذي يعتريه الغموض كما أسلفنا، فاقم حالة التهميش التي يعيشها البعض منهم، خصوصا أولئك الذين انطلقوا من الصفر، لأن رسمهم التقليدي اعتبر ولا يزال رسما تزيينيا، فاغلبهم لم يتلقوا دروسهم في مدارس الرسم إذ لم يكن في استطاعتهم الالتحاق بها.

فالتشكيليون مثل عبد القادر أخذوا دروسهم من جذوة الحياة والهامش، بعيدا من أي تأثير أكاديمي رسمي أو أي مدرسة أسلوبية – وهذا ربما أكثر فائدة- وانصرفوا إلى البحث عن منابع تتوخى استرجاع الذاكرة وهي تنحو نحو أزمنة مختلفة.

دمت فرشة أنيقة متفردة تشكل الحب والإبداع  وتصارع من اجل الحق في الوجود في وقت أصبح عسيرا اقتحام مجال رواج المنتوج الفني الذي أصبح سوقا لا يصادف فيه غير تشكيل كله زيف وخداع.

 دمت المبدع الذي لم يسرق شهرة زائفة ومخادعة عكس عديدين ممن ينتسبون لهذا الفن النبيل والراقي، ظلما وعدوانا.

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...