بين النصرة والسترة.. في الرد على ’’حديث الوزير‘‘

 

  – خــالـد أبـورقـيـة *- 

 

نشر الوزير نجيب بوليف على صفحته على الفايسبوك منذ أيام ’’رأيا‘‘ ضمن حديثه الأسبوعي، تعرض فيه لذكر مغني الراب والمعتقل السياسي معاذ الحاقد، والمعتقل العشريني أسامة حسني، مفيدا – فيما أفاد – أن الدفاع عنهما يعتبر نصرة للظلم، قاطعا بإدانتهما عبر ما ساقه، مضمرا استنكاره للتنديد باعتقالهما، قبل أن يعود في اليوم الموالي ليكتب، ردا على انتقادات شديدة وجهت إليه، أنه لم يسم أحدا وأنه حين يقرر أن يتحدث عن هيئة أو شخص فسيفعل، معيبا تجاهل منهجية العمل والإصلاح التي طرحها في مقاله لفائدة ’استحلاب‘‘ موقف نأى بنفسه عنه.

وبرأيي فإن الوزير برده ذهب إلى تمييع ما طرحه بداية عبر رده على الانتقادات وتناول المنابر الإعلامية لموقفه من الحاقد ومن حركة 20 فبراير، ولو كنت ناصحه لرأيت أن يثبت على موقفه ويطرح للنقاش السياسي رأيه، فما ضرّ هذا الشعب ناصر ظالم أكثر مما آذاه الظالم نفسه، وبرده يكون الوزير قد انجر بدوره من نقاش ’’المنهجية‘‘ إلى سواها وسقط فيما عابه على سواه، واقتضى الرد عليه تناول ما أثاره من حيث الشكل والمبدأ والمنهجية، وإن كنت أرى في بعض الأحيان أنه بحاجة إلى جلسة ’’تحليل نفسي‘‘ أكثر مما يحتاج إلى رد.

في الشكل:

لا أرى أهمية كبرى أو قيمة معرفية أو فكرية لما كتبه بوليف على صفحته على الفايسبوك، فالرجل استلهم على الأرجح ما كان يقدمه حسن البنا من ’’مواعظ ورقائق ودروس في الوعظ‘‘، وارتأى أن يقاسم قراءه بعض ’’خواطره‘‘ بعيدا عن مكانته العلمية كدكتور في الاقتصاد وأستاذ جامعي، وكخبير دولي لدى عدة منظمات دولية كصندوق النقد الدولي والبنك العالمي، وكمحلل اقتصادي لدى شركات بترولية عالمية بحكم تخصصه في اقتصاد الطاقة.

إن كان لما قاله ويقوله بوليف في ’’حديثه‘‘ من أهمية، ففقط بحكم المنصب الذي يتقلده والصفحة التي ينشر عبرها، فهو ينشر على الصفحة الرسمية للوزير المنتدب لدى وزير التجهيز والنقل واللوجستيك المكلف بالنقل، وبصفته ممثل الحكومة كما يضع في التعريف، وبهذا فالموقف الذي يعبر عنه يعبر بشكل أو بآخر عن موقف حكومي، سيما وأنه خاطب قراءه في أكثر من مقال بصفته الرسمية، وهو بهذا المعني يعبر عن موقف رسمي لا يهم كثيرا، حيث أن القمع والاعتقال السياسي يشكلان طبيعة للنظام القائم في البلاد وركيزة سياساته.

لا جدوى من تنصل الوزير وتعلله بعدم ذكر اسم الحاقد ليبعد عن نفسه الانتقاد، وإلا فليجلس السيد الوزير ويعد لنا لائحة بالعشرينيين الذين اعتقلوا بعد فترة من خرجهم من السجن، ويحاكمون بتهمة ’’بيع بطائق مباراة كروية في السوق السوداء، وفي حالة غير طبيعية (…) والتهجم على رجال الأمن‘‘ وفوق هذا يحوزون تضامن الأكثرية. حين يجرد الوزير لائحة الأشخاص أو يقترح أمثلة للذين تنطبق عليهم هذه النعوت سيحق له أن يتنصل وينكر، مع الإشارة أن التهم التي قضى الوزير بثبوتها مقتطفة من عريضة الاتهام.

نفس ما قيل عن الاتهامات الموجهة للحاقد ينطبق على ما قاله الوزير بوليف عن أسامة حسني، وهنا نرى كيف أن الوزير يتابع كل شاردة وواردة بالتفاصيل والأسماء، ولن يفيد في حالة أخطاء تصدر عن وزارته على الأقل وعن مرؤوسيه والإدارات التابعة له القول أنه شخص يريد الإصلاح لكن من يحيطون به مفسدون مثلما يقال عن الملك لدفع كل انتقاد عنه أو أية مطالبة بمحاسبته.

في المنهجية:

حيث أن الوزير لفت انتباه منتقديه إلى المنهجية والتغاضي عن إشارته وتصفية الحساب من جانب واحد مع الحاقد ومع حركة 20 فبراير، فإننا نحب أن نلفت انتباهه إلى أنه لم يأخذ حتى بما يدعو له، فحري بالوزير الذي يمثل – افتراضا – السلطة الساهرة على تنفيذ القانون أن يجنح أساسا إلى مبدأ البراءة هي الأصل، واحتياطا إلى حكم المحكمة، لكن حيث أن الوزير يعلم تمام العلم أن المحاكمة سياسية وأن القضاء يصدر أحكامه بالتعليمات فهو موقن من حكم الإدانة.

من جهة أخرى كان على الوزير أن يعمل منهجيته في الوقوف على العجائب والغرائب التي تعتري محاكمة الحاقد وعلى الاعتقال الهوليودي لأسامة حسني ومجريات التحقيق معه التي تنطق كل تفاصيلها بالريبة والشك، تخيل – يا سيادة الوزير – أن الحاقد رفض التصريح أثناء التحقيق والتزم الصمت، لكن المحققين استخلصوا من صمته ثلاث صفحات من محضر لم تستبعده المحكمة، تخيل أنه يحاكم دون أن يمكن الجمهور من حضور جلسة يفترض أنها علنية، تخيل أن المحكمة تتابع محاكمته وترفض استدعاء الشهود والمدعين والمحجوزات وأي دليل إثبات، وتخيل أن السلطات لم تحرك ساكنا في تصريح أحد قادة مشجعي المغرب التطواني حين أعلن أنهم اشتروا 3 آلاف بطاقة لنفس المباراة من السوق السوداء !!

في المنهجية يفترض أن يكون الوزير إصلاحيا في الحد الأدنى وينصر الحاقد على أرضية حقه في محاكمة عادلة دون أن يلتفت إلى صراخنا أن المحاكمة سياسية، أن يقول صاحب المنهجية وهو الوزير المطلع ببطلان أساس متابعة يعتري الخلل كل مساطرها، أن يعبر عن رفضه واستنكاره لمحاكمة لا تستمع فيها المحكمة للمدعي ولا يسأله فيها دفاع المتهم، عن ادعاء جريمة قتل بدون جثة ولا سلاح ولا دم ولا دليل.

يحق لنا أن نسائل الوزير بوليف، أين غابت منهجيته عندما اعتقل جامع المعتصم وانبرى هو وحزبه إلى تنظيم وقفات احتجاجية وفعاليات ومهرجانات خطابية للضغط من أجل إطلاق سراحه، وفي الوقت الذي وصف فيه بنكيران محاكمة المعتصم بالسياسية، فإن رد ’’الفعل القوي‘‘ والنصرة الممنهجة حملا المعتصم من ظلمة السجن إلى حوزة المجلس الاقتصادي والاجتماعي. نتساءل أيضا كيف غابت المنهجية حين أوقف البيجيديون دورة مجلس مدينة الرباط حتى لا تناقش استقالة عبد السلام بلاجي.

إننا نتساءل، ما كان ضر الوزير وإخوته لو تركوا المساطر تسير ويقبلوا بالنتائج في جميع الحالات التي يكون فيها إخوانهم ومحاسيبهم موضوع اتهام؟ هنا تغيب المنهجية وروح المصلح ويختصر حديث المنطلق إلى مبدأ قاطع ويقيني، لا تناقش منهجية النصرة ولا يعتد بصكوك الاتهام ومحاضر الشرطة وما يصدر عن الجهات، الموقف جاهز في حالة ذوي القربى: ’’أنصر أخاك وكفى‘‘.

في المبدأ:

قلت في البداية أنني لا أرى لـ ’’حديث الوزير‘‘ أية قيمة أو أهمية سوى إعلانه لموقف سياسي من ممثل الحكومة كما يضع على صفحته، ليس فقط لأنه يتسم بتسطيح تناول المواضيع، بل لأنه ينحو منحى التضليل وتحويل النقاش، وتحويل الأنظار عن ظلم عام وفساد مستشر إلى سلوكات ومرضيات داخل المجتمع بوصفها أصل الداء لا أعراضا له.

إن المبدأ كل لا يقبل التجزيء وواحد  لا يقبل التعدد، فالوزير امتلك جرأة وضع نعوت بين مزدوجتين، وأوصاف بين قوسين بكل ما يحمل ذلك من إيحاء وتهويل، هذه الجرأة أيها الوزير ما أحوجكم إليها وأنتم تطلون على كواليس الحكم من النوافذ الخلفية للمشور السعيد، ما أحوج هذا الشعب إلى أن تنصروا الظالمين الحقيقيين بردهم عن ظلمهم، وأن تثبتوا على رأيكم في المفسدين مهما تقلبت بهم المناصب، وأن تشيروا إلى الفساد باعتباره فسادا مهما علت مرتبته في السلطة، ولنكن بالوضوح الذي نقول معه بالحد الأدنى أن الملك يرعى الفساد ويحميه وينميه دليلنا على ذلك أسماء كثيرة تنال الحظوة لديه ليس أولها مستشاروه ولا آخرها رعاة المصالح.

أيها الوزير، حين أطلق سراح دانيال ابتلعت القطط ألسنة المحدثين والوعاظ وجف حبر قلمك، ولم يجرؤ سوى من تصفهم بنصرة الظالمين على الوقوف لرد الظالم عن ظلمه، والمطالبة بالمحاسبة، هذا موقف لم تجرؤوا ولو على دعمه، وإن كنتم كالعادة تنتظرون التسويق لما سيجود به جلالته من اختصاصات لوح بها حين حاصرته الجماهير الغاضبة، فيما لا يزال التحقيق في من يتحمل مسؤولية قمع المحتجين ينتظر ’’ناصرا‘‘ ليخرج نتائجه من الدهاليز التي تحرسها تماسيح بنكيران.

حين أهدى مصطفى أديب للجلاد بناني باقة ورد رخيصة مرفقة بوصف المجرم انبرى رئيس الحكومة إلى استنكار إهداء باقة ورد رخيصة للجنرال وصب عليه من دعائه، ولم نسمع لكم حديثا عن باقات الهراوات التي تهديها قوات القمع صباح مساء للمعطلين والأساتذة والفقراء وعموم المحتجين، مرفقة بأقبح النعوت والإهانة والسب والشتم من القاموس الذي تعرف ونعرف.

في المبدأ لا تنفكون تتهمون كل من انتقد تجربة إخوانكم على ضفتي النيل بدعم الديكتاتورية ومساندة القاتل، وانخرطتم في حملة الأصابع الأربعة نصرة لآلاف القتلى هناك وحزنا على أنهار الدماء التي سالت في موقعة واحدة، لكنكم لم تنبسوا بكلمة حين ذهبتم كحكومة في شخص أحد وزارئها تباركون فوز العسكري السفاح وتشاركون في حفلة الرقص على الجثث، كأن دماء إخوانكم ما سالت هناك، وكأن القتلى ما استصرخوكم..

في المبدأ يفترض بمن يبايع الظلم ويسكت عنه ويهادنه ويغازله ولا يجرؤ على تسميته باسمه، (يفترض فيه) أن يستتر لأنه أشد ما يكون ابتلاء، لكن من طبيعة نصرة الظالم أن تقف على حد فاصل دقيق بين أن تردعه أو ترتمي في أحضانه، حد فاصل يحسم فيه موازين القوى والمنطلقات والمرجعية والمصالح.

في الختام:

السيد الوزير، لا تستدعي الخربشة التي كتبت على صفحتكم كل هذا الرد، لكن عسى أن أكون نصرتك عبر هذه الكلمات، وإن لم أردك عن غيك فعلى أقل تقدير أرد عن من هاجمتهم بعض ضيم أصابهم مما كتبت، وحين تمتلكون الجرأة لتسمية الأشياء والكائنات والأشخاص بمسمياتهم (وهي بداية نصرة) سيكون لنا حديث.

———————————

*  شاعر مغربي – مناضل في صفوف حركة 20 فبراير المجيدة.

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...