بعد حكم محكمة بني ملال المثير للجدل.. ماذا يجري في قطاع العدل والقضاء؟

اهتزت مدينة بني ملال يوم 2 غشت الجاري، ومعها الرأي العام الوطني إثر حُكم “مثير للجدل” أصدرته غرفة الجنايات الإبتدائية لدى محكمة الإستئناف، والقاضي بإدانة متهم بسنتين حبسا موقوفة التنفيد، اعتدى جنسيا على ثلاث قاصرات نتج عنه افتضاض.
ويأتي هذا الحُكم والرأي العام الوطني لا يزال تحت صدمة العديد من “الأحكام الليّنة” التي صدرت في حق مجرمين اغتصبوا أطفالا أبرياء، نذكر على سبيل المثال لا الحصر، الأحكام التي أدانت بسنتين فقط ثلاثة مجرمين قاموا بهتك عرض طفلة أصبحت أمّاً وعمرها لا يتجاوز 12 ربيعا، وهي الجريمة التي هزت الرأي العام الوطني وأثارت عاصفة من السخط والغضب، أدت إلى إطلاق عريضة رقمية لجمع التوقيعات احتجاجا على تساهل المحكمة مع المجرمين، والجريمة الشنعاء التي كانت ضحيتها طفلة تبلغ من العمر ثلاث سنوات تعرضت لـ”اغتصاب متكرر” من قبل شاب يبلغ من العمر 21 سنة، أُطلِق سراحه ولم تتم متابعته، حسب ما صرحت به والدة الصبية التي تطالب بمحاسبة المتهم وأخذ حقها منه.

ماذا يجري في قطاع العدل والقضاء ؟
نطرح هذا السؤال لسببين :
السبب الأول، يأتي في سياق المنحى التصاعدي الذي باتت تعرفه آفة اغتصاب الأطفال، حيث لا يكاد يجف حبر جريمة اغتصاب بشعة، حتى تنفجر فضيحة اغتصاب جديدة أكثر بشاعة. ويفسر العديد من الحقوقيين والمهتمين بموضوع اغتصاب الأطفال هذا المنحى التصاعدي لهذه الآفة بتساهل بعض القضاة مع مغتصبي الأطفال وتزايد “الأحكام الليّنة” في حق المجرمين.

السبب الثاني وراء طرح السؤال أعلاه، يتعلق بتزامن الحُكم في حق مغتصب القاصرات الثلاث ببني ملال، المشار إليه أعلاه، مع قضيتين هزتا الرأي العام الوطني، واستأثرتا باهتمام كبير من طرف مختلف المنابر الإعلامية، الورقية والإلكترونية، وطنيا ودوليا، وانتشرت كالنار في الهشيم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويتعلق الأمر ب :
أولا، التصريح الخطير الذي أدلى به نائب وكيل الملك سابقا للصحفي حميد المهداوي مع بداية غشت الجاري، حول علاقة ذوي المال والنفوذ مع بعض المسؤولين في القضاء، حيث قال أنه ذات صباح استدعاه السيد وكيل الملك إلى مكتبه وسأله قائلا: “واش عرفتي شكون هذاك لي عتقلتي البارح ؟” وكان يقصد صاحب أرض مزروعة بالقنب الهندي كان نائب وكيل الملك السابق قد أمر بوضعه رهن الحراسة النظرية طبقا لما ينص عليه القانون.
ثانيا، جريمة القتل البشعة التي ذهب ضحيتها الطالب بسلك الدكتوراة، المسمى قيد حياته “بدر بولجواهل” بشكل وحشي وهمجي من قبل “ولد لفشوش” في نهاية شهر يوليوز الماضي، والتي ‬كشفت أن هذا الأخير سبق‭ ‬وأن تسبب ‬في‭ ‬مقتل‭ ‬شابين‭ ‬آخرين سنة 2018، ‬ولم‭ ‬يتم‭ ‬اعتقاله ولا سحب رخصته،‭ ‬ وهي القضية التي أعادت إلى الواجهة موضوع آفة الإفلات من العقاب، وحماية أبناء العائلات النافذة أو من يصطلح عليهم باسم “ولد لفشوش”.

لن أعود إلى تفاصيل ما قاله نائب وكيل الملك السابق حول علاقة أصحاب المال والنفوذ بمسؤولين في القضاء، ولن أخوض في حيثيات عدم اعتقال “ولد لفشوش” عندما تسبب في قتل شابين سنة 2018، بيد أنني أود أن أطرح سؤالا يراودني كثيرا ويؤرقني :
ما الذي يشجع بعض القضاة على إصدار أحكام وهم ربما يعرفون أنها قد تثير الجدل والاستهجان وتستفز الرأي العام الوطني وتخلق غضبا واسعا وأسئلة كثيرة؟

يراودني هذا السؤال ويحيرني لأن موضوع اغتصاب الأطفال موضوع جد حساس، والقضاة يعرفون حق المعرفة أن موضوع اغتصاب الأطفال تهتم به منظمات حقوقية وهيآت المجتمع المدني وتتابع مجريات أي محاكمة ذات الصلة، وأنها ستكون بالمرصاد أمام أي حُكم تحوم حوله شبهة من الشبهات.

القضاء يُعدّ من الأمور المقدسة عند جميع الأمم، ويعتبر أداة أساسية لتحقيق العدالة فير المجتمع.. والقضاة يلعبون دورا أساسيا في تحقيق العدالة بين الناس ودعم سيادة القانون والحفاظ على النظام الاجتماعي.

لذلك، ونظرا لِما‭ ‬أصبح‭ ‬يشكله‭ ‬فساد‭ ‬ بعض القضاة ‬من ضرر لضحايا الاغتصاب وغيرهم، ومن إساءة لصورة المغرب ومصداقية العدالة، و‬من خطر‭ ‬حقيقي‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬المجتمع، يمكن القول أن إصلاح منظومة العدالة إصلاحا شموليا وجوهريا بات ضرورة ملحة اليوم قبل الغد، يكون من ضمن ركائزه الأساسية ربط المسؤولية بالمحاسبة وتفعيل آليات الرقابة‭ ‬والمحاسبة، ‬تعمل بشكل نزيه ومستقل ودائم. وهذا لن يتأتّى إلا بوجود إرادة سياسية حقيقية للدولة للإصلاح، وانخراط جميع الأطراف والمؤسسات، لأن كل تأخير في ورش إصلاح القضاء يكلف المغرب كثيرا، بدءا بارتفاع منسوب الفساد في كل مناحي الحياة، وصولا إلى عرقلة تقدمه وتنميته.

في الأخير، نختم بفقرة من مقال للكاتبة الأردنية إحسان محمود الفقيه بصحيفة “القدس العربي” نشرته في فبراير 2022، وجاء فيها ما يلي :
“العدل فريضة إلهية وإنسانية، وتخلف العدل يهدم أركان التعاقد القائم بين الحاكم والمحكوم، ويلغي شرعية السلام المفترض بين الطبقات الاجتماعية”.




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...