سعيد يقطين: أصول السرديات الروسية وآفاقها

-سعيد يقطين-

ظهرت السرديات ما بعد الكلاسيكية في الكتابات الأنكلوأمريكية في نهاية التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، بهدف توسيع مجال السرديات الكلاسيكية وتطوير طريقة الاشتغال بها لا القطيعة معها. وكان للعمل الدؤوب والمنظَّم دورُه في أن عرفت انتشارا عالميا تجلى من خلال تأسيس الكثير من المجموعات، وتنظيم المؤتمرات، والمنشورات وتوسيع النقاشات.

تعددت الاتجاهات والتيارات، وكل منها يسعى إلى تحقيق المشروعية والملاءمة على الطريقة التي يشتغل بها من أجل إضفاء نوع من المصداقية على اتجاهه النظري والتطبيقي السردي. وقد أدى كل ذلك إلى بروز الكثير من المحاولات التي ترمي إلى إبراز خصوصية محلية لا تتعارض مع التوجه العالمي الموحد. تتجلى هذه الخصوصية، من جهة، من خلال استعمال اللغة الوطنية ونصوصها، وعلى ربط الاجتهادات السردية بخلفية تاريخية ثقافية خاصة، من جهة ثانية.

يبدو لنا ذلك بجلاء في ما أقدم عليه وولف شميد في كتابه حول السرديات، الذي صدر بالروسية سنة 2003 في طبعة أولى، ثم سنة 2008 في طبعة ثانية. كما صدر الكتاب نفسه بالألمانية سنة 2005 في طبعة أولى، وثانية سنة 2008 تحت عنوان «عناصر السرديات». وترجم بعد ذلك إلى الإنكليزية سنة 2010، تحت عنوان: «السرديات: مدخل» وهو مراجعة وتوسيع للطبعتين الروسية والألمانية. يعود بنا شميد في هذا الكتاب إلى تأكيد أن الأصول الروسية للسرديات تبرز من خلال اعتمادها على أعمال الشكلانيين الروس، وأعمال جاكبسون، ومدرسة تارتو السيميائية، وأطروحات باختين.

ويبدو لنا من خلال هذا الكتاب أن الباحث الروسي متمثل لمختلف الأدبيات النظرية السردية، وهو يستفيد من منجزات الباحثين الروس والألمان من جهة، والسرديات الكلاسيكية الفرنسية حيث يحضر اسم جنيت أكثر من مئة مرة في الكتاب من جهة ثانية، إضافة إلى الأبحاث الأنكلو أمريكية من جهة ثالثة.

في 12 يوليو/تموز 2017 قَدمت، خلال اليوم الدراسي العالمي الذي أقيم في مركز الدراسات الفرنسية ـ الروسية في موسكو تحت عنوان «نقل السرديات: السرديات الفرنسية إلى روسيا» الباحثة الروسية فيرونيكا زوسيفا ـ أزكان دراسة حول «السرديات التاريخية» أبانت في مقدمتها أن السرديات الروسية مدينة بالشيء الكثير، خلال مرحلة السرديات ما بعد الكلاسيكية إلى السرديات الفرنسية، موضحة أنه كان لها أكبر الأثر في السرديات الروسية، وهي تضعها في نطاق الحقل الواسع للنظرية الفرنسية العامة التي كانت تؤطَّر تحت ما يسميه الباحثون الروس بـ»الثورة الثقافية الفرنسية» وتضرب الباحثة مثالا لذلك من خلال اسمين أساسيين، هما: جيرار جنيت، الذي ترجم سنة 1998 وبول ريكور. وإلى جانب السرديات الكلاسيكية الفرنسية، تبرز دور السرديات الأنكلوأمريكية مقدمة وولف شميد نموذجا لمن كانوا أكثر انخراطا فيها.

إن الانفتاح على السرديات الكلاسيكية الفرنسية، والسرديات ما بعد الكلاسيكية الأمريكية لم يكن حائلا دون ربط ذلك بالأصول الثقافية الروسية والسلافية.

إن الانفتاح على السرديات الكلاسيكية الفرنسية، والسرديات ما بعد الكلاسيكية الأمريكية لم يكن حائلا دون ربط ذلك بالأصول الثقافية الروسية والسلافية. يبدو لنا ذلك بجلاء في كون الباحثة أطرت دراستها حول «البويطيقا التاريخية» الروسية، موضحة أن الباحثين حاليا في روسيا يرجعون إلى التقليد الفيلولوجي الوطني المتمثل في البويطيقا التاريخية من خلال إعادة طبع الأعمال المنجزة في نطاقها ومناقشتها. وأهم مصدر يعودون إليه هو كتاب «البويطيقا التاريخية» (1913) لألكسندر فيزيلوفسكي. وقد برزت بعض فرق البحث التي تعمل على المزاوجة بين البويطيقا التاريخية والسرديات التاريخية. تنتقد الباحثة الدارسين الذين ينطلقون من بعض المفاهيم السردية الحديثة (مثل الاختراق السردي) ويربطونها بالنصوص الحداثية موضحة، ولاسيما عند من يشتغلون بما يسمونه السرد غير الطبيعي، أن هذه الظواهر السردية موجودة منذ القدم، ولذلك تعطي للسرد بعدا زمنيا (تاريخيا) مؤكدة أن ذلك يتطلب منهجية علمية من خلال إدماج وتثبيت وصف الظواهر السردية في الأدب العالمي أو الفلولكور، بلغة علمية. وإلا فإننا سنكون أمام وصل ميكانيكي غير كاف للتاريخ الأدبي أو للسرديات، وترى في هذا السياق أن البويطيقا الروسية يمكن أن تساعدنا على إقامة جهاز منهجي للسرديات التاريخية.

أبرزت الباحثة فيرونيكا الأثر الذي تركه فيزولوفسكي في بروب (1928) الذي يقر بتأثره به، وكذلك أولغا فرايدينبيرغ (1935) بالإضافة إلى باختين، مبينة الهدف الذي كان يرمي إليه صاحب البويطيقا التاريخية وهو يميز بين المتن الحكائي والحافز، وعمله الذي يبحث في تكون الأشكال الأدبية وتطورها بهدف إعادة رسم الكيفية التي يدخل من خلالها محتوى جديد للحياة صورا قديمة، وأشكالا لا يمكن تجاوزها. ويتطلب هذا المنهج المقارن والتاريخي البحث في مادة ضخمة في كل الأدب العالمي، لتجنب بناءات اعتباطية، لأن ذلك سيسمح بالوصول إلى درجة عليا من التعميم، ورؤية الخطوط المتوازية والمراحل الكبرى عند مختلف الشعوب.
يستفيد الباحث الروسي في السرديات ما بعد الكلاسيكية من التراث النظري الوطني، ويتابع بشكل جيد الدراسات السردية الكلاسيكية الفرنسية، ويحيط علما بما يتحقق على مستوى السرديات ما بعد الكلاسيكية. إنه ينطلق من أصول ثقافية خاصة، وينفتح على اجتهادات جديدة خارج فضائه الثقافي، ويعمل على فتح آفاق السرديات العالمية على مستقبل أوسع وأشسع.

فهل هناك أصول وآفاق لسردياتنا العربية؟

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...