ما المثقف ؟ وأي دور له في الزمن الراهن ..؟

-ملفات تادلة 24-

أزمنة وأمكنة

 ما المثقف؟ وأين هو ؟ ومادوره ووظيفته في الزمن الراهن؟ وما هي رهاناته في ظل هذه الثورة الرقمية الكبيرة والتحولات السريعة في مجال الفكر والاقتصاد والسياسة..؟ وأسئلة أخرى إشكالية  وجب على كل ناقد شجاع ومحلل للمسألة الثقافية أن يطرحها ويواجهها ويستقصي أبعادها..ذلك أن وضعية المثقف وكما كنا نعرف لا تبعث على الارتياح. هي أسئلة أستهل بها مقالتي وتبدو أنها تتضمن نقدا ضمنيا لوضعية المثقف في مجتمعه. وبادئ ذي بدء أقول :  إن الصورة التي سكنت عقول جيل الخمسينات والستينات والسبعينات.. إلى حدود انتهاء الحرب الباردة على الأقل في شكلها الحالي، هي صورة المثقف الذي كان يتزعم أغلب الحركات الإصلاحية والنهضوية والتغييرية الى جانب السياسي في المجتمع، لكن علاقته بالسلطة بالطبع دوما كانت تحكمها عملية شد وجذب.. محاباة تارة وصراع وحرب تارة أخرى..وعبر التاريخ وفي كل المجتمعات لم تكن العلاقة بين المثقف والسلطة على ما يرام ..كان “المثقف العضوي” الذي صاغ مفهومه دوره الإيطالي “انطونيو غرامشي” ،وحدد وظيفته التاريخية مقابل المثقف التقليدي هو النموذج الذي كانت تستمد منه كثير من المواقف الرافضة والثورية، ولنقل اليسارية والماركسية تحديدا مادتها الرئيسية في برامجها التغييرية والإصلاحية والثورية لدور المثقف في مجتمعاتها وخاصة في مجتمعات العالم الثالث ومنها  العربية ويمكن للذاكرة التاريخية في دول  العالم الثالث أن تستحضر كثيرا من هذه النماذج.. يعرف غرامشي المثقفين اعتمادا على الوظيفة الاجتماعية المباشرة التي يمارسونها. وهو تعريف تجاوز “كبار المثقفين” ليشمل كل من يكسبه نشاطه الفكري مكانة ووظيفة ضمن علاقات اجتماعية معينة تاريخيا، سواء كان كاتبا أو فنانا أو مدرسا أو طبيبا أو سياسيا أو إداريا أو غير ذلك من ذوي النشاط الفكري. على أن هؤلاء المثقفين تختلف مراتبهم أو أهميتهم: فالمثقف ” المبدع” الذي بصوغ الإيديولوجية يكون أكبر وزنا من “المنظم ” الذي يدير أو ينشر هذه الإيديولوجية، ومن مجرد “المربي”.. وهكذا إلى أن نصل إلى من ليست له أية مبادرة وينحصر عمله في التنفيذ. وغني عن الذكر أن هذا التراتب ليس مطلقا، كما أنه لا يستند إلى -معايير داخلية -(كما قد يقال عن كاتب من وجهة أدبية أنه كاتب مبدع) – بقدر ما يستند إلى مكانة المثقف ووظيفته عبر الإبداع .طبعا إذ كان هناك إبداع في شبكة العلاقات الاجتماعية! . ومن هناجاء تساؤل غرامشي الذي بحث بعمق وقوة في هوية المثقف الاجتماعية. لقد تساءل السؤال التالي: هل يشكل المثقفون “طبقة اجتماعية مستقلة قائمة بذاتها”..أم أن لكل طبقة اجتماعية فئة متخصصة من المثقفين ؟” . لقد كانت عناصر الإجابة عنده تتلخص في أن المثقفين لا يكونون “طبقة” في حد ذاتها، بل” فئات” مرتبطة حسب درجات مختلفة بإحدى الطبقات الأساسية (أي في نظره التي استطاعت أو تستطيع تاريخيا الاستيلاء على السلطة وقيادة الطبقات الأخرى كما هو الحال بالنسبة للمجتمع الأوروبي حيث البرجوازية والبروليتاريا). لكن وهنا تكمن أهمية تحليل أنطونيو غرامشي في أن تكوين المثقفين وارتباطهم بطبقة أساسية مهيمنة تمارس الحكم أو صاعدة نحو الحكم في “كثلة تاريخية معينة” كما يسميها غرامشي تتخذ أشكالا معقدة ومتنوعة .ويبرز غرامشي من بينها شكلين يوافقان نوعين من المثقفين : “المثقف العضوي” الذي يرتبط وجوده بتكون طبقة متقدمة فهو بالتالي مثقف الكثلة التاريخية الجديدة مقابل “المثقف التقليدي” المرتبط لطبقات زالت أو في طريقها إلى الزوال، أي طبقات تنتمي إلى كثلة تاريخية سابقة يقول غرامشي:  ” كل طبقة اجتماعية تولد أصلا على أرضية وظيفة أساسية في عالم الإنتاج الاقتصادي تخلق عضويا – وفي نفس الوقت الذي تولد فيه – شريحة أو شرائح من المثقفين يزودونها بتجانسها وبوعيها لوظيفتها الخاصة لا في الميدان الاقتصادي فحسب، بل في الميدان السياسي والاجتماعي أيضا : لصاحب المعمل الرأسمالي خلق معه مهندس الصناعة وعالم الاقتصاد السياسي ومنظم الثقافة الحديدة والقانون الجديد، إلى آخره…”. يمكن أن نشير هنا إلى دراسات متعددة عربية في عالمنا العربي الاسلامي ذات الطابع المتكامل في نظرتها إلى المثقف ..لأنها تميزت أيضا بالاهتمام  بالتحليل السوسيولوجي للظواهر الفكرية. وعلى سبيل المثال لا الحصر نشير هنا إلى اهتمام بعض الدارسين بالمفهوم الانثربولوجي للثقافة، وإعادة النظر في التراث على ضوء المادية التاريخية والتحليل البنيوي لاحقا..قد نشير هنا إلى أعمال مشرقية بالخصوص كمشروع د حسين مروة ود طيب تيزيني حيث نهجا كمثقفين نفس الطريقة في تحليل كثير من  القضايا الثقافية التراثية في المجتمع العربي الإسلامي، ومحاولات ذ هشام شرابي أيضا حين اهتم في محاولته بربط فئات المثقفين بالطبقات الاجتماعية ..كذلك نجد في مجتمعنا المغربي كتابات الراحل محمد عابد الجابري المبكرة ذات النفحة الماركسية قبل أن يقوم بمراجعة جديدة في كتاباته الأخيرة حول بنية العقل العربي الاسلامي..لكن كتابات ذ عبد الله العروي الأولى في أواخر الستينات ،وما أنتجته ومازالت تنتجه  من ردود فعل عنيفة.. خاصة في كتابيه “الإيديولوجية المعاصرة” و”أزمة المثقفين العرب تقليدية أم تاريخانية؟ ” وكتب أخرى جريئة. طرحت مفهوما آخر للمثقف. لقد حاول العروي ومازال يصر منذ تاريخ صدوره لمؤلفه «الإيدولوجية العربية المعاصرة “وإلى حدود كتابه الجديد الصادر سنة 2019 “فلسفة وتاريخ” أنه يمكن أن نميز في هذه الإيديولوجية العربية بين ثلاث كيفيات رئيسية لفهم القضية الأساسية للمجتمع العربي : إحداها تضعها في الإيمان الديني ،والثانية في التنظيم السياسي ،وأخيرا الثالثة في النشاط العلمي و التقني.. فهناك ثلاث رجال، وثلاث تعريفات1- الشيخ 2- رجل السياسة 3- داعية التقنية. قد يتساءل القارئ : لماذا هؤلاء الرجال الثلاثة، ماذا يمثلون في الحقيقة والواقع في مجتمعنا المغربي ؟ يجيبنا العروي : هؤاء الرجال الثلاثة يمثلون في الواقع ثلاث لحظات من الوعي العربي عموما .هذا الوعي الذي حاول، منذ نهاية القرن الماضي، أن يفهم ذاته، وأن يفهم الغرب. وصف العروي “الرجال الثلاث” بشكل مجرد، لأنهم يوجدون في تعبيرات أدبية مختلفة..ولا يتجسدون  في الرجل الواحد ذاته بالنسبة لكل البلدان العربية. ويوجدون في مجتمعنا المغربي ..وبالطبع فالعروي هنا لاينفي الترابط ،الذي اتضح بين الإيدولوجية العربية والإيديولوجية  الغربية. وهنا تتضح أهمية وعي الذات وووعي الغرب كاشكالية مركزية في دراساته. فأين اختفت هذه الصورة إذن للمثقف الأنواري والملتزم والمشاغب.. على الطريقة القديمة؟ أو أين ذهب مثقفوا المادية التاريخية والمادية الجدلية والبنيويون..؟ قد نسافر إلى فرنسا لنبحث عنهم في زمن الأنوار في الستينات، فالعلاقة بين مثقفي المغرب مثلا وشمال إفريقيا أيضا حكمتها دوما مرجعيتان واحدة مشرقية مارست تأثيرها في مراحل معينة ،وأخرى غربية فرنسية المحتوى تحديدا ..وظلت التبعية الفكرية الفرنسية أساسا وإلى الآن بحكم عوامل معينة وتراجع المرجعية الأولى المشرقية ظلت هي الفكر المركزي لأوروبا ومستعمراتها السابقة، لنستحضر موقف جان بول سارتر وفلسفته التي كانت تقوم على الإلحاح على دور المثقف الملتزم والأدب الملتزم …لكن لم يصمد هذا الموقف طويلا..ولم يصمد المثقف الفرنسي نفسه في فرنسا طويلا ( بعد) أحداث 1968 ..والكل يعرف أن أحداث مايو 68 كانت “هزة فكرية واجتماعية وسياسية عميقة” ،ولم تكن مجرد “مطالب نقابية” كما كان يخيل للبعض وقتها ،لم تكن مجرد تعبير عن تخوف الفرد وعدم طمأنينته على مستقبله لم تكن كذلك احتجاجا على صعوبات التنقل وعدم توفر لوازم العيش الكريم في فرنسا..أو مطالب معيشية .لكنها كانت حركة ثقافية وفكرية عميقة وراءها مثقفون مفكرون وزعماء ورموز.. كانت بمثابة أسئلة جديدة ودعوة جديدة إلى إعادة النظر في مفهوم الفكر والثقافة و الجامعة ، في النظرية وعلاقتها بالممارسة ،في السياسة وفي الأسرة، في المدرسة، في الجنس، في التعليم في السلطة وعلاقتها بالمثقف، في الجسد والمرأة ..الخ ،ووقتها كان المثقف في كل أنحاء المعمور يتأثر بهذه الحركة العميقة وبكل الهزات كانت علمية فلسفية اجتماعية..والكل يذكر كيف أن مثقفا كبيرا وفيلسوفا ك”جان بول سارتر” و”رولان بارث”،  كل منهما ينتميان إلى جيلين متعارضين : الأول للجيل الوجودي الذي كان يعتقد أن الإنسان هو الذي يخلق المعنى، بينما الثاني للجيل البنيوي الذي يعتقد أن المعنى يحصل ويجيء إلى الإنسان ويقتحمه. فبارث الذي أثر كثيرا في مثقفي المغرب الحداثيين كان يعتقد أن الأدب لا يمكنه أن يعالج إلا اللغة، وبالتالي فإن الالتزام لا يظهر فيه إلا عبر الكتابة. فرغم أنه كان يعتقد أن بإمكان السيميولوجيا أن تعمل على انعاش النقد الاجتماعي، ورغم أنه كان يبدي إعجابه لمفهوم الالتزام، إلا أنه لم يكن يطيق لغة النضال التي لم يستطع سارتر أن يجيد عنها. لقد كان  بارط يميز بين 1- اللغة التي منظومة من القواعد والعادات التي يشترك فيها جميع كتاب عصر بعينه.2- الأسلوب الذي هو الشكل ،ما يشكل كلام الكاتب في بعده الشخصي والجسدية، ثم أخيرا 3-  الكتابة التي تتم  بين اللغة والأسلوب وعن طريقها يختار الكاتب ويلتزم. الكتابة هي مجال الحرية والالتزام وكما يقول “اللغة والأسلوب قوى عمياء، أما الكتابة فهي فعل متفرد تاريخي. اللغة والأسلوب موضوعات، أما الكتابة فهي وظيفة . إنها العلاقة بين الإبداع والمجتمع، وهي اللغة الأدبية وقد حولها التوجيه الاجتماعي، هي الشكل وقد أدرك في بعده الإنساني وفي ارتباطها بالأزمات الكبرى للتاريخ”. ما كان يقوله سارتر عن الأدب يقوله رولان بارط عن الكتابة. لكن بينما يربط الأول الأدب بالالتزام السياسي للكاتب المحتوى المذهبي لعمله، فإن الثاني ينفصل عن معلمه معا أن قدرات التحرير التي تنطوي عليها الكتابة لا تتوقف على الالتزام السياسي للكاتب، الذي لايعدو أن يكون إنسانا بين البشر، كما أنها لا تتوقف على المحتوى المذهبي لعمله، وانما على ما يقوم به الكاتب من خلخلة للغة..لم يهتم سارتر بهذه الخلخلة لأن الكاتب هو دائما وراء كلماته متجاوز لها كي يقترب دوما من غايته في حديثه. ونحن إذ نستحضر “فكر 68” يمكننا أن نتساءل اليوم : من هم المثقفون والمفكرون الحاليون الذين يمكن أن يرقوا إلى ذلك المستوى السابق لمثقفي الستينات من حيث التأثير في العقول والأذهان؟ بالطبع يمكن أن نجيب أن هناك بالفعل أسماء فكرية جديدة تملأ الساحة الثقافية ،لكنها تبدو أنها أسماء في نظر كثير من النقاد ، أسماء تحتل فقط باستمرار شاشات المواقع الإعلامية أكثر ما تحتك بالجمهور مباشرة مع الطلبة والطبقات الاجتماعية مثلا او تؤثر انطلاقا من كراسي الجامعات أو في المقاهي الأدبية والجمعيات والتنظيمات المختلفة المدنية والسياسية.. إنها “نجوم جديدة” صنعها ويصنعها الإعلام السريع، وتعمل مواقع التواصل الاجتماعي كما نلاحظ على ترويج ونشر أفكارها وترسيخ صورها، وتكريس آرائها، وهي غالبا ما تكتفي بردود أفعال فكرية تتقلب مع تبدل الأحوال وتنوع المتلقين والمعجبين. لقد غيرت الثورة الإعلامية طبيعة التواصل وأغرقت “المثقفين” في عوالم افتراضية، فنسجت شبكة مغايرة من العلائق، وبدلت طبيعة الاحتجاج ومفهوم التأثير ،وحولت أساليب صناعة الآراء ،وبذلك غيرت طبيعة العمل الفكري وخلخلت مكانة المثقف ،بل غيرت وظيفته ونظرة الناس إليه ..إن ما يميز عالم اليوم ،أي العالم وقد اكتسحته التقنية والإعلام ،هو غياب ذلك الاختلاف، فساد نوع من التبسيط والتسطيح والأحادية والتنمية الفكرية المختزلة على وجه الخصوص. وقد كتب الكاتب “‘ميلان كونديرا” في فن الرواية موضحا ذلك بقوة هذا التغيير في مهام المثقف وعلاقته بالإعلام بقوله : (( تعمل وسائل الإعلام في خدمة توحيد  تاريخ الكرة الأرضية ،فهي تضخم وتوجه عملية تقليص، إنها توزع في العالم كله التبسيطات نفسها والصيغ الجاهزة التي يمكن أن يقبلها مجموع البشرية، ولا يهم أن تعلن مختلف المصالح السياسية عن ذاتها في مختلف وسائلها ،فوراء هذا الاختلاف السطحي تسود روح مشتركة .يكفي تصفح الأسبوعي أن السياسية الأمريكية و الأوروبية، سواء أسبوعيات اليمين أو أسبوعيات اليسار ،من التايم إلى شبيغل: فهي تملك جميعها الرؤية عن الحياة ذاتها، وهي رؤية تنعكس من خلال السلم الذي تنتظم المواد المنشورة بموجبه، في الأبواب ذاتها، في الصيغ الصحفية عينها، المفردات ذاتها، الأسلوب ذاته، الأذواق الفنية عينها، وجميعها في نفس مراتبية ما تجده عاما أو عديم الأهمية. هذه الروح المشتركة هي روح عصرنا..)). يطرح كونديرا هنا ثقافة التوحيد والتنميط، حيث أصبح الكل ينهل من ثقافة نفسها، يتغذى من الغذاء نفسه، ويرى الصورة عينها، وينفعل الانفعال نفسه. أصبحوا موحدي الأذواق والمظاهر والانفعالات والإحساسات ..ولا يمكن كما نلاحظ أن تستثني بلدا كما يرى كثير من المهتمين بالخطاب التقنوي الإعلامي الذي  يوجه اللعبة ويتحكم فيها ،واعيا بخفاياها، حائكا لخيوطها ،فالكل في النمطية الثقافية سواء. لقد لاحظنا ونحن نتابع حركة المثقفين والمفكرين وبعد غياب أسماء كبيرة، وبعد رحيل فوكو وبوردبو ودولوز ودريدا ..وغيرهم من الكتاب الكبار. ورحيل أسماء كبيرة كمحمد عابد الجابري وعبد الكبير الخطيبي وكتاب آخرين أن المثقف صاحب المشروع الثقافي قد اتمحى تقريبا ..أما ما يحدث في الحقيقة الآن ينم عن تراحع الكتاب والأدباء والمفكرين وعدم انتظامهم في جبهات قوية كما كان من قبل. وأصبحت الساحة الثقافية الفكرية والبرامج التلفزيونية الفكرية وغير الفكرية، محتلة من قبل جيل جديد من “المثقفين” جدد يعلنون ولاءهم للكل..سواء كان الأمر يتعلق باليمين أو اليسار ..في خضم هذا الواقع  برزت دعوات من “مثقفين” تؤكد بشتى الطرق أن الثقافة لا تعني بالضرورة اليسارية و النقد والالتزام.. من الطبيعي أن يملأ كثير من “نجوم الأغنية والسينما ونجوم الرياضة”، وهذا ليس تبخيسا لدور الفنون أو حكما عاما، ولكن نراه ضروريا لنقدا الرداءة التي صارت عليه الثقافة في مجالاتها المختلفة بالمفهوم الحداثي .. “نجوم” صرنا نراهم يحشرون أنوفهم في الفكر والثقافة والسياسة وكل شيء.. أكثر مما يفعله أصحاب القلم..في هذه الأوضاع المتحولة بسرعة، وأفول نجم المثقف  برزت دعوات هامة رغم قلتها تستنفر الهمم والعقول علها تعيد المثقف دوره الحقيقي و تدعو إلى بناء نموذج ثقافي مغاير جديد، بدأت تعلن صرخات مدوية بين الفينة والأخرى تسعى من خلالها إيقاظ شعور المثقف وحثه على” المواجهة والمقاومة والإبداع” .نلاحظ ذلك في وسائل التواصل الاجتماعي، إذ شعرت كثير من التنظيمات بأهمية المثقف الواعي بدوره في المجتمع والتاريخ في ظل التناقضات المتفاقمة والتفاهة المستفحلة.. من الطبيعي أن  تنشأ نظريات رغم قلتها عن المثقف تردد من جديد نظرية المثقف الواعي بحركة التاريخ المدافع عن المصالح الطبقية، والمثقف العضوي ،والمثقف الملتزم، والمثقف ضمير التاريخ ،ولنقل المثقف المناهض التحديثي المشاكس المشاغب المستنير  …صار الحديث عن دور جديد للمثقف يستوعب التطورات العميقة التي تعرفها المجتمعات الإنسانية ..وبدأ الحديث أيضا وفلسفيا  عن إمكانية تحرير قوى الحياة ، والسماح لحياة قوية جديدة أخرى بالتفتح ..بل هناك من دعا إلى مراجعة قوية للذات لأخطائها ومنزلقاتها ولعلاقاتها المرتبطة مع أنظمتها السياسية  بكل شجاعة وقوة وجرأة.. بمعنى أن هذا الانفلات من التنميط يستلزم بناء نموذج ثقافي جديد، ونسج شبكات مقاومة تعلنها حربا شعواء على التنميط والاحادية . كيف؟ لقد بدت في الوقت الراهن، ومع تطور ايقاع الحياة هيمنة التقنية والحداثة السائلة أن مهمة المثقف ينبغي أن تتغير؛  لم تعد تنحصر  في دور المنطقي الذي يعين “معايير الصدق والصلاحية “،ولا في دور الابستمولوجي الذي يحدد” قواعد المنهج على الطريقة الديكارتية” ولا في الداعية الإيديولوجي الذي يوكل إليه “تفنيد عقيدة الآخر”، ولا في المرشد الأخلاقي الذي “يؤدي النصيحة ،ويهدي الناس و يدعوهم إلى طريق الخير، وانما غدت هذه المهمة  تتمثل في ذلك المثقف الذي يرعى “سياسة الحقيقة” ويحميها ، ويعمل من أجل البث في القواعد التي يدبر بها أمر الحقيقة في مجتمعه، للكشف عن الآليات التي تتحكم في توليد الخطابات والمعاني ونشرها وتداولها وتعميمها.. لقد غدت مهمته في ظل هذه الثورة الرقمية وتعدد صناعة الخطابات وفبركة الحقائق وتزييفها، مراجعة “نظام الخطابات” والوعي بخلفيات مختلف المؤسسات التي تنتجه لفضحها. يتضح، إذن، أن كل تجديد للفكر عندنا رهين أولا بوعي الأهمية الكبرى لوسائط الاتصال الجيدة ، وحسن استخدامها في مواجهة ثقافة التبله والوثوقية والتفاهة.. التي استشرت في مجتمعنا، واستطاع أصحابها من مجالات أخرى غير مجال الفكر والثقافة العقلانية النقدية والمعرفة العلمية أن يعملوا على ترسيخه في الأذهان ..أصبح لزاما أن يعزز المثقف ويستعيد وهجه و يحقق جوده باستعمال الوسائط ذاتها لمواجهة فكر البلاهة والدوكسا والتفاهة وفضح الألاعيب ..ولعل هذه هي المهمة الصعبة الملقاة اليوم على كاهل  مثقفينا الذين يؤمنون بدوهم ومسؤولياتهم في التغيير في كل مجالاته علميا وفلسفيا واجتماعيا..أصبح لزاما تشكيل شبكات réseaux فضحا للبلاهة والزيف وتحطيما للأوثان ومقاومة للنمطية والنمذجة و لإبداع هوية ما تفتأ تتجدد. إرساءا للروح العلمية النقدية والعقلانية المتجددة في مجتمعاتنا، وطموحا واقعيا ومشروعا لبناء مجتمع وفكر إنساني قيمي  جديد و مغاير ..

ذ. التهامي ياسين

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...