أسامة البحري: سوسيولوجيا الشباب بالمغرب -الحجاب والشابات

-أسامة البحري-

تكونت عينة البحث التي اشتغل عليها الدكتور بنسعيد عن الحجاب من  الشباب، من كلا الجنسين، تم اختيارهم من بين تلامذة وطلبة الرباط والنواحي والفاعلين الجمعويين الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و25 سنة موزعين إلى خمس مجموعات بؤرية روعي فيها التمثيلية المتساوية بين الفتيات اللواتي يرتدين الحجاب ومن لا يرتدينه، كما تم إجراء عشر مقابلات فردية مع محتجبات سابقات وعاملات في القطاعين الصناعي والخدمات، وقد دارت التعريفات عن تعريف الحجاب التي اقترحها المشاركون حول مفهوم مركزي يعتبر بأن وجود جسد المرأة خاصة الشابة في المجال العام يشكل عنصر خلخلة واضطراب وقد يؤدي إلى اختلال النظام الأخلاقي والاجتماعي العام ، وكانت كلمات “الستر”، “ستر العورة”، و”الفتنة” و”اللباس المحترم من أكثر الكلمات تواترا في حديث المستجوبين من الجنسين على اختلاف مشاربهم، غير أن سياق استعمالها يختلف بينهما.

بالنسبة للذكور فإن الحجاب هو أولا حماية للدين وأخلاق الذكور، ومن خلالهم المجتمع من الفتنة التي يمارسها الجسد الانثوي. كما أن تعريف الحجاب قد اقتصر في الغالب على الزي دون إدراج السلوك في هذه التعريفات، بالمقابل تكاد تجمع المشاركات المقتنعات بالحجاب على أن الاقتصار على تحديد خصائص الحجاب كزي وفصله عن السلوك فيه حيف كبير للمرأة والحجاب.

يتبلور هذا الموقف بصفة أكثر لدى مجموعة من المستجوبات اللواتي اعتبرن بأن ارتداء الحجاب لا يكون لمنع الفتنة عن الذكور وإنما لـ”ستر” أنفسهن، أي عدم عرض ما يدخل في نطاق العورة على الأنظار. أما الحجاب كرمز فقد ركز الكثير من المبحوثين والمبحوثات على الحمولة الرمزية للحجاب، التي تتجاوز بكثير شكل الزي وطرق لباسه، إذ يتعلق الأمر برسالة توجهها المحتجبة نحو متلق قد يكون فردا أو جماعة أو ثقافة اخرى.

وقد عرفت المبحوثات الحجاب على مستويين يتعلق أولهما بتحديد معلن للهوية الدينية والثقافية إزاء الغرب الذي يعتبر مصدر لكل النماذج السلوكية الهدامة التي تهدد المجتمع الاسلامي على مستوى ثان، يتم تمثل الحجاب باعتباره وسيلة لتحرر المرأة وضمان مشاركتها الفاعلة في الحياة العملية ما دامت قد تمكنت بواسطة اتخاذ هذا الزي من إخفاء كل الابعاد الجنسية لجسده، على مستوى الرمزية الاجتماعية، وفي ظل التحولات السوسيولوجية والثقافية السريعة التي يعرفها المجتمع يبقى الحجاب بالنسبة للعديد من الشباب الذكور بمثابة رسالة تعلن عن “التزام” الفتاة بالمحافظة على جسدها وبمقاومة الفتنة والإغراء.

أما الحجاب والموضة  فيبدو من خلال البحث وجود علاقة تناقض بين الموضة والحجاب اعتبارا لأن الحد الأول أي الموضة يحيل إلى تحول مستمر لا يتوقف للألبسة والأزياء دون التقيد بمرجعيات أو نماذج ثابتة يبدو الحجاب في سياقه المعاصر بارتباط مع مقصده الأصلي كما لو كان دينامية تشتغل في الاتجاه المعاكس عن طريق ربط الزي بالعقيدة نفسها وتثبيته وحفظه من عوامل التغير باعتباره زيا إسلاميا قد كمل باكتمال الرسالة النبوية نفسها هذا التعارض المفترض بين ثبات الزي الإسلامي على مستوى الشكل واللون وتغير تيارات الموضة الذي لا يتوقف لم يظهر في خطابات المبحوثين إلا من خلال تدخل واحد، أما بالنسبة لغالبية المتدخلين من الإناث فقد اعتبرن بأن فصل الموضة عن الحجاب هو بمثابة سجن وإقصاء للشابة المحتجبة من واحدة من أهم آليات إنتاج النماذج السلوكية والثقافية في المجتمع المعاصر، اما الحجاب الداخلي والخارجي لم يتقدم أي من المشاركين في المجموعات البؤرية، بأي تعريف يعتبر الحجاب سلوكا سلبيا أو يربطه بكيفية قطعية بسلوك سياسي أو موقف فكري محدد.

بالمقابل فإن النقاش عرف منحى آخر عندما تعلق الأمر بالبعد الأخلاقي للحجاب، خاصة العلاقة المفترضة بين تبني هذا الزي وبين سلوك داخل المجتمع للشابة يمنحها الاحترام والتقدير على هذا المستوى، فصل العديد من المشاركين بين المستويين معتبرين أن لا علاقة سببية بين الاثنين، كما أن عدم الحجاب لا يعني مطلقا الابتعاد عن تعاليم الدين أو الأداء المنتظم للشعائر الدينية وفي مقدمتها الصلاة اما أسباب اختيار الحجاب فان الدافع الديني: أول ما يثير الانتباه في هذا النقاش هو ضعف المعرفة بالنصوص الدينية الأساسية التي تطرقت للموضوع فإذا كانت أغلبية الحاضرين يعرفون أن الحجاب مذكور في القرآن، فإن عددا قليلا جدا بشكل لافت للانتباه هو من يعرف بالضبط الآيات القرآنية المتعلقة بالموضوع، وحتى من بين من يعرف النصوص، فإن أقلية منهم كانت قادرة على تلاوة الآيات بدون خلط أو أخطاء.

 هذا الضعف في المعرفة الدينية يصبح معمما عندما يتعلق الأمر سواء بأسباب نزول الآيات أو الأحاديث والسيرة النبوية من ناحية أخرى فإن المرتبة الدينية التي يعطيها المبحوثين من الجنسين للحجاب تتأثر بكيفية واضحة بعاملين أساسيين هما السن والجنس فتلميذات الاعدادي والثانوي: تتميز آراؤهن بالمرونة فيما يتعلق بدرجة الإلزام الديني للحجاب، إذ لم تعتبره المشاركات في مرتبة الأمر الديني الذي يرفعه إلى مرتبة الفرض. ويمكن التمييز هنا بين ثلاث مستويات ومواقف، موقف ينقل الحجاب من المستوى الديني الخالص الذي يلزم المجتمع بكامله إلى مستوى القناعة الشخصي التي تتعلق بالفرد ولا تحول الحجاب إلى معيار للحكم على مدى مطابقة سلوك الآخرين للمعايير الدينية والأخلاقية التي تنبني عليها فلسفة هذا المشترك المجموعة الثانية من التدخلات في تركيزها على الخاصية الأساسية للحجاب التي شكلت القاسم المشترك بين تعريفات مختلف المشاركين وهي “اللباس المحترم”.

في المقابل برز موقف ثالث اعتبر بأن الربط بين الدين والحجاب أمرا غير وارد تماما ما دام الأمر يتعلق بسلوك اجتماعي سمته التغير، ولا علاقة له بالعقيدة أو بتأكيد التزام المرأة بتعاليم الدين الإسلام أما الطالبات الجامعيات فقد تميزن بقدرة مرتفعة على إنتاج خطاب متماسك ومبني سلفا، كما أن هذه الشريحة لا تتوقف عند الحدود الوصفية للحجاب ومدى درجة إلزامه الديني وإنما تعمل على الاشتغال عليه وإعادة إنتاجه نظريا عن طريق تحديد موقعه الاستراتيجي داخل المنظومة الديني بالمقابل لم تعتبر المحتجبات المشتركات الحجاب مسألة دنيوية تتعلق بحرية الاختيار الشخصي، وإنما بمثابة شرط أساسي من الشروط الواجب توفرها لدى المرأة المسلمة حتى تستكمل دينها اعتبارا من أن الاقتناع الداخلي وأداء مختلف الشعائر الدينية يصبح لاغيا وغير ذي موضوع في حال عدم ارتداء الحجاب.

 بالمقابل اعتبرت الطالبات غير المحتجبات بأن الربط بين الزي والدين واعتباره دليلا على الإيمان أو حجة على سلامة السلوك من الناحية الأخلاقية يعتبر بمثابة حط من قيمة المرأة وبمثابة تأويل خاطئ للقصد الأصلي من الحجاب في حين أن فئة العاملات لا تقيم حدا فاصلا في تمثلاتها بين الدافع الديني المحض والإكراه المجتمعي، إذ أن المستجوبات المنتميات لهذه الفئة لا يتمثلن بصفة واضحة الدوافع الدينية لارتداء الحجاب، بكيفية مجردة بالرجوع إلى نصوص أو أحكام شرعية محددة، وإنما بربطها بقيم مجتمعية وأخلاقية، يتم بناؤها وتداولها وفق سياق الحياة اليومية للعاملة الموزعة بين إكراهات العمل وضغوط الأسرة والمحيط الاجتماعي وأخطار ومنزلقات الشارع.

 أما مجموعة التلاميذ والطلبة الجامعيون فقد تميزت باتفاق ملفت حول قوة الإلزام الديني للحجاب ووجوب التزام المرأة المسلمة به حسب مواصفاته الواردة في القرآن والحديث بصرف النظر عن اختلاف المجتمعات والحقب والعصور. فالهدف الديني للحجاب كما عبر عنه المشاركون هو منع جسد المرأة من أن يكون مفتوحا ومخترقا من طرف النظرة العمومية للمجتمع (الرجال).

الأسباب الاجتماعية: كشف تحليل إجابات المبحوثين أن الدافع الديني أو المعرفة بالنصوص لا تسبق في الغالب قرار ارتداء الحجاب، وإنما تبنى وتتأسس لدى مجموعة هامة من المبحوثات بعد ارتداء الحجاب وقد عبر عدد كبير من المبحوثات على أن ارتداء الحجاب عند البلوغ قد تحول تدريجيا إلى “طقس مرور” على شكل تعاقد ضمني بين الأسرة، خاصة الأب، وبين الفتاة التي ولجت عالم الأنوثة بالسماح لها بالخروج من البيت وارتياد المجال العام مقابل ارتداء الحجاب الذي يمثل بالنسبة للآباء حدا أدنى من الضمانات التي لا يمكن التنازل عنها في سياق مجتمعي ضعفت فيه آليات المراقبة الاجتماعية وتكاثرت فيه المنزلقات.

 

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...