ما القراءة، وما الكتابة..؟

-ملفات تادلة 24-

في الفضاء الذي اعتاد أن “يرابط” فيه الراحل ذ محمد نجيب الحجام في حياته.. وألف الناس وكل من يعرفه   أن يشاهدوه صباح كل يوم، هناك صورة له مازالت في نفس المكان، حيث كان يجلس، في المكان والزمان يأخذ قهوة الصباح.. ونسخ من الجريدة أمامه، فوق الطاولة ..وسجائر .. صورة، محفورة منقوشة، فنيا على الجدران، حيث كان يسند ظهره.. الصورة جميلة بأنامل صديق فنان. ستظل حاضرة منتصبة في الذاكرة والعقل والوجدان ..يبدو فيها الراحل، بنظراته الحالمة ، ينظر مليا إلى كل رواد المقهى الثابتين والمتغيرين.. العابرين والقاطنين.. تساءل صديقي تساؤلات كثيرة عن الكتابة الورقية، والكتاب والقراءة والقارئ، هل يمكن أن نتكلم عن “موت المؤلف” و”حياة الكتابة” الآن. صديقي وهو يتأمل عبر هاتفه المحمول أخبارا متفرقة عن المعرض الدولي للنشر والكتاب المنظم بالرباط.. سألني ما إذا كنت لا أزال أفكر في طبع ونشر كتاب أستجمع فيه مقالاتي  .. سألني عن مصير تلك المقالات المتعددة والمختلفة التي نشرتها منذ زمن ليس باليسير.. مقالات في موضوعات ثراتية فكرية فلسفية مختلفة، وأخرى تربوية ديداكتيكية تتعلق بالتدريس الفلسفي والدرس الفلسفي، وحكايات ونصوص سردية عن وجوه ومواقف، ومحاولات شعرية أبيت إلا أن تكون معبرة بصدق عن أمكنة وأزمنة ..نصوص مختلفة مسافرة عبر الزمن ، لقيت تجاوبا ملحوظا ، ومتابعة جميلة من أصدقاء جمعتني بهم ألفة المكان وحضرة الزمان في مدينة تسكننا كحكاية مفتوحة.. أصدقاء.. هم قراء الجريدة ، وأصدقاء من مدن أخرى، بل من أوطان أخرى.. تفاعلهم دائم وحواراتهم الغنية على صفحاتي في الفايسبوك.. كنت نشرت كل تلك النصوص على صفحات جريدة ملفات تادلة ..على مدى ربع قرن و يزيد..هي نصوص لها رائحة الزمان والمكان، ضمنتها رؤيتي للأشياء والعالم والعلاقات الإنسانية والاجتماعية والآخر.. ولنقل شكلت خلاصات واستنتاجات قدر الإمكان.. لما علق بذاكرتي، وما احتفظت به هذه الذاكرة، من عصارة لقراءاتي المختلفة الخاصة والمواكبة لأعمال مفكرينا المغاربة الرواد، بعضهم تتلمذت على يدهم كمحمد عابد الجابري وعبد الكبير الخطيبي وعبد الله العروي وعبد السلام بنعبد العالي وعبد الفتاح كيليطو وفاطمة المرنيسي ومحمد جسوس وعلي أومليل ومحمد سبيلا بشكل مباشر أو غير مباشر.. وغيرهم من رواد الفكر الفلسفي المغربي والمشرقي. ونصوص أخرى هي متابعة لإنتاجات منظري الدرس الفلسفي المعاصر كميشيل فوكو وجيل دولوز ورولان بارط وميلان كونديرا وبورخيس ونيتشه وكارل ماركس وباومان وآلان دونو وغيرهم … ونصوص شئت أن تكون سردية عن المدينة ومواقف أهلها في فترات بعيدة، وصراعات الأمس.. المدينة التي عملت بمؤسساتها التربوية المختلفة منذ أواخر السبعينات، وعشت أحداثها، وما زالت المدينة تسكننا كحكاية بتاريخها ومواجعها وتلامذتها وأهلها وأحداثها ووقائعها، تشكل نصا مفتوحا. ..طاف بي خيالي وأنا أصغي بذهني وعقلي  ..لحديث ذو شجون ،  أتأمل سؤال صديقي : لماذا الكتابة؟ وأي معنى لفعل الكتابة؟  وما العلاقة بين فعل الكتابة وفعل القراءة؟ حقا.. قد يقال، تغير كل شيء ربما في ظل ثورة المعلوميات، لكن كل شيء يخضع للمساءلة ..ثورة كما يسميها البعض ، مازالت موضع جدل وتأمل ومساءلة ونقد .. في مفاهيمها وتصوراتها والمواقف والأسس التي تتناسل حولها ..، كما تغيرت المدينة من حولنا في زمن الصورة العنيفة ، والخبر الرقمي السريع المبهر الجاذب.. الذي لا يمكث في الأرض طويلا، فيختفي في ثوان ، وعالم الأنترنيت الرهيب الذي يقصفك بكل المعلومات دون شفقة ولا رحمة ويقوض فعل القراءة والكتابة كما اعتدناه.. كنت أسأل نفسي وأنا أحاور نفسي : ما مآل الكتابة الورقية والنص السردي والحكي والحكاية التي أقسم  ذ عبد الفتاح كيليطو أنها حكايته في مؤلفه الأخير..؟ كنت أسأل هل مات المؤلف..؟ وأي مستقبل وحياة للكتابة في عالمنا اليوم .؟

حين كنا صغارا ومازلنا نتعلم دائما وإلى اليوم، أذكر أننا نكتب ونقرأ . نعشق الحروف وسحرها وسلطتها.. نحمل في محافظنا الصغيرة الجميلة كتاب القراءة والكتابة .. فما القراءة وما الكتابة إذن بين الأمس واليوم؟  ارتأيت أن

أسرد هنا نصوصا مركبة بطريقة ما عن فعل القراءة وفعل الكتابة، لأجعل القارئ يتأملها بعناية ..أحرضه فكريا على قراءتها وإعمال الفكر فيها ،فالقارئ هو ذاك الذي يعمل الفكر فيما لم يفكر فيه بعد المؤلف ..وهكذا وجدت نفسي أفكر في نص لهايدجر Heidegger أورده ذ عبد السلام بنعبد العالي في كتابه * الكتابة بالوثب والقفز . يقول:

 ..”سنة 1954 كتب مارتن هايدجر في تمهيده لكتاب مقالات ومحاضرات: “مادام هذا الكتاب ماثلا أمامنا من غير أن يقرأ، فإنه يكون تجميعا لمقالات ومحاضرات. أما بالنسبة إلى من يقرأه، فإن بإمكانه أن يغدو كتابا جامعا أي احتضانا واستجماعا، لا يكون في حاجة لأن ينشغل بتشتت الأجزاء وانفصالها عن بعضها .فقد يجد القارئ نفسه وقد انتهج طريقا، سبق لمؤلف أن سلكه . إن ساعد الحظ ذلك المؤلف وبما هو auctor فإنه يكون وراء نمو وزيادة augerre .

في هذه الحالة ، وكما في سابقاتها ، يتعلق الأمر ببذل مجهود عبر مساع لا تنقطع، كي يهيأ مجال لما كان ينبغي التفكير فيه منذ الأول ، لكنه مازال لم يفكر فيه بعد. إنه مجال يطلب فيه اللامفكر أن يعمل فيه الفكر انطلاقا من الحقل الذي يوفره ذلك المجال. ليس للمؤلف، إذا كان بالفعل اسما على مسمى، أن يعبر أو أن يبلغه.بل، ليس عليه حتى أن يرغب في أن يدفع ويحرض، لأن من حرضوا أو دفعوا قد أصبحوا متيقنين من معارفهم مطمئنين إليها. ليس في إمكان المؤلف المنخرط في طرق الفكر، في أحسن الأحوال، إلا أن يومئ ويشير من بعيد ، من غير أن يكون هو نفسه حكيما بالمعنى القديم للكلمة . إنها طرق فكر، يكون فيها ما مضى قد مضى وولى من دون شك، لكن ما يوجد في طور الاستجماع يظل معلقا في طور المجيء: إن مثل هذه الطرق تنتظر اليوم الذي يتوغل فيها أناس يفكرون. بينما يرغب نمط التمثل الجاري به العمل، وهو النمط التقني بالمعنى الواسع للكلمة،أن يذهب دوما أبعد فأبعد، فيجر معه الجميع ، فإن الطرق التي تومىء وتشير تكشف أحيانا منظرا على مرتفع وحيد.”*.

يبدأ الفيلسوف الألماني هايدجر بأن يستبعد كثيرا من المعاني التي تعطى عادة للمؤلف والأدوار التي تملك به، أولها أن المؤلف يعبر عن شيء يجول في خلده، وأن يبلغ معاني يمتلكها، والأهم من ذلك أنه يحمل رسالة، ويناط بمهنة، فيسعى إلى توجيه القراء وهدايتهم سواء السبيل. يعارض هايدجر كل هذه المعاني مبينا أن المؤلف لاينقل معارف يمتلكها، فهو ليس حكيما، وإنما هو، كعرافة معبد دلف، يكتفي بأن يومئ ويشير، أن يدل ويحيل. وأقصى ما ينشده، إن هو وقع على القارئ المناسب، هو أن يكون وراء نمو وزيادة توغل في طرق الفكر .

ذلك أن القارئ هو الذي يحول ” تجميع مقالات إلى كتاب جامع” هو الذي “يؤلف” الكتاب، ويركب مقالاته، هو الذي يجعل من شتات الكتاب وحدة ،فيسدي للمؤلف معروفا بأن يجعله وراء نمو. يستعمل هايدغر الكلمة اللاتينية augere, وهي تحيل إلى الفعل اللاتيني augeo الذي يعني زاد ونمى.(أي يزيد وينمي ).

في مقطع مهم من كتابه “فن الجسور ” يتوقف الفيلسوف الفرنسي ميشيل سير Serres* عند مشتقات هذا الفعل، فيكتب :” إن المعنى الحرفي للفعلil octorise يعني  يسمح autorise بالمرور. كيف ذلك ؟ الفعل اللاتيني augeo, الذي يعني زاد ونمى، يولد كثيرا من الاشتقاقات ،حيث نجد بينهما السماح ب autorisation ورسوم الضريبةoctroi .ها قد عاد المؤلف l’auteur.يتعذر علينا الإيمان بذلك .ولكن، إذا كانت كلمة octroi قد استعاضت عن الau بحرف o ، فإنها قد احتفظت بالحرف c الذي فقدته كلمات المؤلف auteur وكلمة السماح ب autorisation وباقي مشتقاتها في اللغة الفرنسية ،هذا في الوقت الذي احتفظت به اللغة الإنجليزيةauction ” .

هذا الربط بين المؤلف auteur وبين السماح autorisation يسمح لنا بأن نقول إن المؤلف لا يعمل في الحقيقة إلا على السماح ب ، إنه يمهد الطريق ، أو كما يقول هايدجر ، يفتح طرق الفكر .فلا ينجر وراء ” نمط التمثل الجاري به العمل ، وهو النمط التقني بالمعنى الواسع للكلمة ، الذي يريد دائما أن يذهب أبعد فأبعد ،فيجر معه الجميع”.

لا يعني ذلك تقلبات من أهمية المؤلف، ولا استصغارا لقيمته ذلك أنه يظل هو الذي يبذل مجهودات عبر مساع لا تنقطع، كي يهيأ مجالا لما كان ينبغي التفكير فيه منذ الأزل، لكنه مازال لم يفكر فيه بعد. انه هو الذي يتوغل في طرق الفكر، ليتبين ما يظل معلقا في طور المجيء. لكن هذه الطرق تظل، على رغم ذلك، مجرد إشارات وتلميحات، وهي تحتاج إلى”  قاريء يجد نفسه وقد انتهج طريقا سبق لمؤلف أن سلكه” .فإن كان ذلك المؤلف محظوظا، لإنه سيقع  على قاريء يعمل الفكر فيما لم يفكر فيه بعد.”. (انتهى النص(.

وأنا بدوري ,كاتب هذه المقالة, أقدم استنتاجا شخصيا هو كالآتي على شكل تساؤل مفتوح :

أتساءل الآن مع القارئ والكاتب ومن يصاحبهما في الطريق وعبر الجسور :

هل هذه هي القراءة التي كان قد تحدث عنها رولان بارط، والتي تبدو وكأنها ” لا تحترم النص Irrespectueuse ولا تخضع له”  ، فهي كما يقال ما تفتأ ترفع رأسها متوقفة متأملة باحثة … عن ما لم يقال في النص وما لم يفكر فيه ، رولان بارط Roland Barthes يوافق على ذلك ، لكن يؤكد أنها لا تتم في استقلال عن النص ..فقط هي تغنيه وتجعل النص في حركة ونمو دائمين ..فما يخالج القارئ من أفكار، وما يخطر ببالها من تساؤلات وترابطات ..أحيانا يبدو وكأن قراءته  قد ابتعدت عن النص.. وأن المؤلف قد مات  ..لكن ما ابتعدت عنه إهمالا له ،بل، اعترافا قويا به ..وتماهيا معه في نفس الآن…لقد ذهب لويس بورخيس أبعد من هذا حين اعترف بنوع من الرابطة بينه وبين هذا ” الآخر ” القارئ ..الذي رغم انفلاته، فهو يظل نوعا من الاستمرار في الوجود، نوعا من الخلود حين يقول : ” الآخر هو امتدادي تنازلت له عن كل شيء ” و “وأنا ستبقى في بورخيس ، وليس في نفسي”. معنى ذلك أنا الزوال، ومن سيخلد هو الآخر. أو لنقل هو ذاك الذي سيسكن اللغة، ويتجسد في تاريخها.. ” ..

أليس هذا فيه إعلانا بمعنى ما عن حياة الكتابة وموت المؤلف..؟ .

ذ. التهامي ياسين

إحالات مرجعية :

*Heidegger.M, Essais et conférence, Gallimard,2958,pp5,6

S*Serres.M. L’art des ponts,leppmmier,2013

* ذ عبد السلام بنعبد العالي. الكتابة بالوثب والقفز..

انظر مقالاتنا في ارشيف الجريدة ..من خلال موقعها الالكتروني .

 




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...