عبد الكريم نوار: المثقف والأمراض الاجتماعية التشخيص قبل النقد

-عبد الكريم نوار-

إن المثقف ليس كائنا منزلا من السماء، بل هو عضو مفكر منظم في طبقة اجتماعية أساسية معينة، ولا يتميز هؤلاء بتخصصاتهم الأكاديمية ولا بمهنهم، التي قد تكون أيَّة وظيفةٍ تتميز بها الطبقة التي ينتمون إليها، بقدر ما يتميزون بوظيفتهم في توجيه أفكار الطبقة الاجتماعية التي ينتمون إليها وتطلعاتها، صحيح أن لكل فئة اجتماعية مثقفيها الذين يرتبطون بها، وينظرون إليها، وينشرون وعيها، وتصوراتها عن العالم، إن هذا العضو الاجتماعي الفاعل يعرف تمام المعرفة من هو؟ ومن أين أتى؟ وإلى أين يذهب؟ لذلك فهو يعرف بالضرورة ما يجب عليه أن يفعله.

لذا فهو دائما يدلو بدلوه في المجال العمومي من خلال: صحف، تلفزيون، وسائل التواصل الاجتماعي، ويعلن للملأ آراءه الخاصة؛ يلعب المثقف دوراً فاعلاً في المجتمع مع النخب الواعية في عملية التغيير والبناء. اننا نمتلك مثقفين من هذه الطينة، يدلون بمواقفهم ويدافعون عنها، يعلنون آراءهم ويدافعون عنها، لكنن لما نعيش في دولة لا ديمقراطية فغالبا ما يدفع المثقف الملتزم ضريبة مواقفه. من هنا كان من الطبيعي أن يكون المثقف الملتزم في مثل هذا الوضع ديمقراطيا بامتياز؛ لأن الدولة تطمح دائما أن تخلق مجتمعا بلا معارضة.

لا يكفي أن يكون المثقف ملتزما بنقد السلطة فقط، بل عليه أن يلتزم بنقد المجتمع أيضا، هذا ما يستدعى التسلح بآليات النقد الاجتماعي؛ فالمثقف بهذا المعنى هو ذلك العضو الذي يهتم بالإشكالات التي يفرزها الوضع الاجتماعي، من هنا مهما كان الموقع الطبقي للمثقف ومهما كان موقفه فإن ثقافته لن تكون فاعلة إذا لم يشتغل على الإشكالات التي يطرحها واقعه الاجتماعي، إن هذا الواقع  يفرز على الدوام جملة من الأمراض الاجتماعية التي تتولد عن الآلام الاجتماعية. لذلك فقبل عملية النقد يحتاج المثقف إلى تشخيص هذه الأمراض.

إن تشخيص الأمراض الاجتماعية هو إحدى المهام الرئيسة للمثقف؛ لكن ماذا نعنى بالمرض الاجتماعي؟ لا نعني بالمرض الاجتماعي أمراضا بالمعنى الحرفي للكلمة، بل يتم عبر هذا المفهوم وصف كل أشكال الآلام الاجتماعية وأسبابها، فهي تمثل عطبا في التطور المجتمعي وأحد الأمثلة على ذلك هي ظاهرة العمل المغترب.  فالوضع السيء، المتعلق بأداء العمال لعمل ممل، يصيب الذهن بالبلادة، لا يمكن علاجه من خلال رفع للأجور، ولكن فقط عبر تحول نوعي في العمل، وهذا ما لا يمكن له أن يتحقق إلا إذا شمل التغيير النوعي -في الآن نفسه- الممارسات والمؤسسات والقناعات السائدة التي تسمح بعلاقات العمل تلك. إن مشكلة العمل المغترب لا يمكن حلها عبر إعادة توزيع للثروات، ولكن فقط في سياق تحول نوعي للعلاقات الاجتماعية. يمكننا أن ندخل فيها أيضا (الفقر-الدعارة – الهجرة- السحر- الإرهاب-)، ومن ثَمّ فإن الدور الأساسي للمثقف هو الدخول إلى هذه “المناطق المظلمة” وتشخيصها.

إن المثقف ليس ضمير عصر فقط، بل هو طبيب حضارته أيضا، ومهمته هي تشخص الواقع، لذا فإن الفاعلية المميزة للمثقف تكمن في التشخيص قبل النقد: من نحن اليوم؟ وما عساه يكون هذا اليوم الذي نحيا صلبه؟  وربما هاذين السؤالين كافيين كي نقول وبكل جرأة أغلب ما أنتج في سياقتنا بعيدا كل البعد عن الدور الحقيقي الذي على المثقف أن يقوم به؛ فالارتباط بقضايا “الميتاجتماعية” قد ولى زمنه وعلى الفكر أن يرجع الى واقعه، ويرتبط بقضاياه وأن يشخص أمراضه. نقول إن المثقف الحقيقي يُشرّح شيئا في المجتمع، قد يكون لما يفعله المثقف الذي يعيش في المجتمعات الأكثر عرضة للأمراض صلة بالفلسفة وهذا أمر ممكن وخاصة أن للفلسفة منذ نتشه مهمة التشخيص، وهي لم تعد تسعى إلى التعبير عن حقيقة يمكن أن تكون صالحة للجميع ولكل الأزمنة.

وبما أن المثقف عضو من أعضاء المجتمع فقد يكون عُرضة لهذه الأمراض، خاصة إذا لم تصبح علاقته بذاته ومجتمعه والسلطة علاقة نقدية، عندما يفقد المثقف حسه النقدي ويتجرد من آلياته النقدية، فإنه قد يستلب ويحتكم لعواطفه وخيالاته وأوهامه، فيفقد بوصلته، ثم ينقلب من مثقف ناقد إلى عقائدي جامد، يمكن أن نسمي هذه الأحوال  “اضطرابات من الدرجة الثانية. “




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...