دراسةٌ في رواية “الزّمنِ المُوحش” لِحيدر حيدر (3) المُناصصات الأيقـونيـة : الصّورة والمؤلّف

-ملفات تادلة 24-

1- الصــورة.

  يتشكل غلاف الرواية (الطبعة الخامسة 2000)، من لوحة تشكيلية للدكتور “أحمد معلا”، تُمثل نصّا بصريا ذا طبيعة أيقونية، مادام يحيلُ على موضوعاتٍ قابلة لأنْ يُتعرّف عليها، إذ الأيقونة Icône صورةٌ تستنسخُ نموذجا1، وهي بالتالي” إشارةٌ تحتفظُ بخصائصها المعنوية، حتى ولو لم يكنْ مرجعُها موجودا، بمعنى أنها تدلّ بموجب علاقة مشابهة بينها وبين مدلولِها، وعليه فإن الصورة بالنظر إلى عناصر موضوعها أيقونة  Icône، إلّا أنّ هذه الصورة خارج سياقها التّداولي، ليست قابلة للتأويل إلّا على المستوى الخبري”2.

 أمّا إذا وضعنا اللّوحة في السياق الدلالي الذي يُواكبها، فإنها لا تغدو مجرّد دليل أيقوني خبري، ذلك أن قراءة المتن الروائي، تسمح لنا بالتأويل، بحيث نتعرّفُ على خيالاتٍ وأشباح أجسادٍ آدمية، تتوزع داخل إطار الصورة. بعض هذه الخيالات مازال يحتفظُ بأبعاد الجسم الآدمي، في حينٍ استحالتِ الأخرى إلى مومياواتٍ حجرية، لم نعدْ نتبيّنُ فيها ملامحَ الجسد الإنساني “إنّها كتلةٌ من اللّحم والدّم، لا علاقة لها بالآدميين، لقد ولدتِ الأرضُ المطعونةُ طفلا عليل الجسد، عليل النفس”3.

 هي أشباه كائنات تتضوّرُ ألما ومعاناة، فهم “ضائعون بلا ذاكرةٍ، وغارقون في مستنقع التاريخ- وُلدوا في عوالم مختلفة متناقضة، عوالم فردية، جاؤوا منْ بلاد قصية، مطرودين, ملهوفين، مسكونين بالأحلام والمجد والظمأ”4.

 وبهذا تصبحُ الصورة دليلا أيقونيا، فتتحولُ الأيقونة إلى قرينةٍ Indice مادامت تنسجُ صلة دينامية وفاعلة مع موضوعها، فتفقدُ خصائصها الدّلالية، إذا فَقدتْ مرجعها “وبهذا تغدو العلاقة القرينية، علاقةً مجاورة بين الإشارة (الصورة)، والشيء المشار إليه، (موضوع الرواية)… وبهذا المعنى، فالصورة التشكيلية، ليست مجرد دليل أيقونيّ خبريّ أماريّ، بل هيَ أيضا دليلٌ مقوليّ- ما دُمنا نعرف أنّ الأمر يتعلق بغلافٍ، أي بواجهة كتابٍ”5.

2 ـ مـؤلـف الـروايـة:

وفي سياق تدعيم هذه الدلائل الأيقونية، يوجد في أعلى اللوحة (الصورة) التشكيلية، اسم المؤلف – حيدر حيدر – باعتبارها علامة أيقونية، على منتِج النص الروائي، وهي ذات دلالة قصْدية، “إذ النظام القوليُّ لا يكتسب نصيّتَه، منْ بنيته الداخلية فحسْب، بل يتدخّل فيها كذلك مُنتِجه ليُضيء بدوره النّص، ويَفتحَ أفق انتظارٍ مرتكزٍ على نصوصه السابقة، الثّاوية في ذاكرة المُتلقّي، وعلى قدر انزياحه عنها، أو انسجامه معها، تتحدّدُ هُوية المكتوبِ، هذا فضلا عن تثبيت شرعية النّص، حتى لا يوسم باللّقيط، إذ القارئ لا يستسيغُ نصّا مُفارقا لمؤلِّفه، حتّى لا يبقى معناه مرهّنا”6. إنّ “المؤلف شخصيةٌ حديثة النّشأة، وهي من دون شك وليدة المجتمع الغربيّ، من حيت أنه تنبّأ عند نهاية القرون الوسطى، ومع ظهور النّزعة التجريبية الإنجليزية والعقلانية الفرنسية، والإيمان الفردي الّذي واكب حركةَ الإصلاح الدينيّ، إلى قيمة الفرد أو” الشّخص البشريّ ” كما يُفضّلُ أن يقال[…]”7.

فالمؤلّفُ قيمةٌ متعاليةٌ فوق قيمة الرواية، تتجاذبُها ثلاثُ مقارباتٍ: مقاربة اقتصادية تصِلُه بالفئة الاجتماعية التي ينتمي إليها: بورجوازيّ- بروليتاري- بورجوازيّ صغير… وهي التي يستوحيها النقد الإيديولوجيّ، ومقاربة قانونية تُلحُّ على حضور المؤلف قانونيا من زاوية البنود، أمّا المقاربة الأدبية، فتنظر إلى المؤلف باعتباره مرسِّخَ اتجاهٍ أدبيّ، وصانعَ أسلوبٍ مادام أنّ “الأسلوبَ هو الإنسانُ عينُه”8.

مِنَ المؤكّد أنّ ورودَ اسمِ “حيدر حيدر” يُثير الكثير من الجدل9، وما الضّجة التي أُثيرت في أنحاء واسعة من العالم العربي، حول إعادة نشر روايته الأكثر جدلا “وليمة لأعشاب البحر”، إلا دليل على ذلك، فلا يكون غريبا، أن تتلقف الأوساط الأدبية والثقافية والصحافية نِتاجَهُ بدرجةٍ زائدةٍ من الاهتمام والنقد، وإنْ كانت في بعضها مغلفةً بالحساسية والاتهام، فكانت منْ تبعات ذلك، أنْ يعسُر على مثل هذا النّوع من الإنتاج الأدبيّ إيجادُ ناشرٍ، فيقوم المؤلف بنشرها على نفقته، وهو الكاتب المعروف ذو التاريخ الفنيّ الطويل10.

ذ. عبد الحكيم برنوص

——————–

1- مبارك  حنون -دروس في السميائيات –دار توبقال للنشر – البيضاء ط1، 1987 ص 55.

2- أحمد فرشوخ- حياة النص دراسات في السرد –دار الثقافة- ص 74.

3- الرواية قيد الدرس, ص335.

4- ظهر الرواية المدروسة (الغلاف الثاني للرواية).

5- أحمد فرشوخ حياة النص, دراسات في السرد ص75.

6-  نفس المرجع السابق ص76

7-  درس السيميولوجيا – رولان بارت- Barthes ترجمة عبد السلام بن عبد العالي-دار توبقال للنشر والتوزيع ط1 1986- ص 82

8- عبد السلام المسدي,  الأسلوبية والأسلوب-الدار العربية للكتاب الطبعة 2 ،1982/ص 67.

9- عبد العزيز حمودة  – المرايا المقعرة ، عالم المعرفة عدد 272 /غشت 2001 ص:18

10- نبيل سليمان  – فتنة السرد والنقد. ص 219.

 

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...