في نقد العنف وأنماطه الثقافية

-ملفات تادلة 24-

إن الرجال ليسوا مخلوقات لطيفة تريد أن تحب…وإنما هم ، على النقيض من ذلك ،مخلوقات ذات مواهب غريزية من بينها ما يتسم بقسط كبير من العدوانية ”                   سيجموند فرويد

يبدو بداية أن نتساءل لماذا نطرح موضوع العنف؟ أو لنقل قضية العنف الذي استشرى في مجتمعنا بقوة ..وفي مجتمعات أخرى عالمية . فماهي هذه القضية ؟ ما الذي يقال ولا يقال عندما نحكي قصة العنف.. ما الحضور / الغائب في خطاب العنف ؟ . لكن لنتساءل أولا عن بعض التعاريف التي تفسر العنف ..يقدم “روبيرت ماكافي براون” Robert Macafee Brown تعريفا مطولا للعنف نقتطف منه ما يمكن أن يسعفنا في الموضوع. فالعنف في نظره انتهاكا للشخصية، بمعنى أنه تعد على الآخر، أو إنكارا أو تجاهلا له، ماديا ونفسيا. إن مخاطبة الشخصية تعني إعطاء وصف شامل للعنف بأنه أكثر من مجرد الجسد والروح، إنه يقر بأن الأعمال، التي تسلب الشخصية، هي أعمال عنف. فأي سلوك شخصي ومؤسساتي.. يتسم بطابع تدمير مادي واضح ضد آخر يعد عملا عنيفا. فهناك العنف الشخصي الخفي، الذي يؤذي الآخر نفسيا، وهناك العنف المؤسساتي الخفي، حيث تنتهك البنى الاجتماعية هوية مجموعات الأشخاص كما يحصل، على سبيل المثال، في مستويات الحياة المدنية في الأحياء المغلقة وغيرها. وهكذا، تصبح المشكلة، بالنسبة إلى “ماكافي براون “، مشكلة اجتماعية بنيوية، تعالج من خلال صادق للنزاعات والخصومات والصراعات.. ويحذر “ماكافي براون” من أن الوقوف إلى جانب العدالة قد يجعل بعض الناس غير سعداء، خاصة أولئك الذين يستفيدون من التركيبات الاجتماعية الراهنة، إلا أن مهمة التنظيم، أي الانهماك في تحد اجتماعي عميق، هي الطريق الوحيد في نظره إلى “مصالحة حقيقية” تفضح مصادر الصراع الحقيقية وتتغلب عليها. ولتقريب القارئ من مفهوم العنف ك”سلوك عدواني” وليس كتعبير فحسب عن عاطفة الغضب كما يقول آخرون ..نستأنس هنا بتعريف” أندري لالاند” من قاموسه  الشهير  الذي يعرف العنف كخاصية ظاهرة أو فعل عنيف .يتعلق الأمر هنا باستخدام غير مشروع، أو على الأقل غير قانوني للقوة. بالنسبة إلينا نحن الذين نعيش تحت “نير قوانين مدنية «،فنحن مجبرون على وضع تعاقد إذ بواسطة القانون يمكننا أن نكون ضد العنف كما يذهب إلى ذلك مونتسكيو وروسو وآخرون.. وهكذا يمكن أن نطلق اسم العنف على ما يلي في نظر “لالاند”:

(أ) كل ما يفرض على الكائن ، بحيث يكون مناقضا مع طبيعته: فنقول بالمعنى الأرسطي حركة عنيفة ..تستعمل هذه العبارة أيضا في اللغة الفلسفية نسبة إلى مذهب أرسطو لكنه استعمال نادر جدا، ويمكن أن يساء فهمه، نظرا للمعنى المخالف الذي يأخذه في اللغة المتداولة .

(ب) كل ما يمارس بقوة حادة ضد ما يشكل عائقا بالنسبة إليه: “ريح عنيفة (أي عاصفة) ، صدمة عنيفة، انفجار عنيف.

(ج) نستعمل كذلك كلمة عنيف ،عندما نتحدث عن الأحاسيس أو الأفعال: بل حتى على الطباع، والتي تلتقي في فكرة واحدة، ألا وهي وجود اندفاعات نقلت من قبضة الإرادة ،نقول: ” هوى عنيف – رغبة عنيفة..الخ”. ومع ذلك يمكننا عند الاقتضاء أن نتحدث عن فعل، أو قول ” عنيف بشكل إرادي”، لكن هذه حالة استثنائية، نكون دائما فيها إزاء نوع من التصنع.

(د) نستعمل كلمة عنيف عندما يتعلق الأمر بشخص (أو بطبعه): وتعني ذاك الذي يتصرف بطريقة عنيفة ضد كل ما يقاومه كرد فعل.

(ه) وهناك من يعمل من أجل العدالة، يعمل لما فيه مصلحة الجميع بينما أولئك العنيفون، لا يعملون إلا لما فيه مصلحة لأنفسهم، وفي بعض الأحيان يكونون، عنيفين في نهاية المطاف، عنيفين، ضد ذواتهم .

ويبدو من خلال هذه التعاريف أن الإيمان بفطرية العنف عند البشر كما يذهب إلى ذلك البعض يشير إلى انهيار الفرق الفاصل بين “عاطفة الغضب” و”سلوك العنف”، مما أدى إلى المساواة بين الغضب والعنف، بحيث عد الغضب عنفا، والعنف أداة تعبيره الطبيعية!! وهنا تطرح إشكالية العنف بين الفطري والمكتسب، الطبيعي والثقافي، المشروع وغير المشروع ..

لكن لنتساءل الآن: ما هي الأنماط الثقافية للعنف..إن أنماط العنف الثقافية بالنسبة للباحثة “باربارا ويتمر” التي اهتمت كثيرا بالموضوع، هي مجموعة من المعتقدات والمواقف والسلوكيات، والتوقعات الاجتماعية بشأن العنف في الثقافة الغربية، منها ما تسميه بأسطورة البطل، والديناميكية الاستغلالية للقاتل /الضحية ونظرية العنف الفطري، وثنائية العقل/الجسد، وأسطورة العدوان الذكوري وإخضاع وإذلال النساء، وتهميش مفهوم الثقة وتطور التكنولوجيا بمختلف تجلياتها ضمن موروث من الذرائعية التدميرية ..فالأنماط الثقافية في نظرها معتقدات/أساطير كما سبقت الإشارة إلى ذلك تفصح عن نفسها على نحو رمزي في الأغلب عن المواقف السائدة في الثقافة. إنها أكثر من أسطورة منفردة تحكي قصة أو حكاية واحدة. فالأنماط هي مجموعة من “المعتقدات”؛ قالب عقلي مادي، إطار يعبر عن نمط المعتقدات والمواقف والسلوكات، والخطابات، والممارسات في المجتمع في المدرسة في المعمل في الأسرة في الحزب في الجمعية في الملعب في الفضاء العمومي…الخ بل في الأماكن الأكثر “قدسية”.. ومن هنا فالعنف في تعريفه الجوهري هو خطاب أو فعل مؤذ أو مدمر يقوم به فرد أو جماعة بشرية ضد أخرى. وجوهر أنماط العنف الثقافية يتحدد في الاعتقاد القائل أن البشر عنيفون بطبعهم حيث يصبح “النظام الثقافي” في كثير من الأحيان قادرا، بل منخرطا في شرعنة العنف وإضفاء العقلنة عليه، واستخدامه في السيطرة على” الناس العنيفين”. ومن ثمة كما تلاحظ هذه الباحثة يتحول هذا النظام إلى نظام وسائل سيطرة اجتماعية مباشرة وغير مباشرة يقوي ذاته ويديمها، ومن ثمة تتشكل دوامة مكرورة متناسلة من العنف تتجلى في إعادة الصدمة التي تنتقل من جيل إلى جيل آخر عبر أدوار أسطورة /البطل الجاني الخالد وطقوسها. وباختصار شديد ومكثف فإن أنماط العنف هي مجموعة رمزية من أشكال السيطرة الاجتماعية المرئبة وغير المرئية اتجاه العنف، يتم الإفصاح عن آثارها والفوارق وراءها في نمط من المعتقدات، والمواقف والتصرفات..ونشير هنا إلى العنف الرمزي للعنف كمفهوم  يهتم به “بيبر بورديو”،و كما نلاحظ في مجتمعنا الراهن حيث تلعب كثير من الأجهزة السياسية والثقافية والجنسية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية والايديولوجية.. على نشره وإشاعته وتمريره ..بطرق هادئة ناعمة أحيانا يستشربها ويتشبع بها الفرد وتصبح جزءا من ثقافته وأفعاله وخطاباته..ولعل دراسته لمفهوم الهيمنة الذكورية الذي يعتبرها من خلال الطريقة التي تفرض بها وتخضع لها النموذج الأمثل لهذا الخضوع المفارق ،والناتج عن ما يسميه بالعنف الرمزي، عنف هادئ غير محسوس غير مرئي حتى بالنسبة للضحايا أنفسهم. إنه عنف يمارس أساسا بطرق رمزية خالصة في التواصل والمعرفة أو بشكل أكثر تحديدا في عدم الاعتراف في الاعتراف وفي الإحساس .إن هذه العلاقة الاجتماعية العادية جدا ،تمنحنا فرصة مفضلة للإمساك بمنطقة الهيمنة الممارس تحت اسم مبدأ رمزي معروف ومعترف به من طرف المهيمن (بكسر الميم) ومن طرف المهيمن عليه كذلك (بفتح الميم)  .يتعلق الأمر هنا بلسان أو بتلفظ ،بأسلوب في الحياة أو بطريقة في التفكير ،أو التكلم في عملية التواصل أو التصرف على العموم، إنها خاصية مميزة في نظر” بييربورديو” رمزية أو مادية، والتي تظهر فعاليتها الرمزية أكثر في هذه الخاصية البدنية ،وهي خاصية كما يقول “بورديو” اعتباطية تماماً وليست متوقعة ،كما هو الحال في  لون البشرة مثلا وغير ذلك..

إذا صح القول أن مبدأ علاقة الهيمنة هاته…لا يمكن حقا ،أو لا يمكن أساسا، في أحد الأماكن الأكثر مرئية على مستوى ممارسته ونعني به داخل الوحدة المنزلية، التي كما نلاحظ تركز عليه بعض الخطابات النسائية ،بل يتجلى كما نلاحظ ذلك في المؤسسات التعليمية مثل المدرسة ،أو مرافق رسمية أخرى ،أماكن بلورة وفرض مبادئ الهيمنة التي تمارس داخل العالم الأكثر خصوصية إنه مجال عمل ضخم، مفتوح في وجه الصراعات النسوانية أو النسائية، ويتعين عليه أن يختلق مكانة متميزة ،ومؤكدة جدا داخل الصراعات السياسية ضدا على كل أشكال الهيمنة. وسواء تعلق الأمر بالرجل أو المرأة فإن العنف في كل المجتمعات التي تتناقض فيها المصالح والتشكيلات الاجتماعية و تتفاوت فيها المعتقدات والتقييمات بخصوصه تبعا للزمان والمكان والبيئة، تتنوع المواقف بصدده .وهكذا قد نلاحظ تقييمات إيجابية لعمل معين رغم طابعه العنيف المهدد لكرامة الإنسان ولحريته ولوجوده.. بالقبول مثلا بتعريف العنف الذي قد يتضمن “سوء تغذية الأطفال نتيجة الفقر” وقد يؤدي الى زيادة التقييم السلبي لتوزيع الدخل ضمن المجتمع الطبقي الذي يحيا فيه العنف بمظاهر مختلفة. من هنا تصبح عملية تمييز مشروعية عمل أو فعل ما على عدم مشروعيته عملية تعريفية أو تصنيفية مثلها مثل الوصف أو التسمية..

وكخلاصة نريدها مفتوحة تروم المزيد في تأمل مفهوم العنف ومساءلته نقديا:  قد نرى في موقف فرويد الذي أومأنا إليه أعلاه  أكثر نقدا لحضارة زمانه في كتابه الشهير ” قلق في الحضارة ” اعترافا قويا لغريزة العدوانية لدى الإنسان. فالميل اللاواعي الأولي نحو الإعتداء في نظره يحتل أيضا مكانته الخاصة لدى الآخر، وهو العامل الذي يخلخل علاقتنا بالقريب أو الغريب..بين الجيران حيث تقام الجدران والحدود المادية والنفسية والثقافية.. وتستنفر فيه الأجهزة الإعلامية .. وترغم الثقافة على الاستهلاك الذي يعد ميزتها. وتبعا لهذه الكراهية الأولية الموجودة في نظره لدى الناس اتجاه بعضهم بعضا والتي تكرسها ثقافة هذه العولمة المشبعة بالروح المادية الاستهلاكية المحرضة للحروب والاعتداءات والإقصاء والتهميش..، فإن المجتمع والثقافة في ظلها مهددان باستمرار بالتفكك. ماذا لو ظل فرويد حيا الآن في هذا الكوكب الذي تعيش فيه البشرية ثقافة العنف والأحقاد والذي تتسيد فيه ثقافة التفاهة .. كيف سيكون موقفه وموقف ماركس وآخرين من فلاسفة الإنسان؟ لقد اعتبر كارل ماركس العنف كتجلي للصراع الطبقي، وأن تاريخ كل مجتمع إلى يومنا هذا هو نتاج الصراعات الطبقية، صراعات اتخذت أشكالا مختلفة. ولكن كيفما كان الشكل الذي اتخذته هذه الصراعات، فاستغلال جزء من طرف الجزء الآخر، هو قاسم مشترك بين كل القرون السابقة.  لكن ومع كل الإحباط واليأس والتشاؤم الذي أصاب إنسان هذه العولمة والذي يعيش في ظل هذه الحضارة الراهنة فإن ثمة مواقف متفائلة تأمل للحد من العنف .لقد اعتبر الكاتب الإيطالي “فاوستو أنطونيني ” هذه الحضارة  مثلها مثل سابقاتها من الحضارات تعيش في سحر العنف والعدوانية .إن هذا السحر هو مصدر المشاعر المتضاربة والعنيفة والعنصرية المقيتة.. لكن هذا الكاتب نفسه يبقى متفائلا نسبيا حين يصرح قائلا: ” ثمة فكرة تغريني: “أنا أعلم أن مجتمع الحقد صائر، بأية حال، إلى زوال، إما عن طريق التحول وإما بتدمير ذاته، وهذا ما يخفف عني كل الحقد ، الذي أضطر أن أعاني منه يوميا، ويوميا أضطر الى مراكمته”.

لكن، هل مجتمع الحقد حقا صائر إلى التحول وتدمير ذاته؟ هل هذا الأمل والتفاؤل الممكن أو غير الممكن في طريقه إلى التحقيق بالنظر إلى هذه الظواهر العدوانية العنيفة المتناسلة والمتنامية في حياتنا؟ وهل جذور الرعب والظلم والبؤس والفوارق الاجتماعية المخيفة التي تحيط بنا ..بين الأفراد والطبقات والدول .. التي هي اليوم مرئية و لم تعد خفية، قابلة للاقتلاع أو  للعلاج على الأقل ..؟ أم أن الأمر كما يذهب الى ذلك الكاتب الاستشراقي “إدوارد سعيد” يحتاج فقط إلى الصبر والمقاومة والتربية في أفق استثمارها في المستقبل ؟ تختلف المواقف والبدائل لمواجهة هذا العنف الذي أضحى علامة مميزة لهذه العولمة الشرسة التي تتسلح بالتكنولوجيا، وتؤمن بمنطق القوة و تحقيق المصالح.. يضعنا  الفيلسوف “جاك دريدا” أمام أصل المشكل حين يقول: ” إن الحرب الاقتصادية تتحكم في كل شيء ،بدءا بباقي الأنواع الأخرى من الحروب مادامت تتحكم في التأويل العملي وفي التنفيذ المتناقض واللامتكافئ للقانون الدولي”. لكن لا يسعنا في هذا التحليل ،ونحن نواجه العنف في كل مكان أن نشير إلى أن  ما أقسى ما نواجهه في عصرنا هو الفكر الوثوقي الدوغمائي العنيف في لغته ومضمونه ..أو لنقل عنف الوثوقية..لأن هذا الفكر الوثوقي لا يكون عنيفا بما يترتب عليه من أعمال وما يصدر عنه من أقوال ،وإنما بما هو ينشد أو لنقل بما هو ينشد إلى ما يعتقد أنه طبيعي ومسلم به وغير قابل للمراجعة والنظر والتأمل أو المراجعة ..الوثوقي قبل أن يرفض الاختلاف مع غيره يبدأ أولا بالامتناع عن الاختلاف مع نفسه، أو، على الأصح، بالخضوع لاستحالة الاختلاف مع الذات .فقبل أن يسد الوثوقي الأبواب على الغير ،يسدها على نفسه وقبل أن يمارس عنفه على الآخرين ،يرزح هو نفسه تحت ضغط البداهة وعنفها.

                                **************

إحالات مرجعية للإغناء والمزيد من الاطلاع:

– انظر “باربارا ويتمر” عن كتابها The Violence Mythos ترجمةد ممدوح يوسف عمران ..

–  سيجموند فرويد في كتابه “قلق في الحضارة “..

– العنف ..اعداد وترجمة محمد الهلالي وعزيز أزرق دفاتر فلسفية ..

-ذ عبد السلام بنعبد العالي “في الانفصال “.

ذ. التهامي ياسين

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...