السلطة التنفيذية في النظام الرئاسي، البرلماني و شبه الرئاسي

 – مراد الشويني – 

طالب باحث في القانون الدستوري

 

وقع بين أيدينا في ملفات تادلة بحث هام حول  السلطة التنفيذية، ويتناول حسب عنوانه ’’ السلطة التنفيذية في النظام الرئاسي، البرلماني و شبه الرئاسي‘‘ وبعد استئذان صاحب البحث الأستاذ مراد الشويني الطالب الباحث في القانون الدستوري، نقوم بنشره كاملا على أن نضعه بصيغة  pdf لاحقا، من أجل تعميم المعرفة التي يمكن تداولها خارج النسق الأكاديمي. ونشير إلى أننا سنعمل على نشر أبحاث هامة لنفس الأستاذ على مدى القادم من الأيام، مع شكرنا العميق له لما خصنا به من ثقة وتقدير. ملفات تادلة. 

 

مقدمة

إذا كان المفكر الانجليزي جون لوك هو السباق إلى طرح مسألة فصل السلط، فإن المفكر الفرنسي شارل دي مونتسكيو كان له الفضل في صياغة مبدأ الفصل بين السلطات بشكل دقيق في كتابه روح القوانين سنة 1748، حيث ميز بين ثلاثة سلط رئيسية وهي السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية، وأكد على ضرورة الفصل بينها لضمان الحرية، فالسلطة توقف السلطة عند مونتسكيو، أما إذا اجتمعت في يد شخص واحد فلا بد إن يكون مستبدا، لأن أي شخص يمارس السلطة يمكن أن يسيء استعمالها.

لقد تأثرت مختلف الأنظمة السياسية بمبدأ فصل السلط، لكنها اختلفت في تطبيقه، فإذا كان النظام الرئاسي أخذ بهذا المبدأ على إطلاقه، وأنشأ نظاما للفصل الصارم للسلط، فإن النظامين البرلماني والشبه الرئاسي أخذا بفصل مرن للسلط، قائم على التعاون والتوازن بينها. وقد نصت الدساتير المؤسساتية لمختلف الأنظمة السياسية على فصل السلط وعلى النظام التمثيلي القائم على الانتخابات، بل تجاوزتها إلى الدساتير الجوهرية عبر النص على الحقوق والحريات وعلى الضمانات الأساسية لحمايتها.

وتعد السلطة التنفيذية من بين السلط التي تحظى بمكانة هامة في الأنظمة السياسية، فهي التي تنظم ممارسة الحرية، وتكون في مواجهة الأفراد مباشرة، فالسلطة التنفيذية هي التي تختص بتنفيذ القوانين، والاشراف على الإدارة، ووضع السياسة العامة للدولة، وقد تكون هذه السلطة أحادية أو ثنائية في النظام السياسي. إن أهمية السلطة التنفيذية هاته تدفعنا إلى دراستهاومعرفة كيفية تشكيلها وأهم خصائصها ووضعها في الأنظمة السياسية: الرئاسية والبرلمانية والشبه الرئاسية، فإذا كانت تختلف من نظام إلى أخر، سواء من حيث منبعها أو من ناحية اختصاصاتها أو بالنظر إلى علاقتها بباقي السلط، فكيف إذن تتشكل في كل من النظام الرئاسي والبرلماني والشبه الرئاسي؟ وما هي حدود صلاحياتها؟ وما مدى قوتها في كل نظام سياسي؟

للإجابة على هذه الاشكالية سأقسم الموضوع إلى ثلاثة مباحث، أتناول في الأول تشكيل السلطة التنفيذية، وأتطرق في الثاني إلى اختصاصاتها، لأصل إلى وضعيتها ومدى استقلاليتها في كل نظام، وذلك على الشكل التالي:

المبحث الأول: تشكيل السلطة التنفيذية في كل من النظام الرئاسي والبرلماني وشبه الرئاسي.

المطلب الأول: الشعب كمصدر مباشر للسلطة التنفيذية في النظام الرئاسي.

المطلب الثاني: ثنائية السلطة التنفيذية في النظامين البرلماني وشبه الرئاسي.

المبحث الثاني: اختصاصات السلطة التنفيذية في الأنظمة السياسية الثلاث.

المطلب الأول: اختصاصات رئيس الدولة.

المطلب الثاني: اختصاصات الحكومة.

المبحث الثالث: وضعية السلطة التنفيذية في النظام الأمريكي والبريطاني والفرنسي.

المطلب الأول: الفصلوالتداخل بين السلطة التنفيذية والبرلمان في النظام الرئاسي الأمريكي.

المطلب الثاني: التعاون والتوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعيةفي النظام السياسي البريطاني.

المطلب الثالث: وضعية السلطة التنفيذية في النظام السياسي الفرنسي.

المبحث الأول: تشكيل السلطة التنفيذية في كل من النظام الرئاسي والبرلماني وشبه الرئاسي.

تشترك الأنظمة السياسية في كونها تعتمد على النظام التمثيلي، غير أنها تختلف من ناحية تشكيل السلطة التنفيذية، فهي أحادية في النظام الرئاسي وثنائية في النظامين البرلماني وشبه الرئاسي.

 

المبحث الأول: تشكيل السلطة التنفيذية في كل من النظام الرئاسي والبرلماني وشبه الرئاسي

المطلب الاول: الشعب كمصدر مباشر للسلطة التنفيذية في النظام الرئاسي.

إن منبع السلطة التنفيذية داخل النظام الرئاسي هو الشعب، أي أن رئيس الدولة الذي يستأثر بالسلطة التنفيذية، ينتخب مباشرة من طرف الشعب، وهذا يجعله في مرتبة متساوية مع البرلمان.[1]

يعد النظام الأمريكي نموذج النظام الرئاسي الكلاسيكي، حيث ينتخب الرئيس من طرف الشعب ولكن عبر مرحلتين، فبعد عقد الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمؤتمريهما، يقوم كل حزب منهما بتقديم مرشحه لرئاسة الدولة ونائبه، فتبدأ المرحلة الأولى عبر اختيار كل ولاية لعدد من الناخبين يساوي عدد ممثليها في الكونغرس، ويشترط ألا يكون من بين الناخبين أعضاء في الكونغرس، أو فئة من كبار الموظفين المدنيين.[2]

في المرحلة الثانية يتم انتخاب الرئيس ونائبه من طرف الناخبين بالأغلبية المطلقة، وتعد هذه المرحلة شكلية بحيث يمكن التعرف على الظافر برئاسة الجمهورية منذ المرحلة الأولى.[3]

وكان رئيس الدولة الأمريكي ينتخب لولاية واحدة مدتها أربع سنوات، لكن منذ التعديل الدستوري رقم 22، لسنة 1951، أصبح بإمكان تجديد انتخاب الرئيس لولاية ثانية فقط.[4]

ويعتبر رئيس الدولة هو رئيس السلطة التنفيذية، حيث يقوم بتعيين مساعديه من كتاب الدولة ومستشارين وله حق عزلهم، وهم مسؤولون أمامه فقط، ولا يوجد بالنظام الرئاسي مجلس للوزراء، وليس هناك صلاحيات مستقلة لهم، حيث يعملون على مساعدة الرئيس في تنفيذ سياسته، فهذا الاخير هو من يحتكر السلطة التنفيذية وذلك بناء على الباب الأول من المادة الثانية من الدستور الأمريكي الذي ينص على أن ” تخول السلطة التنفيذية لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية..”

المطلب الثاني: ثنائية السلطة التنفيذية في النظامين البرلماني وشبه الرئاسي.

تتميز السلطة التنفيذية في النظامين البرلماني وشبه الرئاسي، بثنائيتها حيث تتوزع على جهتين، الأولى هي رئيس الدولة أو الملك والجهة الثانية هي الحكومة، وإذا كان الملك في الانظمة البرلمانية يصل إلى السلطة عن طريق الوراثة كما في انجلترا وبلجيكا والعديد من الدول الأوروبية الاخرى، فإن الرئيس في الأنظمة البرلمانية ينتخب من طرف البرلمان كما هو الشأن في النظام التركي، أما في النظام شبه الرئاسي، والذي يعتمد في فرنسا، فإن رئيس الدولة ينتخب من طرف الشعب بالاقتراع العام المباشر بالأغلبية المطلقة في الدورة الأولى، والأغلبية النسبية في الدورة الثانية بالنسبة للمرشحين الاثنين الحاصلين على أكبر نسبة من الأصوات في الدورة الأولى.[5]

إلى جانب رئيس الدولة في النظامين البرلماني وشبه الرئاسي، نجد الحكومة المنبثقة عن البرلمان برئاسة وزير أول، وتضم وزراء وكتاب دولة، ويعين رئيس الدولة الوزير الأول من الحزب الفائز بأغلبية المقاعد في الانتخابات التشريعية، ويتم تعيين باقي الوزراء عبر تسميتهم من طرف رئيس الدولة بعد اقتراحهم من قبل الوزير الأول، والملاحظ أنه ليس هناك اختلاف كبير بين النظامين البرلماني وشبه الرئاسي من حيث تشكيل الحكومة، لكنهما يختلفان في منصب رئيس الدولة، حيث يحافظ النظام البرلماني على الوراثة أو الانتخاب الغير المباشر للرئيس من طرف البرلمان، عكس النظام شبه الرئاسي الذي يلتقي مع النظام الرئاسي في الانتخاب المباشر لرئيس الدولة من طرف الشعب، وهذا التشابه أو الاختلاف في تشكيل السلطة التنفيذية ينعكس على اختصاصاتها في هذه الأنظمة السياسية.

المبحث الثاني: اختصاصات السلطة التنفيذية في الأنظمة السياسية الثلاث

تختلف اختصاصات السلطة التنفيذية حسب تشكيلها فالرئيس في النظامين الرئاسي وشبه الرئاسي لهما اختصاصات قوية نظرا لانتخابهما من طرف الشعب، عكس الرئيس في النظام البرلماني (المطلب الاول)، اما اختصاصات الحكومة في النظامين البرلماني وشبه الرئاسي فهي متشابهة ( المطلب الثاني).

المطلب الاول: اختصاصات رئيس الدولة

يتمتع الرئيس في النظام الرئاسي باختصاصات قوية، ففي الولايات المتحدة الأمريكية مهد النظام الرئاسي يسود الرئيس ويحكم،فهو رئيس السلطة التنفيذية، حيث لا توجد حكومة تتقاسمها معه، بل مجرد وزراء يساعدونه يقوم بتعينهم، وله حق اعفائهم و هم مسؤولون امامه، كما يعين كبار الموظفين و يعزلهم، و هو من يضع السياسة العامة للبلاد، و ’’الخطط السنوية اللازمة في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية’’.[6]

ويتولى رئيس الدولة في الولايات المتحدة الأمريكية أيضا رئاسة الجيش والاشراف على العمليات الحربية وإدارة السياسة الخارجية للاتحاد، ويعتمد السفراء والقناصل لدى الدول الأجنبية، ويبرم الاتفاقيات ويوقع المعاهدات، وله حق العفو، وهو الذي يشرف على تنفيذ القوانين الاتحادية، كما يقوم بتعيين قضاة المحكمة العليا ولا يمكنه عزلهم.[7]

ويلتقي رئيس الدولة في النظام شبه الرئاسي مع نظيره في النظام الرئاسي في كونه يمارس سلطات واسعة وفعلية، ففي فرنسا مثلا يقوم الرئيس بتعيين الوزير الأول من الأغلبية البرلمانية، ويعين الوزراء باقتراح من هذا الاخير، كما يعتمد السفراء لدى الدول الأخرى، ويوقع المعاهدات بترخيص من البرلمان، وهو الذي يصدر الامر بتنفيذ القانون، ويمكن أن يطلب من البرلمان قراءة جديدة للقانون، ويترأس مجلس الوزراء ويوقع على المراسيم المتخذة فيه، ويعين الموظفين المدنيين والعسكريين، ويترأس المجلس الأعلى للقضاء، ويمارس حق العفو.[8]

يتميز رئيس الدولة في النظام البرلماني بكونه يسود ولا يحكم، عكس الرئيس في النظامين الرئاسي وشبه الرئاسي، اللذان يتمتعان بالشرعية الديمقراطية القائمة على الانتخاب المباشر من طرف الشعب.

ليس لرئيس الدولة في النظام البرلماني،أية صلاحيات فعلية، ولا يكون مسؤولا سياسيا أمام البرلمان، وليس له سوى دور رمزي، حيث أن ” الملك – رئيس الدولة – في بريطانيا وهي مهد النظام البرلماني، لا يقوم بأي دور فعال في شؤون الحكم، وكل ما له هناك هو الحفاظ على التعاون والتوازن بين السلطات باعتباره شعارا ورمزا لوحدة الدولة، كل ذلك يأتي من خلال القاعدة القائلة بأن الملك يملك ولا يحكم.”[9]

ولا يفهم من هذا بأن رئيس الدولة مجرد من كل صلاحية، بل له بعض الاختصاصات التي تختلف من “دولة إلى أخرى” ك “حل البرلمان، حق إصدار القانون، توجيه خطابات إلى البرلمان، تسمية الوزراء والوزير الاول، تعيين القضاة والموظفين الساميين، قيادة الجيش.”[10] وتخضع قراراته إلى توقيع الوزراء المعنيين بالأمر.

إذا كان الرئيس في النظام الرئاسي هو المستأثر بالسلطة التنفيذية، فإن هذه الاخيرة في النظامين البرلماني وشبه الرئاسي مشتركة بين رئيس الدولة والحكومة.

المطلب الثاني: اختصاصات الحكومة.

تقتصر السلطة التنفيذية في النظام الرئاسي على رئيس الدولة، ولا توجد هياة وزارية أو مجلس وزاري مستقل، أما في النظامين البرلماني وشبه الرئاسي فإن الرئيس يتقاسم السلطة التنفيذية مع الحكومة.

ليس هناك اختلاف كبير بين الحكومة في النظام البرلماني والنظام شبه الرئاسي، فكلاهما ينبثقان عن الأغلبية البرلمانية، ويعملان على تنفيذ القوانين، والاشراف على الادارة، والمصادقة على مشاريع القوانين والمراسيم، ووضع ميزانية الدولة، وتحديد سياستها العامة، ويعتبر المجلس الوزاري أعلى هيأة حكومية، حيث يرأسه الوزير الأول في النظام البرلماني، ورئيس الدولة في النظام شبه الرئاسي.

ويتمتع الوزير الاول في النظام البرلماني، بسلطات واسعة حتى بات ينعت في النظام البريطاني من طرف الفقه ب “الملك المنتخب”.[11]

ويملك الوزير الأول في النظام البرلماني حق استدعاء البرلمان لعقد دورة استثنائية للتداول في جدول أعمال محدد، وله حق تقديم مشاريع القوانين إلى البرلمان، كما يقوم بالتعيين في المناصب المدنية والعسكرية، ويمارس السلطة الديبلوماسية، ويمكنه حل مجلس النواب أو طلب ذلك من رئيس الدولة.

ولأن النظام شبه الرئاسي تأثر بالنظام البرلماني، فإن صلاحية الوزير الأول متشابهة في كلا النظامين، فهو يملك حق طلب حل المجلس المنتخب في البرلمان من الرئيس، وحق اتخاذ المبادرة في تعديل الدستور، وطلب انعقاد دورة استثنائية للبرلمان، وبالإضافة إلى هذه الصلاحيات فهو ينوب عن رئيس الدولة في رئاسة مجلس الوزراء، والادلاء بآراء استشارية لرئيس الدولة عند الاعلان عن حالة الاستثناء أو حل البرلمان.[12]

الملاحظ أن السلطة التنفيذية تمارس اختصاصات واسعة، تعطيها مكانة مهمة داخل النظام السياسي، لكنها تختلف من نظام إلى آخر حسب علاقتها بالسلطة التشريعية.

المبحث الثالث: وضعية السلطةالتنفيذية في النظام الأمريكي والبريطاني والفرنسي.

تتأثر السلطة التنفيذية بطبيعة فصل السلط في كل نظام سياسي، فالنظام الرئاسي الأمريكي يعتمد على فصل صارم للسلط، يجعل السلطة التنفيذية في استقلالية عن السلطة التشريعية، لكن هذه الاستقلالية تظل نسبية بالنظر إلى التداخل بين السلطتين ( المطلب الاول )، وهو ما نجده بشكل اكبر في الانظمة التي تعتمد على نظام مرن لفصل السلط، كالنظامين البريطاني ( المطلب الثاني) والفرنسي (المطلب الثالث)، واللذين تتميز فيهما العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية بالتعاون  والتوازن.

المطلب الاول: الفصل والتداخل بين السلطة التنفيذية والبرلمان في النظام الرئاسي الأمريكي

تتميز السلطة التنفيذية في النظام الرئاسي بكونها تتمتع بالشرعية الديموقراطية على قدم المساواة مع السلطة التشريعية، وقد تأثر واضعوا الدستور الأمريكي لسنة 1787 بمبدأ فصل السلط لمونتسكيو وأخدوه بشكل شبه مطلق، حيث منع الدستور الأمريكي على الرئيس حل البرلمان، ولم يعط البرلمان أي إمكانية لممارسة الرقابة السياسية على رئيس الدولة أو مساعديه.[13]

ورغم هذا الفصل أقر دستور الولايات المتحدة الأمريكية مجموعة من الاستثناءات عن هذا المبدأ، حيث أعطى للرئيس الأمريكي الحق في الاعتراض على القوانين  الصادرة عن الكونغرس، والتي لا يمكن إقرارها إلا بإعادة التصويت عليها بأغلبية ثلثي الأعضاء في كل مجلس على حدة،[14] بعد إعادة مسطرة التشريع من البداية في الدورة التشريعية المقبلة.[15] ومن بين الاستثناءات أيضا على الفصل بين السلط في النظام السياسي الأمريكي، اقتراح الرئيس لقوانين في رسالته السنوية التي يوجهها الى الكونغريس، والتي تعد بمثابة برنامج تشريعي للسنة المقبلة، أو اقتراحه بشكل غير مباشر لقانون أعده مكتب الجمهورية عن طريق عضو بالكونغرس تربطه به علاقات شخصية، يقوم هذا العضو بتقديم مقترح القانون أمام الكونغرس،[16]كما يقوم الرئيس الأمريكي بإعداد الميزانية بمساعدة مكتب الميزانية بالبيت الأبيض، وذلك منذ تعديل 1921، حيث سيُنتزع هذا الاختصاص من الكونغرس.[17] كما يجوز للرئيس الأمريكي دعوة مجلسي الكونغرس الى دورة استثنائية.

إضافة إلى هذه الاستثناءات خلقت الممارسة استثناءات أخرى بقيام علاقات بين كتاب الدولة وأعضاء الكونغرس فيما سماه البعض ب ” برلمانية الكواليس”[18]

وفي المقابل يتوفر مجلس الشيوخ على صلاحيات تجاه السلطة التنفيذية، حيث يقوم بمحاكمة وعزل رئيس الدولة أو نائبه أو أحد كبار الموظفين إذا ما قدم لهم مجلس النواب اتهاما جنائيا، كما حدث مع الرئيس نيكسون إثر قضية ووترغيت، غير أنه استقال قبل اتمام محاكمته، كما تخضع تعينات الرئيس للسفراء والقناصل وكبار الموظفين وأعضاء المحكمة العليا لموافقة مجلس الشيوخ.[19]

وأقام الدستور الأمريكي نوعا من الرقابة على السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي عندما اشترط موافقة مجلس الشيوخ بأغلبية الثلثين على المعاهدات الدولية التي يبرمها الرئيس.[20]

يتمتع الرئيس الأمريكي بصلاحيات قوية، إذ يجمع بين يديه كافة صلاحيات و اختصاصات السلطة التنفيذية مما يجعل كفته مرجحة في ميزان السلطات في النظام السياسي الأمريكي.

المطلب الثاني: التوازن والتعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في النظام السياسي البريطاني.

يعد النظام البريطاني نموذج النظام البرلماني الذي تطور تدريجيا  عبر تراجع سلطة الملكية في مقابل تقوية البرلمان الذي يمثل السلطة الشعبية، وحصر مسؤولية الحكومة أمام البرلمان المنبثقة عنه دون الملكية في إطار ما يعرف بالنظام البرلماني الأحادي.

ويوصف النظام البرلماني البريطاني بكونه نظام الفصل المرن بين السلطات، عكس ما رأينا في النظام الرئاسي الأمريكي، فالسلطتين التنفيذية والتشريعية في النظام البريطاني يقومان على التعاون والتداخل في الاختصاصات، والتوازن عبر تبادل وسائل الضغط والتأثير، كما أن ثنائية السلطة التنفيذية تخلق نوعا من التوازن مع البرلمان الذي يمثل الإرادة الشعبية، لكن هذا التوازن قد يختل لصالح الملكية التي لها حق حل البرلمان، في حين أن الملك غير مسؤول سياسيا أمامه.

ويتجلى التعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية بمساهمة كل واحدة في اختصاصات الأخرى، حيث تشارك الحكومة في الوظيفة التشريعية عبر تقديم مشاريع القوانين للبرلمان، ومشاركة الوزراء في حضور جلسات البرلمان بحكم عضويتهم فيه والمشاركة في المداولات الخاصة بمشاريع القوانين.[21]

ويمكن للحكومة دعوة البرلمان للانعقاد في دورة استثنائية، كما تختم دورات البرلمان.

أما البرلمان فيشارك في الوظيفة التنفيذية عن طريق الموافقة على الميزانية السنوية المعدة من طرف الحكومة، كما يشارك في مجال العلاقات الخارجية والدبلوماسية، والمصادقة على المعاهدات وإعلان الحروب.[22]

إلى جانب التعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في النظام البرلماني، هناك توازن بينهما قائم على أساس تبادل الضغط و أساليب التأثير، و من هنا يتسنى للبرلمان ممارسة الرقابة على الحكومة، عبر توجيه الأسئلة للوزراء، و تشكيل لجان للتحقيق، وتقديم ملتمس الرقابة، وسحب الثقة من الحكومة وإسقاطها.[23]

وتتوفر الحكومة أيضا على أساليب للتأثير على البرلمان حيث يمكن للوزير الأول حل البرلمان أو طلب حله من الملك، و للحكومة أن تطلب من البرلمان التصويت بالثقة على برنامجها أو على مسألة معينة من أجل مواصلة قيامها بمهامها.[24]

لقد أثبتت الممارسة السياسية في النظام البرلماني البريطاني أنه لم يسبق للحكومة أن لجأت إلى حل البرلمان لآنها منبثقة عن الأغلبية البرلمانية.[25]

والملاحظ أن السلطة التنفيذية تملك اختصاصات قوية تصل إلى المساهمة الفعالة في وظيفة التشريع، مما يجعلها في مكانة متميزة عن السلطة التشريعية.

المطلب الثالث: السلطة التنفيذية في النظام السياسي الفرنسي.

تجدر الإشارة في البداية إلى أن النظام شبه الرئاسي يجمع بين خصائص النظام الرئاسي خاصة فيما يتعلق بانتخاب رئيس الدولة من طرف الشعب، ومميزات النظام البرلماني فيما يتعلق بانبثاق الحكومة من الأغلبية البرلمانية.

وتخضع علاقة الحكومة بالبرلمان لنفس أساليب التعاون والتأثير المتبادل بينهما في النظام البرلماني، فالحكومة تساهم في الوظيفة التشريعية، وتتوفر على إمكانية حل مجلس النواب، وطلب الثقة من البرلمان، كما تكون الحكومة مسؤولة أمام البرلمان الذي باستطاعته إسقاطها، عبر حجب الثقة عنها أو تقديم  ملتمس الرقابة، أو توجيه أسئلة لأعضائها أو إحداث  لجن للتحقيق…

إن وضعية رئيس الدولة في فرنسا تخضع “لنظام خاص”، فهو ليس مثل رئيس الدولة في النظام البرلماني الذي يسود ولا يحكم، وهو ليس مثله في النظام الرئاسي الذي يستحوذ على السلطة التنفيذية وحده، فالرئيس مثلا في النظام شبه الرئاسي يتقاسم السلطة التنفيذية مع الحكومة المنبثقة عن الأغلبية البرلمانية، مما يطرح إشكالا في حالة ما إذا كانت الأغلبيةالبرلمانية تتشكل من أحزاب المعارضة، كيف يمكن للرئيس تطبيق سياسته المخالفة لسياسة المعارضة؟ و كيف هي وضعية الرئيس في حال كانت الأغلبية البرلمانية في صفه؟

إذا كان رئيس الدولة في النظام شبه الرئاسي الفرنسي يتمتع بالأغلبية البرلمانية فإن وضعه يصبح أقرب إلى النظام الرئاسي، حيث تكون للرئيس اختصاصات قوية ويتحول إلى “محرك للسلطة “.[26]

أما إذا كان الرئيس الفرنسي لا يتمتع بالأغلبية البرلمانية، وهو وضع نادر بالنسبة للنظام السياسي الفرنسي، فإن الرئيس يترك المبادرة للحكومة، ويصبح وضعه أشبه برئيس الدولة في النظام البرلماني، ويقتصر دوره على تسمية رئيس الوزراء، والحفاظ على النظام مع التمتع بسلطة معنوية واسعة.[27]

ورغم ذلك فالرئيس الفرنسي يتمتع بصلاحيات قوية خاصة وأنه ” السلطة الأولى” لأنه يلعب دورا تحكيميا في السير العام للسلطات العامة واستمرارية الدولة حسب ما نصت عليه المادة الخامسة من دستور 1958.[28]

 

خاتمة:

رغم اختلاف السلطة التنفيذية في كل من النظام الرئاسي والبرلماني وشبه الرئاسي من حيث التشكيل والاختصاصات وعلاقتها بباقي السلط، فإنها تتمتع بصلاحيات واسعة، تكرس هيمنتها على السلطة التشريعية، فيما بات يعرف ب”أزمة النظام التمثيلي”، فالتوازن بين السلط داخل الانظمة التمثيلية يعرف اختلالا لصالح السلطة التنفيذية، غير أن الممارسة السياسية في الأنظمة الديمقراطية تظل مؤطرة بقواعد الشرعية الدستورية، محترمة بذلك مبدأ سيادةوسمو الدستور في إطار المفهوم الجوهري لدولة القانون.



 رقية المصدق،القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، الجزء الأول، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 1986، ص: 153.[1]

 رقية المصدق، نفس المرجع، ص: 155.[2]

 المختار مطيع، القانون الدستوري وأنظمة الحكم المعاصرة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1998، ص: 108.[3]

 رقية المصدق، مرجع سابق، ص: 155.[4]

 المختار مطيع، القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الاولى يناير 2002، ص: 148.[5]

رقية المصدق، مرجعسابق، ص157. [6]

 هاني علي الطهراوي، النظم السياسية والقانون الدستوري، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان الأردن، الطبعة الثالثة 2011، ص: 264.[7]

 المختار مطيع، مرجع سابق، ص: 148.[8]

9 نعمان أحمد الخطيب، النظم السياسية والقانون الدستوري، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان الأردن، الطبعة الأولى، الاصدار الخامس، 2009 ص: 376.

10رقية المصدق، مرجع سابق، ص: 147.

 

 المختار مطيع، مرجع سابق، ص: 133.[11]

 المختار مطيع، مرجع سابق، ص: 151.[12]

 ماجد راغب الحلو، مرجع سابق، ص : 254.[13]

 علي حسني، القانون الدستوري و علم السياسة، ، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء،الطبعة الثانية، 1999 ، ص 177.[14]

 رقية المصدق، مرجع سابق، ص 160.[15]

 رقية المصدق، مرجع سابق،  ص 161[16]

 رقية المصدق، نفس المرجع، ص 161 [17]

 المختار مطيع، مرجع سابق، ص 144[18]

 علي حسني، مرجع سابق، ص: 179[19]

 ماجد راغب الحلو، مرجع سابق، ص 255[20]

 رقية المصدق، نفس المرجع، ص148.[21]

 ماجد راغب الحلو، مرجع سابق، ص 246[22]

 هاني علي الطهراوي، مرجع سابق، ص 260[23]

 رقية المصدق، مرجع سابق، ص 149.[24]

 على حسني، مرجع سابق، ص 174.[25]

[26] سعيد بو الشعير، الفانون الدستوري و النظم السياسية المقارنة، الجزء الثاني، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ص 195

 سعيد بو الشعير، مرجع سابق، ص 196.[27]

 علي حسني، مرجع سابق، ص 190.[28]


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...