عنف العولمة ..

-ملفات تادلة 24-

أزمنة وأمكنة

   احترت في بداية الأمر في تحديد عنوان لمقالتي ..وأنا أمام خبر تتناقله وسائل الإعلام والوسائط الاجتماعية المختلفة.. وبالصوت والصورة تتناقل حدثا إجراميا مروعا شنيعا ، وترفقه بالتحليل والتعليق والدهشة والانتقاد.. كل الشبكات تروي الحدث ، بعضها تقف مصدومة أمام هول الجريمة التي ارتكبها شاب أمريكي في مقتبل العمر، و مواقف أخرى أصبحت بحكم العادة تروي الخبر، وكأنه أمر اعتيادي طبيعي في عالمنا اليوم الذي تطبع كثير من أفراده مع الجريمة والعنف ..”الخبر” هو  مقتل 21 شخصا أو أزيد من بينهم 19 طفلا بمدرسة ابتدائية تربوية بولاية تكساس.. وهو ليس الأول أو الأخير ..شرعت وأنا أقرأ تعاليق المدونين المختلفة.. لكني كنت أفضل أن أستعرض عناوين كثيرة لنصوص مختلفة من فلاسفة الغرب عن “العنف” من قبيل : “غريزة العدوانية “، وهو نص لسيجموند فرويد أو نص “السلطة والعنف” لجيل دولوز أو “ضرورة الحرب” لنيتشه أو نص “العنف والمقدس” لسورين كيرجارد، أو “العنف الرمزي” و”الهيمنة الذكورية” لبيير بورديو، أو “العنف كتجلي للصراع الطبقي” لكارل ماركس وانجلز”، أو “العنف داخل ثقافتنا المعاصرة” لجان بودريار، أو العنف وأفق الإنسانية” لإدغار موران أو ” التطرف الديني والأصولية الجديدة” لأوليفيي روا” ، أو “الحوار أو العنف” لإيريك فايل..أو “النزعة الوحشية في العصر الكوكبي” و”الإرهاب سلاح الأقوياء” لنعوم شومسكي، و”سياسة اللاعنف” لغاندي..أو “العنف الإنساني بما هو ضد الإنسان” لجان بول سارتر..أو “السادية والمازوشية ” لأنطونيني أو “العنف أو لعبة الحياة والموت ” لجوزيف دو ميستر ..وغيرها من النصوص المختلفة الغنية والمشحونة بدلالات فلسفية قوية ، علني أجد فيها مايفسر ما يحدث من “أشكال سوريالية” من العنف الوحشي على وجه الأرض..هي نصوص حين تعود إليها ، بعضها يحدثنا عن العنف كظاهرة ملازمة للإنسان والجماعة منذ القدم ومسؤولية الإنسان عن هذا العنف عبر التاريخ.. وبعضها الآخر يحدثك عن الأسباب المختلفة التي كرست الصراع الخالد بين الحقيقة والعنف، كما يذهب إلى ذلك باسكال، وبأنه كما يقول هذا الأخير لا تستطيع الحقيقة القضاء على العنف، كما أن العنف لا يستطيع بدوره أن يحجب عنا أنوار الحقيقة.. وتجعلك تلك النصوص وأنت تتأملها تتساءل : هل غريزة الحقيقة بلغة نيتشه، هي الوجه الآخر لغريزة العنف؟ وبالتالي هل العنف ذو طبيعة بشرية؟ وهل بإمكاننا أن نختزله في القوة المادية؟ أم أن أشكاله الرمزية المتعددة في الحياة هي التي تعمل على استدامته؟ ولماذا حين نعي بخطورته واستفحاله في هذا الكوكب الأرضي لا نعمل وبناء  على ما تراكم لدينا من وعي على إيقافه؟ ولماذا يزداد العنف إلا استفحالا في حاضرنا وفي حياتنا اليومية؟ ما مسؤوليتنا كأفراد في تكريس ثقافة العنف؟ لماذا مازلنا نمارس أشكالا من الإقصاء والنبذ والتعنيف الاجتماعي والتهميش والميز العنصري ..على بعضنا البعض؟ لماذا نمارس العنف على الفرد في حالة ما إذا لم يمتثل هذا الفرد “للقيم الثقافية” التي تؤطر الجماعة أو المجتمع.. حتى ولو كانت تعسفية ومجحفة؟ ولماذا هؤلاء الفلاسفة والمفكرين وغيرهم ..لا  تجد نصوصهم طريقا إلى عقول وضمائر أفراد مجتمعاتهم ،وإلى عقول كثير من يدعون الحوار والاختلاف والاعتراف بالآخر..؟ نصوص قوية تتحدث عن العنف كظاهرة إشكالية بامتياز، فهي تنظر إليه من زوايا نظر مختلفة وعميقة ..إذ العنف بقدر ماهو مدمر للإنسان وبقدر ما يلعب دورا مهما في صنع التاريخ البشري ، بقدر ماهو يشكل تهديدا حقيقيا لمصير الإنسانية. وبقدر ما يعتبر أساسا لتثبيت السلطة السياسية بقدر ما يمكن أن ينقلب ضدها. وهكذا فالعنف كما يعتبر في نظر كثير من الفلاسفة والمنظرين ضرورة طبيعية لا سبيل للحد منها سوى عن طريق التربية الدائمة على المواطنة، كما أنه ظاهرة تاريخية، لا يمكن تقليص مساحة حضورها سوى بتجذير الوعي الكوكبي، كما يقول “إدغار موران “.ثم أنه أيضا ضرورة سياسية يمكن تفعيلها على مبادئ الديمقراطية والعدالة والحرية في أفق بناء مستمر ودائم  لدولة الحق والقانون. وكما يقول ستانلي هوفمان :” نأمل أن يفهم مسؤولونا ، أنه بعد أن نجح الغرب في تحالف الحلفاء ضد الإرهاب، فإن مصلحتنا تقوم في أن يكون لنا شركاء في بحثنا عن الحرية ، عن الحياة عن السعادة ،في عالم يتنامى فيه التوحش. علينا أن نفهم الآن أننا لا يمكن أن نستفيد بكل طمأنينة من هذه القيم الموجودة عندنا، إذا كان الآخرون في الخارج، لا أمل لهم في أن يتقاسمون معنا هذه القيم”. 

لكن النص أسفله الذي أريد تقاسمه مع القارئ في تحليله وتأمله.. هو نص مكثف ومشحون بدلالات مختلفة ل”إدغار موران” بعنوان “عنف العولمة” أو “النزعة الوحشية في العصر الكوكبي”. ويلزم أن نقرأه قراءات متأنية لندرك كيف أننا نعيش هذه “العولمة العنيفة “في كثير من مظاهرها المدمرة لإنسانية الإنسان، و أن نطرح تساؤلات كثيرة أيضا عن بدايتها وواقع حالنا ومآلنا اليوم.. ذلك أنه حين افتقدنا عالم الحرب الباردة والصراع الإيديولوجي للمعسكرين الرأسمالي والإشتراكي، وبلغة أوضح تعبيرا _ وكما كنا نقول يوما ما الصراع الكبير بين الإمبريالية والشيوعية ..دخلنا زمنا آخر ، بتنا في الوقت الراهن تحت رحمة العنف المتعدد الأشكال والوسائل ، نلمس كل يوم  استشراء وتفشي ظاهرة العنف وتناميها في السلوكات الفردية وفي المواقف والخطابات والثقافات والمؤسسات ..وفي تلك النزوعات الهوياتية والصراعات العرقية والدينية والثقافية واللغوية.. التي تغذي العنف وتدعمه. وباختصار أضحى العنف بديلا عن الحوار .. وفي كل شيء. وأمام تراجع كبير للمؤسسات التي كانت فيما مضى تتحمل دورها الكبير في التنشئة الاجتماعية كالأسرة والمدرسة ومختلف الأجهزة الأخرى المؤطرة الإيديولوجية كالحزب والجمعيات والتنظيمات المدنية وغيرها ..أصبحنا أمام جبروت وتسلط وقهر وسائط أخرى لا تقل عدوانية من الأسلحة الفتاكة التي تستخدم في الحروب..إنها حرب جديدة ، حرب الوسائط الجديدة والصور المحفزة على الكراهية والإقصاء ،وحرب” السيناريوهات السينمائية المفبركة ” التي تربي الفرد وتؤهله على إنجاز الجريمة بإتقان وبرودة دم ..

يقول إدغار موران في نصه ذاك:

 (إن هيمنة الغرب الأوروبي على باقي العالم تسبب في كوارث حضارية، وعلى الخصوص داخل القارة الأمريكية، كما تسبب في تخريبات ثقافية غير قابلة للإصلاح، وفي أنواع رهيبة من العبودية. هكذا فقد انطلق العصر الكوكبي وتطور، بفعل العنف، والتخريب، والعبودية، والاستغلال الوحشي للأمريكيتين ولإفريقيا. فالعصيات والفيروسات الأوراسية (نسبة لأوروبا وآسيا)، انقضت على أمريكا محدثة مذابح حقيقية، وذلك من خلال زرع أمراض فتاكة مثل، الحصبة والقوباء والزكام والسل .بينما كانت تتفاعل عدوى داء السفيليس من جنس إلى آخر، من أمريكا إلى شنغاين، كان الأوروبيون يزرعون في أراضيهم  الذرة الصفراء، والبطاطس، الفاصولياء والطماطم والمينوهت والكاكاو، والتبغ المستورد من أمريكا. لقد كانوا يجلبون إلى أمريكا الأغنام ، والأبقار، والجياد والكروم ، وأشجار الزيتون ، والنباتات المدارية، والأرز، والبن وقصب السكر…

لقد تطورت النزعة الكوكبية بفضل نقل الحضارة الأوروبية إلى القارات الأخرى، وبفضل نقل أسلحتها، وتقنياتها، وتصوراتها بصدد كل ما يدخل تحت تصرفها، سواء تعلق الأمر بما وصلت إليه من مراكز متقدمة، أو ما احتلتها من مناطق. هكذا شهد التصنيع والتقنية إقلاعا لم تشهده بعد أية حضارة على الإطلاق. ذلك أن الإقلاع الاقتصادي، وتطور قنوات الاتصال، وإدماج القارات التابعة في السوق العالمية، كل هذا أدى إلى تدفقات هائلة من الهجرات، سيعمل النمو الديمغرافي المعمم على تصميمها (…). لقد نجم عن هذه النزعة الكوكبية في القرن العشرين حربان عالميتان، وأزمتان اقتصاديتان عالميتان، كما سينجم بعد 1989 تعميم الاقتصاد الليبرالي المسمى بالعولمة. إن الاقتصاد العالمي هو عبارة عن كل مرتبط أكثر فأكثر: إذ أصبح كل جزء من أجزائه مرتبط بالكل، والعكس بالعكس حيث أصبح الكل خاضع للاختلالات وللمخاطر التي تطال الأجزاء (…).إن الصراعات القائمة بين الأمم، وبين الديانات ،وبين العلمانية والدين، وبين الحداثة والتقليد، وبين الديمقراطية والديكتاتورية ،وبين الأغنياء والفقراء، وبين الشرق والغرب ،وبين الشمال والجنوب، كلها صراعات تتغذى من بعضها البعض، لذا تتداخل المصالح الاستراتيجية والاقتصادية المتصارعة للقوى العظمى وللشركات المتعددة الجنسيات التي تتطلع نحو الربح (…).من البديهي أن القرن العشرين قد أنجز أشكالا باهرة من التقدم ،وفي جميع مجالات المعرفة العلمية ، فثمة تقدم طبي ملموس في الأدوية والجراحة، وثمة تقدم محرر للإنسان يتجلى في إستخدام الآلات الصناعية والشخصية والمنزلية. إلا أن القرن تميز كذلك بتحالف نوعين من التوحش : النوع الأول مصدره عمق الزمن الذي نعيش فيه والحابل بالحرب، والمذبحة، والمنفى، والتعصب. والنوع الثاني يحيل على شكل من التوحش بارد مجهول ،مصدره البنية الداخلية للتبرير العقلاني والذي لا يعترف سوى بما هو قابل للحساب ويتجاهل الأفراد ،يتجاهل شهواتهم، وأحاسيسهم ، وأرواحهم، الشيء الذي يضاعف قوى الموت والاستعباد التقنو _ صناعية. ولكي نتجاوز هذا العصر الوحشي ، يجب أولا أن نعترف بإرثه، وهو إرث مزدوج: يتعلق الأمر في نفس الوقت بإرث الموت وإرث الولادة.(…)  بالتأكيد إن الهيمنة ،والضغط والوحشية الإنسانية تتوطن وتتفاقم خطورتها فوق الكوكب. يتعلق الأمر بمشكل تاريخي أساسي ،والذي ليس لدينا حلا جاهزا بصدده، ووحدها السيرورة المتعددة الأبعاد، والتي تسعى نحو تحضر كل واحد منا ، وتحضر مجتمعاتنا، وتحضر الأرض، قادرة على معالجته. فبالإضافة إلى سياسة الإنسان، وسياسة الحضارة، وإصلاح الفكر، تعمل الأنتربو-الأخلاقية بما هي نزعة إنسانية حقيقية، كما يعمل الوعي بالأرض ،من التقليص من الخزي الذي يطال العالم. هكذا فمقصدنا الأخلاقي والسياسي، يتطلب منا في نفس الوقت تطوير علاقة الفرد بالمجتمع في الإتجاه الديمقراطي ،وتطوير علاقة : الفرد بالنوع  بمعنى تحقق الإنسانية ،وبالتالي يعني التطوير المتبادل لمصطلحات الثالوث : الفرد والمجتمع والنوع.إننا لا نمتلك المفاتيح التي من شأنها أن تفتح لنا أبواب مستقبل أفضل، إننا لا نعرف طريقا مرسوما يمكن السير فيه، لكننا نستطيع أن نكتشف الطريق من خلال السير ،كما يقول “أنطونيو ماشادو”.ولكن بإمكاننا أن نحدد غايتنا، والمتمثلة في الاستمرار في أنسنة الإنسانية ، عن طريق تحقيق المواطنة في إطار جماعة بشرية كوكبية “. 

ذ. التهامي ياسين

 

إلاحالة المرجعية :

اعتمدنا في بناء وتركيب المقالة على قراءة خاصة وبتصرف للنصوص الواردة وهي كثيرة ومهمة في كتاب دفاتر فلسفية نصوص مختارة 17 إعداد وترجمة محمد الهلالي وعزيز لزرق ..

وكذلك النص الأساسي تربية المستقبل لإدغار موران ..ص64/63/60/59 ..وغيرها من الصفحات.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...