محمد الادريسي
أستاذ الفلسفة (متدرب) بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين
يلعب السوق الأسبوعي ثلاثاء سيدي بنور دورا أساسيا في الحياة اليومية لسكان المدينة والمناطق المجاورة، فهو ملتقى أسبوعي بين مختلف الشرائح الاجتماعية للمنطقة، نظرا لكونه يشكل ذاكرة اجتماعية مشتركة بين الأفراد والجماعات، ” لكون مدينة سيدي بنور هي “الثلاث”، فمند طفولتنا ونحن نسمع اسم السوق أكثر من المدينة، لذلك فإذا اختفى السوق ستختفي المدينة”.
يبرز الدور الكبير للسوق في حياة السكان، فالسوق كمؤسسة تقليدية في جوهرها تعمل على تسيير وحدة اجتماعية كبرى كالمدينة، بأسسها العقلانية ونظام علاقاتها القائم على الفردانية والفصل بين الأفراد والمؤسسات، وفق رهانات سوسيو-اقتصادية وسياسية لمختلف الفاعلين.
إن وقع السوق بالنسبة للسكان، راجع إلى كون هذه المؤسسة شكلت النواة الأولى لتكون مدينة سيدي بنور، بالشكل الذي جعل التمثلات الاجتماعية للسكان والزوار تستدمج المدينة كجزء صغير من منظومة السوق الكبرى، كمؤسسة تتجاوز البعد الاقتصادي إلى البعد الاجتماعي والثقافي، فالسوق مكان لقاء تفاوضي بين أفراد المجتمع حيادي وغير طائفي أو قبلي في إطار الاحترام المتبادل بين الأفراد والجماعات[1]،
إن الحديث عن مدينة سيدي بنور بدون سوق”الثلاثاء” من شبه المستحيل، انطلاقا من التمثلات الاجتماعية والثقافية لسكان المنطقة حول مؤسسة السوق، والتي تربطها بالمعيش اليومي للمنطقة، ويشكل الطابع الذكوري الوضعية الخاصة لمؤسسة السوق في صياغة مبادئ مركزيتها بالنسبة للتجار عكس الزوار والزبناء[2].
إلا أن الملاحظ مؤخرا داخل سوق ثلاثاء سيدي بنور، هو الدور الذي أصبحت تلعبه المرأة في منظومة السوق بالشكل ولو من خلال الحرف والمهن ذات الأسس القروية والمرتبطة بعالم النساء.
يلعب الموقع الجغرافي لسوق ثلاثاء سيدي بنور دور أساسي في مكانته المتميزة داخل الحركية الاقتصادية اليومية للمدينة والمناطق المجاورة، فانعقاد السوق على مدار الأسبوع- يوم الثلاثاء، هو موعد الانعقاد الرسمي، أما الأيام الأخرى فهي تتوزع حسب نوعية الأنشطة والمبادلات التي تميز السوق- بطريقة تجعل منه متحكم في الحركية اليومية للمدينة والمناطق المجاورة.
إن تعدد الأنشطة الاقتصادية يعكس تعدد وظائف السوق،[3] بالشكل الذي يجعل منه متحكم في الحركية التجارية والاقتصادية والاجتماعية لمدينة سيدي بنور، “لكون يوم الثلاثاء يعتبر يوم استثنائي بكل المقاييس بمدينة سيدي بنور، فكل شيء يتحول إلى السوق حتى الطاكسيات كيبدلوا بلاصتهم نهار الثلاث”.
تبرز إذا، السلطة الاقتصادية والثقافية التي يمارسها سوق ثلاثاء سيدي بنور على الحركية الاقتصادية والتجارية داخل المدينة والمناطق المجاورة، وذلك راجع إلى طبيعة الثقافية السائدة لدى الساكنة والتي تجعل من يوم السوق، اليوم الوحيد داخل الأسبوع للتزود بالسلع والبضائع الضرورية، وذلك عبر سيادة تمثلات اجتماعية تجعل من السلع والمنتجات التي يقدمها السوق تتسم بجودة عالية مع انخفاض ثمنها مقارنة مع المحلات التجارية داخل المدينة، هذه الأخيرة بدورها تعتمد على السوق في الحصول على السلع والبضائع المتاجر بها في الأيام التي تلي انعقاد السوق، بالشكل الذي يجعل الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة والمناطق المجاورة رهينة بسوق الثلاثاء.
إن مؤسسة السوق تعبير عن عالم صغير يمثل العالم المحيط به[4]، وذلك من خلال كون تجمع بين مختلف النظم الاقتصادية والاجتماعية التي تشكل التعارض والاختلاف بين الاقتصاد الريفي والاقتصاد الحضري، وبين السكان القرويين بتمثلاتهم الخاصة للمجال والمدينة والسكان الحضريين وتفاعلاتهم مع القرويين وغيرها من المظاهر التي تجعل من سوق ثلاثاء سيدي بنور يتسم بصيت واسع لدى السكان والمناطق المجاورة، يمكنه من التحكم في الحركية الاقتصادية اليومية للمدينة عبر الدمج بين الثقافة القروية والثقافة الحضرية في الحياة السوسيو-اقتصادية، الشيء الذي يطرح معه السؤال حول مدى مساهمة مهنيي سوق الثلاثاء في هذه الحركية التي تعرفها المدينة؟
المراجع الأساسية:
ميرميه، فرانك (2009)، السوق والتمدن في العالم العربي، ص : 14.
TROIN, Jean-François(1975) Les Souks Marocains Marchés Ruraux Et Organisations De L’espace Dans La Moitie Nord Du Maroc, P : 141.
– ميرميه، فرانك (2009)، السوق والتمدن في العالم العربي، ص : 13.[1]
– ميرميه، فرانك (2009)، السوق والتمدن في العالم العربي، ص : 14.[2]
[3]– TROIN, Jean-François(1975) Les Souks Marocains Marchés Ruraux Et Organisations De L’espace Dans La Moitie Nord Du Maroc, P : 141.
– ميرميه، فرانك (2009) ، السوق والتمدن في العالم العربي، ص : 10.[4]


