في لحظة تتبعثر الأوراق كما تتبعثر الأحلام أمام اليأس والخنوع لصخرة الواقع، فتصبح الحياة مثل صخرة” سيزيف” تضغط بكل قواها على جماجم تتلمس النور في الحياة..تشتهي اللعب…وتعشق كل ما هو بعيد عن الجد والعقل ، نفوس في براءة الملائكة تعيش داخل مجتمع في جزء منه يوجد من يراقب هذه البراءة ، وينتظر لحظة الانقضاض عليها في أي لحظة ، قد يكون هو نفسه ضحية من كان يراقب براءته يوما ما ، وقد يكون انتقاما من شيء ما ، لكن مهما يكون فهو اغتصاب للنفس وشرخ لكرامة إنسانية لا يمكن نسيانها بسهولة حتى ولو طال الزمن ، فالوشم يظل موشوما على جبين خانته براءته في زمن قيل فيه عن البراءة سذاجة وغباوة.
إن الإحصائيات التي تشير الى عدد المغتصبين يوميا من الأطفال تزرع الهلع في النفس والخوف من العيش داخل مجتمع ، وهو خوف ينمو يوما بعد يوم ، بل يكثر وقد أصبح يشبه الأشباح التي تظهر في إحدى السجون السوفيتية في أحد الأفلام الأمريكية ،وتسرق الأطفال للمتاجرة في أعضائهم والاعتداء على أجسادهم. وهو اعتداء على نفسية تعيش في كنف الحياة غير عابئة بما يدور حولها وفجأة يسدل الستار ويسقط القناع وتصبح هذه النفسية متحولة كما يتحول الجسد من أنثى الى ذكر او العكس في إحدى المصحات العالمية.
اليوم 71 طفل يوميا يتعرضون للاغتصاب ليس جسديا ، بل نفسيا فأي اغتصاب جسدي هو اغتصاب نفسي لنفسية المغتصب وهو حادث يشبه حادثة سير تعرض لها أحد الأشخاص، ورغم ذلك بقي حيا لكن وجهه تشوه بالكامل ، فالحياة تصبح بعد هذا الحادث مأساوية لا يشعر بمأساويتها إلا من وقع له هذا التشوه. وكل يوم نسمع مثل هذه الحوادث بل أحيانا بصورة درامية كما حدث مع سفاح تارودانت وقتله بعد ممارسة نزوته العدوانية لأطفال في عمر الزهور ، والسؤال: لماذا فعل هذا؟
الجواب ليس بنعم ، بل الجواب صعب والعوامل متعددة أكثرها نفسي بل مرضي، نخر الذات في مرحلة من مراحل الحياة أغلبها مرحلة الطفولة ، لكن المرضي هو ان نهرب من مرض بارتكاب مثله . إن الذي تم الاعتداء عليه في طفولته لا ينسى هذا الألم وهو أمر عادي يرافق النفس البشرية ، لكن أن يتحول الامر الى انتقام يطال أبرياء يصبح الأمر مدعاة للوقوف عند نتائج هذا الفعل.
إن أي طفل يتعرض اليوم الى هذا العنف الجسدي والنفسي هو فرد منا ، قد يكون قريبا منا ( أخ ، أخت ، صديق …. ) أو هو عضو داخل مجتمع، ولحمايته لا بد من قوانين تصل الى اقسى العقوبات ، ففي دول اخرى كإيران مثلا يحاكم من ارتكب مثل هذا الفعل في الساحات العمومية ،وتنتهي حياته لأنه انهى حياة في بداية ريعان شبابها وتسببلها في جرح لن يندمل.
إن حق العيش في نظام تحكمه قوانين يحمي الفرد في حياته، يحميه في جسده ، في سكنه ، في عمله… هو حق كوني رسمته حقوق العيش البشرية ، وكلما غابت هذه القوانين او غاب تفعيلها تنتهك هذه الحرمة وفي واضح النهار وبدون سابق إنذار. ويصبح السلوك عاديا مثل أخبار الصباح ، غير مؤثر…يشبه ضجيج الشوارع ، لكن وراءه نفسية اهتزت مشاعرها في صمت وتغيرت مع هذا نظرتها من الأبيض الى الأسود ، وبدل أصابعها الرقيقة بدأت مخالبها تنمو مستعدة لنيل شرفها المفقود. إنها تعيش معنا وقد تكون في نفس المكان والزمان حرمها الشبح السعادة في اللعب وعيش الطفولة ، حرمها برائتها التي تحولت منذ لحظتها الى عار قبله المجتمع وصادق عليه علنيا بصمته وتواطئه وجعلها تصرخ من خلال نظراتها …
كفى اغتصابا ؟؟؟كفى جرحا نفسيا؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
عزالدين الشدادي
أستاذ متدرب


