دروس كورونا ..

-ملفات تادلة 24-

أزمنة وأمكنة

” أنا لست أمام جسدي ، أنا داخل جسدي، أو بالأحرى أنا عين جسدي “

                      م. ميرلوبونتي M.Merleau-Ponty

 تقديم :

 نطرح السؤال التالي : هل بالإمكان مقاربة فيروس كورونا فلسفيا ..؟

 لم ينته الحديث بعد عن هذا الوباء والإجراءت القوية المصاحبة له والتداعيات النفسية والاجتماعية المختلفة التي أصابت جوهر الفرد في خصوصيته وأخلاقياته وكينونته.. وأعادت ثقافة كانت مطمورة إن لم نقل مقبورة هي “ثقافة الخوف”، اختلف المحللون تبعا لمشاربهم الثقافية وايديولوجياتهم و مواقفهم.. من هذا الوباء العالمي. بعضهم ذهب إلى أن هذا الفيروس فكك نظرية صراع الحضارات ل”هينيغتون” ، وبالتالي وجوده.. وألغى معالم العولمة بمعناها التقليدي.. وآخرون وصفوا الفيروس بأنه عطل فكرة الفرد ككيان أخلاقي، وهدم بالتالي الفلسفة .في حين أبرز البعض استثمار النظام الرأسمالي في العالم الخوف من كورونا بغية المزيد من التحكم في سلوكيات وحريات الأفراد .وبرز عالميا مايسمى ب”الدولة الأمنية ” وعزز دورها وايديولوجيتها .وآخرون رأوا أن الفيروس استطاع بناء نظرية أخرى لنهاية التاريخ بشكل يخالف ما قاله “فوكوياما”..لقد رأينا كيف ساد الشعور في تلك الأجواء المشحونة العصيبة، وتحول الإنسان الذي كان ذاتا متعالية على المعرفة ، إلى شيء من أشياء الوجود. فهل كان ذلك عودة فعلا إلى مقولة ” موت الانسان”  التي كانت قد انطلقت مع البنيويين ومع  “فرانسيس فوكوياما ” الذي أطلقها أيضا من قبل، ولقيت نقدا حادا وقتها من منتقديه . في هذا النص المكثف الذي نعرضه ، وهو للأستاذ الباحث المغربي عبد السلام بنعبد العالي يعدد فيه الدروس الأساسية المستخلصة من الجائحة ، ويضبط أثرها القوي على الفرد وعلاقته بالآخرين وبالمجتمع والسلطة والدولة والأنظمة السياسية.. بشكل دقيق ومكثف وبلغة تأملية سوسيوثقافية أحيانا وأحيانا أخرى   أنطولوجيا و فلسفيا.. ونظرا لأهمية النص نقدمه لقارئ  الجريدة المهتم بإشكالات عصره ومجتمعه ، وندعوه لتأمله على ضوء التجربة التي عاشها في مجتمعه ، خصوصا وأنه نص ينسجه باحث من عالم الفلسفة و _ من هنا تأتي أهميته _ نص جدير بالتأمل والتحليل والبحث عن دروس أخرى لهذا الوباء/ اللغز..وعن  دلالات أخرى مسكوت عنها.. لم يفصح عنها النص قد تكون ثانوية في ثناياه ، فكل قراءة له إغناء وإفصاح عن المسكوت عنه و وفهم ما جرى “لمواجهة” ما يمكن أن يقع مستقبلا.. لنتأمل إذن هذه الدروس:

1- جائحة كورونا حدث مفصلي في تاريخ البشرية ،إلى حد أن أغلب من كتب عنه يؤكد أن ما بعد كورونا لن يكون كما قبلها. هي ،إذن، قطيعة ،كشفت لنا ماكنا نجهله عن أنفسنا .أو لنقل إنها عرت أوهامنا عما كنا نظن أننا عليه. فحتى أولئك الذين كانوا يظنون أنهم بلغوا شأوا بعيدا في التحديث أدركوا محدودية إمكاناتهم ، وتبينوا أنهم ليسوا بالحداثة التي يدعون.كثير من الدول الأوروبية اكتشفت محدوديتها ، وكونها لا تتوفر على الإمكانات التي كانت تعتقد ملكيتها.

                                              ******

2- رغم هول الحدث ، والتعقب اللحظي لنتائجه، والمتابعة اليومية لعدد ضحاياه ، إلا أن ذلك صوحب، في كثير من مناطق العالم، بنوع من “عدم تصديق” ما يقع، والتظاهر بالتقليل من خطورته. يشهد على ذلك جو النكتة والصور الساخرة التي كان يتناقلونها عبر الوسائط الجديدة. إلا أن هذا لا ينبغي أن يخفي عنا الشعور الفعلي الذي خلفته الجائحة لدى سكان المعمور .فنحن لا ينبغي أن ننسى أن “السخرية” ،كما يقول رومان غاري ، هي نوع من التفوق الوهمي للإنسان على ما يحدث له” . إنها تحكم وهمي في مجريات الأمور، وهي علامة على إحساس عميق بعزل الفاجعة أكثر منها استخفافا بها، ففي السخرية ، نحن لا نقبل إلا من شأن ما نستعظمه.

                                            ******

3- هزة كبيرة أثارت الثقة التي كانت توضع في المعرفة العلمية .تبين أن العلم لا يتمتع بالمصداقية التي كان يعتقد أنه يتمتع بها. أكبر شاهد على ذلك كثرة الحديث عن اللايقبن العلمي التي صاحبت ذيوع الوباء. قد يرد على ذلك أن مسألة اللايقبن لم تكن في حاجة إلى وباء، كي تؤخذ عند العلماء بعين الاعتبار، إلى حد أن العلماء يحسبون اللايقبن كل قياس يصاحب لدى العلم بتقدير درجة الشك فيه، وحساب درجة لايقينهCalcul d incertitude ، العلم يدرك أتم الإدراك عدم دقته، بل إنه يحسبها ،ويسعى دوما لأن يقلص منها.إلا أن ما حدث بعد كورونا هو أن المعرفة العلمية ، في شكل العلوم الطبية ، قد أصبحت حديث الجميع، أصبحت من قبيل ” بادئ الرأي” ، فصار بإمكان الجميع أن يدل  بدلوهم فيما يخص طبيعة الفيروس ، ونجاعة هذا الدواء أو ذاك .هذه ” المعرفة الطبية ” صوحبت بيقظة ابيستمولوجية متأخرة ومتخلفة، جعلت الجميع يدرك، لأول مرة، أن العلم طريق محفوفة بالتشكك، وأنه ليس باليقين الذي كان يقدمه بادئ الرأي .إنها فضحت حدود بادئ الرأي أكثر مما كشفت عن عدم يقين المعرفة العلمية.

                                         ******

4- هزة أخرى أصابت هذه المرة مفهوم الفرد في المجتمعات الغربية. ولمعروف أنه نتيجة لتطورات تاريخية معقدة ، ترسخ مفهوم الفرد الذي يتمتع بسيادة ،تجعله مستقلا عن الجماعة. غير أن الجائحة أعادت الأفراد “الخارجين” ، التائهين في أرجاء العالم، إلى “مقابعهم”, كي ينعموا بدفء الوطن _ الأم إدراكا منهم أنهم مشدودون إلى الجسم الاجتماعي. لم يكن يسيرا على هذا الفرد الذي طالما ادعى أنه ضد _ السلطات أن يقبل الخضوع، ويعود إلى حيث كان_ .

                                         ******

5- تحدث البعض عن “ديكتاتورية” الفيروس الذي سجن سكان المعمور، وأرغمهم على البقاء في منازلهم .لكن ، يبدو أن لفظ الديكتاتورية هنا في غير محله.ذلك أن وسائل الاتصال الجديدة جعلت الأفراد لا يفقدون القدرة على التعبير حتى إن كانوا قد فقدوا القدرة على الحراك .مما أدى إلى أن الدولة عملت طوال ذيوع الوباء “تحت الضغط” .وقد لمسنا ” الشعور بالذنب والتشكك ” الذي غمر كثيرا من القادة الأوربيين في أثناء تدبير الفاجعة، مما جعلهم يتعرضون خلال الأزمة كلها إلى وابل من الانتقادات، لا التقصير الذي كشف عنه قطاعا الصحة والتعليم, بل وحتى بتدبير الأزمة ذاتها، والتردد الذي طبع ذلك التدبير.

                                       ******

 6- صحيح أن الجائحة قد أبرزت مكانة الدولة، وبينت أنها راعي حياة المواطنين، وأنها المسؤولة عن الحياة الجماعية في كل أبعادها. فعلى عكس ما كان النموذج التنموي السائد يعطيه من أولوية للمصلحة الاقتصادية ، تبين أن الهاجس الأول للمواطن هو الهاجس الصحي فهو ينتظر من الدولة أن تحميه. وبدل أن ينظر إليها أساسا كجهاز يوفر الشغل وإنتاج الخيرات، فإنه أصبح ينتظر منها أن تحميه صحته، إلى حد أنه أصبح مقتنعا بالتضحية بالمصلحة الخاصة من أجل المصلحة العامة. خصوصا وأن الفيروس كان يتبث لحظيا أن سلامة كل مواطن متوقفة على سلامة المواطنين جميعهم.

                                          ******

7- كان لذلك وقع على “الوضع” الأنطولوجي للفرد. فكون الفيروس قادر على الانتقال، في أية لحظة ، من جسد إلى آخر، يجعل كل جسد من أجساد الجماعة مجرد حلقة عضوية ضمن سلسلة تمتد بين ” الأفراد”، وهي حلقة لا خارج لها. هاهنا لا تكفي الفرادة المعنوية للشخص، كي تفصله عن الآخرين، وتميزه عنهم، فيصبح مضطرا إلى ”  صناعة ” مسافات تبعده عما عداه، و”تعزله” عن “الآخرين” الذين لم يعودوا، في الحقيقة ، آخرين بالمعنى المعهود، وانما غدوا امتداد الذات .من هنا هذا الشعور الغريب الذي اجتاح الجميع منذ انتشار الوباء بأن الفرد لم يعد مسؤولا عنا يظهر عليه من أعراض. لم يعد الأفراد مسؤولين، كل عن جسده، وانما عن جسد غريب، لا يخص شخصه، وإنما هو جسد ممتد عبر كل الآخرين، موصول إليهم، صحيح أنه يلجأ إلى عزله عنهم، واتخاذ مسافات منهم، إلا أنه لا يضمن أنهم جميعهم سيتصرفون على النحو نفسه بهذا الجسد الممتد الذي أصبح يتقاسمه معهم. عندما كان الفرد يصاب بمرض لا “يعنيه” إلا هو وحده، كان يستطيع التحكم فيه تحملا وعلاجا وصبرا ومكابدة، كان يتحمل مسؤوليته، كانت له “هوية صحية” تتحمل مسؤوليتها الأخلاقية . أما وقد غدا “جسده ” المريض حلقة في سلسلة ممتدة، فإنه لم يعد قادرا على القول : ” أنا جسدي” على حد قول الفيلسوف  ميرلوبونتي.

ذ. التهامي ياسين

                                ************* 

إلاحالة المرجعية :

 ذ عبد السلام بنعبد العالي .فلسفة الكتابة بالقفز والوثب . دار المتوسط .(يتصرف)

موريس ميرلوبونتي : la phénoménologie de la perception E.Gallimard 1965p.175


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...