مـن كـورونا إلى أوكـرانيـا

-ملفات تادلة 24-

   لا أحد يستطيع أن ينكر أنّ طلبتنا الجوّالين هم أوّلُ من أنبأنا أنّ شيئا ما يحدث ببلاد التنّين، وأنّ الموت قادم لا محالة من الشرق. همْ أيضا من أخبرونا أنّ الدبّ الروسيّ خرَج من سُباته هذه المرّة مصمّما مُتّجها نحو العسل الأوكراني. لا مُشاحة إنهم، والحالة تلك، زرقاء يمامتنا.

 وبين كورونا وأوكرانيا مرّ الانتقال سريعا. بين عشية وضحاها، اختفى المخالطون، وتُنوسيت البؤر العائلية وشبه العائلية ، ولم يعدْ أحدٌ يسلُخ يديه جرّاء التعقيم الحار. ووضع الناس كمّاماتهم،  وتوجهّوا رأسا يجمعون حبّات القمح والطماطم ، وعيونُ طائفةٍ كبيرة منهم على مُؤشّر الوقود المُضيئ في عرباتهم، المُشتعل في جيوبهم.

هكذا اختفت المُتحوّرات فعوّضتها المتفجّرات، وأصبحت السيّدة المتوّجة (ذات التّاج) عقيما عاقرا، لا تتحوّرُ ولا تتحوّلُ (على الأقل الآن، في انتظار الخفافيش المُختبئة ). واختفى الحَجْر والحظْرُ، وعوّضهما الهجْرةُ والهَجْر. ومشاهد الدّفْن واحدةٌ.

لقد بوّلَ هذا الروسيّ على مسامعهم، و على كلّ تلك المواثيق التي كانوا يعدّونها شيئا (وماذا نُسمّي فِعلتهُ التي قام بها، ولِمَنْ اشمأزّت نفسُه، فالفعلُ فصيحٌ مستعملٌ )،  وسَفَّهَ كلّ ما كانوا يدّعونه من قِيم التحضّر والسلام.  وَوَضعَهُم في حَرَجٍ لم يحسِبوا له حسابا، حتى في أشد الاحتمالات سوءا، وفي أشدّ كوابيسهم رعبا. وبدَوا في مواقف “بايخة” جدّا كما كان يقول الكوميديّ المصريّ.

يُندّدون ويُهدّدون. يُظهرون الحزم والحزنَ. ويبكُون القتلى والمعطوبين وعيونُهم دائما أبدا على الغاز الروسيّ اللذيذ الذي لن يستطيعوا عنه فكاكا. كمْ بدا الرئيس الفرنسيّ الصغير (صغيرُ القامة طبعا) بائسا وهو يحاولُ أنْ يلْعبَ دوْرَ “جَمّاعِ” القبيلة، متوسّطا بين الخصوم، في محاولة للنّشر (لا علاقة لها بالمنشار) والتذكير بقيم “المساواة” و”الحرية” و”الأخوة”، كتلك التي سبق لفرنسا أنْ “نشرتها” بالقارة المستعبدَة.

بمقربةٍ منهم تسقط الصواريخ، وتحلّق الطائرات التي كانوا يعدّونَها لأقوام غير أقوامهم. أقوامٌ أَلِفُوا رجْمهم وردْمهم، واعتادوا عقْد الاجْتماعات ينظرون في مصائرهم وهم يلتقطون الصّور مُبْتسمين.

اليومَ الأمرٌ مختلف، في بلادهم يقع الدكّ والدقّ. وفي ملاجئهم يختبئ المختبئون. وعلى طرقاتهم سار اللاجئون.

اليوم تغيرت سُحنة اللاجئين، وصَفا لونُ الهاربين، وتغيرتْ لهجة الفارّين، ومُلوحة الدّمع واحدةٌ.

أَلَمْ يزلُلْ كثيرٌ من مُذيعهم ومراسلي فضائياتهم، عندما صنَجُوا مدهوشين ” هؤلاء اللاجئون يُشبِهوننا تماما، إنّهم منّا، وليسُوا مثل أولئك…”  أولئك الذين ضجّت بهم القنوات وملّتهم نشرات  الأخبار .

فلأولّ مرة بعد الحرب العالمية الثانية (باستثناء ما حدث في بلاد الصّرب الذين تجاوزوا الحد الأقصى في بقر البطون وشُرب الدّم المُؤمن) تبتلّ الأرض الأوربية بالدّمع الأشقرِ، وتُلوّث الأرض بالدمّ الأعفر، وعلى سطحها تُشتم رائحة البارود والزّرنيخ…

لم يُصدّقوا أنّ أخا لهم (كانَ أخا لهم) جارَ عليهم، وسدّد بَوارِيده جِهَتهُم. ولو أنهم يعرفون أنّ هذا الذي أصبح عدوّا لهم قد استبق النزال، وواجَهَهُم قبل الميعاد الذي هو معدّ له. واجههم قبل أنْ يُكملوا إعداد المصيدة كاملةً، تهوي به كما هوت بالذين سبقوه (وما أكثرهم).

 ليست المصيدة غير أوكرانيا، وليس الطعم المسموم غيرها.

فما السمّ الذي دسّوا جزءا منه على عجل؟ وما الأحلاف التي سارعوا يعقدون ؟ والتي تلكؤوا في عقدها مع طعمهم المسمّم. ماذا اكانوا يتوقعون من تمديد الحلفِ العسكري؟ وضد من يتأهبون؟ ولأيّ حربٍ يَعُدّون؟

كانت أوكرانيا بالنسبة للرّوس خالَتَهم الّتي فرّق التاريخ بينها وبين أُمّهم، وهي اليوم رَبيبتُهم التي تنظر إلى أبيها الآخر. البنت العاقة ، حِصان طروادة، يُدخل الغريب إلى القريب.

من كَتِف أوكرانيا تُؤكل رُوسيا، بعد أن أستُدرجَت كلّ تلك الدويلات الصّغيرة المُتساقطة من العِقد السوفياتي القديم. هذه المرة ضاق الدبّ الروسي ذَرعا، وانتصب منتفضا، ولم تشفع له صوْلاته الأخيرة في بلاد الشام، كان يُنذر بها المتربّصين.

وسواءٌ أَ أَنهكهم أم أنهكوه، أهلكهم أم أهلكوه، فإنّ أمر الحربِ والقتلِ والتهجير تدلّ على أنّ هذا الكائن الذي اسمه الإنسان ما يزال في عصور ما قبل الإنسانية، وأنّه لمّا يدخلْ عصر الإنسانية بعد. وأنّه مهما ادّعت هذه الأمم التي يراد لها أن تكون متّحدة (منها من له مقعد بمجلس الأمن يمنعُ عن نفسه كلّ قرار) فإنّ كثير من المنتسبين إليها يتفننّ في إتقان فظائع القتل والهدم والتهجير والإفناء والتنكيل بالناس.

من قبلُ كانت الحروب البونيقية، وكانت حرب البَسُوس وداحِسُ وغريمته الغَبراء والحروب الصّليبية. وأمسِ كانت ريحٌ سموم شمالية جنوبية اجتاحت البلدان “غير المتحضرة”، وكانت حربان عالميتان، وكان بعدها إحلالُ شعبٍ هجينٍ مكانَ شعبٍ أصيل، وكان هدمٌ لحضارات ألفيةِ الزّمن، وكان تجويعٌ وترويعٌ …

واليومَ يدٌ على الزنّاد النوويّ، لعلّ أقواما تأتي خيرا منّا، منهم…

عبد الحكيم برنوص

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...