جمال العلاوي: الأوضاع العامة بالجماعات واقع تفكيك المرفق الجماعي، والتخلص من الخدمة والوظيفة الجماعيتين

-جمال العلاوي *

مرت ثلاث سنوات على فقدان الجامعة الوطنية لموظفي الجماعات الترابية والتدبير المفوض لكاتبها الوطني السابق، وأحد أبرز قادتها منذ التأسيس الفقيد سعيد الشاوي، وهي مناسبة ليجدد مناضلات ومناضلي الجماعات، العهد والوعد بالسير على نهج الفقيد في تقوية التنظيم النقابي وتعزيز وحدة العاملين بالقطاع، وترسيخ قيم النضال والكفاح والتضامن والثبات على المبادئ مهما كانت العقبات والمطبات، كما أنها مناسبة للوقوف عند الأوضاع العامة بالجماعات، ومتابعة الرصيد التنظيمي والنضالي للجامعة، وتقييم أدائها على كافة المستويات، ومعالجة كل ما قد يعيق عملها ويعرقل مسارها. واعتقد أن ذلك خير تكريم لفقيدنا الذي كان وهو قيد الحياة يضحي بجزء أساسي من حياته الخاصة، ومن وقته وجهده في سبيل إعلاء راية العمل النقابي الديموقراطي والجاد، ورفع صوت الشغيلة الجماعية وعموم الطبقة العاملة والتعبير عن تطلعاتها وانتظاراتها.

نعم مرت ثلاث سنوات على رحيل الفقيد القائد النقابي سعيد الشاوي، وهي مدة كافية لتجعلنا نتأمل محيطنا الداخلي والخارجي نحن الذين تقاسمنا معه الانشغال بسؤال ما العمل هنا وهناك وفي كل مكان من أجل أن تنعم الشغيلة الجماعية وكل الطبقة العاملة بحقوقها وكرامتها، بل  وبوطن ينعم فيه الجميع بالحرية والعدالة، وهذا المقال لا يقدم أجوبة شاملة عن إشكالات القطاع لأن ذلك يتطلب هامشا واسعا من التفكير الجماعي والتقييم الموضوعي المتأني، كما لا يشخص الوضعية بشكل دقيق لأن عملية التشخيص يفترض أن تنجزها أجهزة تنظيمية، وتترجم في شكل وثائق رسمية، لكنه قد يشكل شذرات من مقدمة عامة نحو تعزيز تصورات أكثر دقة للفعل النقابي بالقطاع.

الجماعات: أوضاع استثنائية في ظل تفكيك الخدمات وتجميد التوظيف

لا أحد يمكن أن ينكر حقيقة سياسة التفكيك التي تعرض لها كل من المرفق الجماعي والخدمة الجماعية والوظيفة الجماعية، فالأرقام والمعطيات الرسمية كافية لتؤكد على أن الدولة ووزارة الداخلية على وجه التحديد قطعت أشواطا مهمة في عملية التخلص من كل الخدمات ذات الطابع الاجتماعي التي تقدمها الجماعات، حيث أن أغلب الجماعات الكبرى لم تعد تدبر بشكل مباشر قطاع النظافة على سبيل المثال، وأصبحت الشركات تتنافس على نهب المال العام عبر ما يسمى بالتدبير المفوض الذي أثبتت التجربة فشله في توفير خدمة النظافة حتى بالشكل الذي كانت توفره الجماعات وهي تسير القطاع بشكل مباشر، وحتى تلك الجماعات التي لم تقم بتفويت هذا القطاع أصبحت تدبره عبر تشغيل اعوان عرضيين مؤقتين وبإمكانيات لوجيستية مهترة، أما قطاع النقل الحضري بالمدن فقد تم التخلص منه قبل النظافة عبر نفس الآلية حتى وإن اختلفت التسميات، كما أن بعض المرافق الجماعية التي كانت بالأمس القريب تشكل محور اهتمام المجالس الجماعية وفي مقدمتها الأسواق والمجازر وغيرها … اصبحت بدورها مرتعا للصفقات –تحت الطاولة وفوقها-، إضافة إلى قطاع الماء الذي كان يشكل مصدر تعزيز للمداخيل الذاتية للعديد من الجماعات، بل وامتدت عملية الخوصصة وتفويت الخدمات الجماعية إلى مستوى جعل التنمية المحلية -التي يفترض أن تندرج ضمن أهم اختصاصات الجماعة كوحدة ترابية- مجرد شعار لتفويت ملايين وملايير الدراهم لشركات محلية ولمكاتب الدراسات التي تنجز مخططات وبرامج عمل تافهة وليست سوى نسخا يتم تغيير عناوينها من جماعة لأخرى دون أن يتم تنفيذ مضامينها على أرض الواقع، يضاف إلى ذلك ما تشهده الميزانيات المحلية للجماعات من عجز متواصل  جراء تزايد النفقات مقابل بقاء حصص أغلب الجماعات من الضريبة على القيمة المضافة ثابتة منذ سنوات، بل وتقليصها بالنسبة لبعض الجماعات الترابية كما جرى هذه السنة مع المجالس الاقليمية.

أما عملية التوظيف بالجماعات، والتي كانت تشكل مصدر استقطاب للكفاءات، وتساهم من خلالها في توفير فرص الشغل لحاملي الشهادات، فقد أصبحت في مهب الريح بعد ان انتزع وزير الداخلية صلاحيات الرؤساء في هذا المجال في خرق غريب للقوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات، ويكفي أن نذكر بأن عدد الموظفين/ات بالجماعات تراجع من 150 ألف سنة 2015 إلى 95 ألف سنة 2021 أي بنسبة 37% من مجموع موظفي/ات الجماعات الترابية، والقطاع مرشح لفقدان آلاف الموظفين في السنتين المقبلتين نتيجة ارتفاع عدد الموظفين الذين سيحالون على التقاعد، دون وجود بوادر توظيف واسع يغطي هذا الخصاص المهول.

أما على مستوى الأوضاع الاجتماعية والمهنية الخاصة للشغيلة الجماعية فلا شيء يخفي حقيقة تدهورها غير إصرار بعض الموظفين على ارتداء ربطة العنق التي ترمز إلى حبل مشنقة تروضهم على تقبل كثرة المهام والمسؤوليات رغم وهْم الأناقة والتفوق الذي يحاول ان يبديه بعض الزملاء في المهنة.. فالقاعدة العريضة من العاملين بالقطاع لا زالوا يرزحون تحت وطأة المعاناة مع السلم السادس والسابع، ودوامة القروض البنكية، وقوائم الديون بالمحلات التجارية والسكنيات وغيرها، وآلاف الموظفين الذين تكبدوا عناء متابعة الدراسة والحصول على شواهد عليا لا يجدون من بديل لتحسين أوضاعهم غير  هجرة القطاع في ظل إصرار وزارة الداخلية على عدم ادماجهم في السلالم المناسبة بعد الاجهاز على الحق في الترقية بالشهادة، ناهيك عن الغياب الكامل للاعمال الاجتماعية ولو بالشكل الذي توجد فيه ببعض قطاعات الوظيفة العمومية.

طبعا لن أتحدث عن وضعية عمال الانعاش الوطني وعن العمال العرضيين العاملين بالقطاع والمرتبطين به، لأن حجم المآسي التي يعيشونها كفيلة بمحاكمة الدولة ووزارة الداخلية على جريمة عدم احترام حتى الحد الادنى للأجر المعمول به في القطاع الخاص، وغياب الحماية الاجتماعية وضبابية المستقبل، ولن أتحدث عن ظروف العمل غير اللائقة وغير الآمنة التي يشتغل في ظلها آلاف الموظفين بالجماعات “القروية” جراء تهالك البنايات الادارية وضعف تجهيزات العمل وتحميل الموظفين مسؤولية إنجاز عشرات المهام المتباينة دفعة واحدة…الخ، لأن هذه الوضعية تجعل من شعارات ” الحكامة الادارية” و ” تبسيط المساطر” و ” التنمية المحلية” مجرد أوهام للتضليل والاستهلاك الاعلامي لا غير.

هذه هي وضعية الجماعات الترابية الآن، ووزارة الداخلية مصرة على دفع هذا القطاع نحو المزيد من التفكك سواء على مستوى تفويت المرافق المرتبطة به للخواص ، أو على مستوى التخلص من الخدمات الحيوية التي يقدمها، أو على مستوى دفع العمل فيه نحو المزيد من الهشاشة واللاستقراري الاجتماعي المهني..

كان حوارا مغشوشا قبل تجميده

راهن العديد من الموظفين ومعهم بعض التنظيمات النقابية بقطاع الجماعات على الحوار القطاعي الذي باشرته المديرية العامة للجماعات المحلية مع النقابات بالقطاع مع بداية سنة 2019، وبغض النظر على عدم احترام وزارة الداخلية لشكليات الحوار الاجتماعي ومحاولة خلط الأوراق بالقطاع عبر اقحام نقابات لا تمثيلية لها بالجماعات، والدفع في اتجاه تفكيك التنسيق النقابي الذي كان قائما، فإن نتائج هذا الحوار لم تكن سوى جعجعة بدون طحين، وذلك بالرغم من أن الجامعة الوطنية  حاولت التشبث بالحوار  على أمل الوصول لحد ادنى من النتائج التي تستجيب ولو لجزء يسير من انتظارات الشغيلة الجماعية، وظلت طيلة سنة ونصف وهي تنبه الوزارة إلى أن الحوار خرج عن سكته الصحيحة واصبح مجرد جلسات لا طائل منها، لتتوج هذه الجلسات بدعوة النقابات من طرف الداخلية للتوقيع على اتفاق فارغ، الأمر الذي استجابت له بعض النقابات، في حين تشب نقابة الاتحاد المغربي للشغل بالجماعات بضرورة تقديم أجوبة واضحة حول الملفات المطروحة وجدولة زمنية معقولة للاستجابة للمطالب الحيوية للعاملين بالقطاع، لتجد نفسها مضطرة لرفض التوقيع على الاتفاق الفارغ والعودة لأجهزتها التقريرية التي اختارت التعبير عن رفضها لمسار الحوار ولنتائجه الهزيلة جدا، وبعد مرور أزيد من أربع سنوات على توقيع الاتفاق تبين أن موقف الجامعة كان سليما وسديدا لأن وزارة الداخلية لم تلتزم حتى بما كان يتم الاتفاق حوله في مختلف مراحل الحوار، فباستثناء تسوية وضعية الموظفين حاملي الشهادات قبل سنة 2011، والذي يعتبر تصحيحا لخطأ ارتكبته وزارة الداخلية وليس استجابة لمطلب نقابي، لم يتم تنفيذ أي التزام آخر من الالتزامات المضمنة في الاتفاق.

النقابة في حاجة إلى وحدة الجهود وإعادة ترتيب الأولويات المطلبية والتنظيمية

إن المعطيات السالفة الذكر، سواء المتعلقة بوضعية قطاع الجماعات الترابية، او بمسار الحوار القطاعي، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أنه لا مناص من تعزيز وحدة الشغيلة الجماعية، وتركيز الجهود  نحو تحقيق هذا الخيار كمدخل أساسي لبناء ميزان قوى حقيقي قادر على فرض اختيارات الشغيلة الجماعية على وزارة الداخلية، وهذه العملية تتطلب الكثير من التحمل والصبر والتضحية والصمود، كما تتطلب وعيا جماعيا بتحديات القطاع، ومراجعة جذرية لطبيعة المطالب والأولويات، وتجذيرا حقيقيا للفعل النضالي عبر ابداع أساليب احتجاج جديدة تتوافق مع خصوصية القطاع، وتعزيز الخيار الديموقراطي داخل النقابة عبر احترام دورية اجتماعات الأجهزة التقريرية والتنفيذية، وتقوية الفروع المحلية والاقليمية، مع ضرورة مواصلة هيكلة وتقوية النقابات الوطنية للفئات المرتبطة بالقطاع ( الانعاش الوطني، العرضيين، عمال شركات التدبير المفوض…) وجعلها ضمن الأولويات التنظيمية القصوى، والمبادرة نحو تعزيز كل أشكال التنسيق النضالي داخل القطاع بين مكوناته الأساسية، وخارجه مع كل الاطارات الجماهيرية التي تتقاطع مع التنظيم النقابي في الأهداف لآنية والاستراتيجية.

*عضو اللجنة الادارية للجامعة الوطنية لعمال وموظفي الجماعات المحلية – إ.م.ش- ، وباحث في القانون الاجتماعي.




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...