قاشى مولاي الكبير: الأمن المائي قضية سياسية وليست طبيعية

-قاشى مولاي الكبير-

مما لا شك فيه أن المغرب مقبل على سنوات عصيبة وشاقة ستمس شرايين حياته وقلب تنميته، فموارده المائية الحالية غير قادرة على سد حاجات المغاربة الفلاحية والمنزلية الأساسية بما فيها مياه الشرب، حيث أن ثاني أكبر سد في المغرب وهو سد المسيرة بالكاد تتجاوز حقينته خمسة في المائة من طاقته الاستيعابية، ومن المتوقع أن تكون الأزمة موجعة أكثر في القريب العاجل، لذلك يبذل المغرب الرسمي قصارى الجهود، ليس من أجل تلافي وصول الصنابير لحالتها الصفرية، ولكن من أجل تبرئة الذمة من هذا التخريب للبيئة واقناع المواطنين بأنهم هم الذين يتحملون بتصرفاتهم غير الرشيدة مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، وجعلهم مقتنعين بإلقاء اللائمة على أنفسهم أو على الطبيعة، وهو ما تعكسه مواضيع خطب الجمعة من جهة وحملات إعلامية مستفزة من جهة أخرى وبعض التدابير السخيفة  وغير المجدية المباشرة راهنا.

من الجلي أن الخيارات التي أوصلتنا لهذا الوضع لم يقررها المغاربة ولا يتحملون فيها المسؤولية، وهي خيارات سياسية بالأساس، تضاعفت سرعتها وعبثها بالأمن المائي للمغاربة منذ 15 سنة تقريبا، عبر مخطط أخضر لأقلية اغتنت بموارد الوطن واستفادت بطريقة أسطورية من دعم أنشطة زراعية رأسمالية قائمة على تشجيع نموذج زراعي قائم على تصدير الماء تلبية لاحتياجات السوق الأوروبي.

إن تحويل المغرب لحديقة خضر وزراعات تلبي الحاجيات الغذائية لأوروبا عوض احتياجات المغاربة تسبب في تدهور البيئة والموارد الطبيعية، وسيزيد مستقبلا من استفحال هذه الآثار المجحفة بتكلفة اقتصادية واجتماعية باهظة، خصوصا وأن المساحة المخصصة لزراعة الحبوب لهذه السنة مثلا تقل بحوالي النصف عن مساحتها للموسم الفلاحي المنصرم.

إن ما يمكن أن يزيد الأمر خطورة هو أن التدابير المتخذة من طرف صناع القرار بالمغرب لمواجهة الخطر الذي سمع هديره بزاكورة وبعد ذلك بخنيفرة(لهري) ولازال يزمجر بفكيك، لا تتجاوز سقف ما دأبت عليه دولة كبار الفلاحين والملاكين العقاريين وأرباب الضيعات الكيلومترية من إجراءات لحماية بحبوحتهم على حساب مآسي عموم المغاربة، إجراءات لا يمكنها أن تطمئننا بما ينتظرنا في آخر النفق، خصوصا إذا علمنا بأن تسع محطات لتحلية المياه بالمغرب لا تستطيع أن تفي بحاجات مدينة كالدار البيضاء مثلا من استهلاكها السنوي من الماء، أما الدعوة الجوفاء لإعلان حالة طوارئ مائية تمس مياه شرب المغاربة وفرض المزيد من التقشف بشأنها فهو يخفي حقيقة كون حوالي 90 بالمائة من المياه تستهلكها الفلاحة فقط، فلاحة الأفوكادو والطماطم والبطيخ الأحمر…وكل ما لا يحقق سيادة ولا أمنا غذائيا، وفي هذا السياق نستحضر تجربة نضال ساكنة قرية الهري بعمالة خنيفرة من أجل حماية هذه الثروة الثمينة من جشع فلاحة نافذين بالمنطقة عمدوا لتحويل نهر دائم الجريان لاستغلالياتهم الفلاحية، نهر اشبوكة الذي ارتبطت هوية وحياة سكان الهري به وأدى الاعتماد عليه إلى تنمية مجموعة من الزراعات لدى الساكنة المشاطئة للنهر، وهي زراعات كانت تسد احتياجات السوق المحلي بالإضافة إلى تربية الأغنام، قبل أن يستفيق ذات صباح سكان المنطقة على جريمة تجفيفه التام، وحين انتقلوا لمقر السلطة المحلية للاحتجاج، دعاهم رئيس دائرة أحواز خنيفرة لتقبل الأمر لأنه يتعلق بمشكل جفاف وتبخر ونذرة  تساقطات واستثمار جديد وعصري، أيضا سيقدم المنطقة خطوات لذلك ينبغي حمايته والدفاع عنه، لتنفجر احتجاجات الساكنة مؤازرة بالجمعية المغربية لحقوق الإنسان بخنيفرة في مواجهة لصوص الماء مؤازرين هم أيضا بالسلطة المحلية المعينة، وبعد ذلك ستتدخل السلطة المحلية المنتخبة ممثلة في مجلس جماعة لهري وتصدر بيانا تاريخيا يدين الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وكل من انخرط في الاحتجاجات، علما أن هؤلاء المستثمرين لا يساهمون ولو بدرهم واحد بعد جني غلالهم لفائدة هذه الجماعة ولا يقومون بأي دور اجتماعي بل كلفوا المنطقة انهيارا في نظامها الإيكولوجي والمعيشي وتسببوا في نفوق العديد من الكائنات الحية  وإعدام الحياة بالوادي وشطآنه، احتجاجات امتددت لشهور وانتهت بإزالة كل المنشآت الهيدروليكية واقتلاع كل المضخات التي كانت كلما ارتفع صوت احتجاج الساكنة منددا ومستنكرا، ارتفع معها منسوب التعطيش والضخ لزراعات لا ترتوي 24 ساعة على 24 وطيلة الأسبوع (البطاطس، والقصب السكري)، زراعات لم يستفد منها سوى أصحاب رساميلها مسممي التربة والماء بالمبيدات والأسمدة الكثيفة، وشركات رقائق البطاطس العابرة للقارات.

اذا كان هذا النمط من السياسات الزراعية قد فرط في أمننا الغذائي وحرمنا من توفير أساسيات طعامنا فإن منهجية تعامل الدولة مع الماء تنذر بتحديات على درجة أكبر من الخطورة، لأن الأمن المائي لا يتحدد فقط بالموارد المائية التي يتوفر عليها بلد معين وإنما بالتدابير التي يتخذها هذا البلد من أجل تنمية موارده والمحافظة عليها لذلك قد نجد بلدا يعاني من ندرة المياه و لكنه أكثر أمنا في مجال الماء، خصوصا وأن موارد المياه خلال الخمس سنوات الأخيرة لم تتجاوز 5 ملايين متر مكعب، أي ثلث ما يستهلكه البطيخ الأحمر والأفوكادو في سنة واحدة فقط،  وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن حصة الفرد المغربي  من المياه سنويا لا تتجاوز 650 متر مكعب، أي يوجد تحت خط الفقر المائي وهذه النسبة مرشحة لتكون حسب المجلس الاقتصادي والاجتماعي تحت نصف هذا الخط بعد ست سنوات، أي أقل من 500 متر مربع سنويا، علما أن خط الفقر المائي محدد في ألف متر مربع سنويا للفرد، كما أن هذا المجلس نفسه  يرى أن من الإجراءات الكفيلة بعقلنة وترشيد استهلاك الماء، هو في تسليعه وخوصصته وحتى عدم استعماله من طرفنا، وكأن الماء الذي يبكيهم حقا تبذيره هو الماء الذي نشرب، فالمجلس إذ يتحدث في تقريره عن الماء وتحديدا التدابير المؤسساتية والتنظيمية وتدابير التدخل على وجه الاستعجال من أجل ضمان الأمن المائي بالمغرب يدعو الى ضرورة :”القيام بمراجعة عميقة للتعرفة المعمول بها على المستوى الوطني والمحلي لتوفير الماء”، غاضا الطرف عن عمق المشكل بأبعاده السياسية والسيادية والاقتصادية والاجتماعية، ومدخله لحماية المغاربة من العطش والجوع هو إعادة بناء سياسة زراعية جديدة قائمة على أساس انهاء التبعية الغذائية وتلبية احتياجات السوق الداخلية والتصدي للتدهور البيئي والنهوض بأوضاع الفلاحين الصغار ورعاية النظام البيئي والتوازنات الطبيعية لبناء تنمية مستدامة تلبي احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة أجيال المستقبل على تلبية احتياجاتها.

 

 




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...