ياسين يكتب: هل يتحمل الشباب تبعية التخلف ؟

-ملفات تادلة 24-

أزمنة وأمكنة

إهداء: إلى ذ مصطفى العمري أو مصطفى “الأزموري” كما يحب أن يطلق على نفسه..إلى معلمي وأستاذي  الفلسفة..متمنياتي له بطول العمر والصحة والهناء..

هذا السؤال يحيلنا إلى ملاحظة تمهيدية أساسية : وهي أنه لابد أن نؤكد في البداية أن البلاد المتقدمة غالبا تعيش حاضرها باعتباره نتيجة طبيعية لماضيها ومقدمة طبيعية كذلك ، وملائمة للغد الذي تنتظره وتتوقعه وتخطط له تلك البلدان. وتجند بالتالي كل الإمكانات المتوفرة لديها لتضمن مستقبلا مشرقا لشبابها.. ولهذا كانت مشكلة “المستقبل” بالنسبة لها دائما، وبالتالي مشكلة الشباب، من المشاكل المادية التي يتم بحثها وإعداد الحلول لها في اطمئنان وهدوء أعصاب! . لكن ماذا عن “الدول النامية” أو التي كانت ترزح تحت نير الاستعمار، أو “دول العالم الثالث” كما يحلو للبعض أن يسميها والتي تريد مخرجا لمشاكلها التاريخية والاجتماعية والاقتصادية المزمنة..؟ إن الأمر مختلف كثيرا لأسباب بنيوية عميقة ترتبط بالواقع وبالفكر معا، بالبنيتين المادية والفكرية في جدليتهما وتطورهما.. ذلك لأن شعوب هذه البلدان تعيش حاضرها في وضعية “قلق وتوتر وتدمر”، إنها تكون مفصولة عن الماضي وفي نفس الوقت مقطوعة الأوصال والاتصال بالمستقبل الذي تنشده وتطمح إليه. وهي إذ تبحث عن ذلك المستقبل وعن الماضي معا ترفض “حاضرها”، هذا الوضع المتوتر القلق والمتأرجح والمتذبذب والمتسم بالجروح والانكسارات والهزائم التاريخية..، لا تعترف به لأنها ترى فيه أحيانا وضعية غير ملائمة تماما. ومن هنا يمكن القول إن البلاد المتخلفة تعيش في حاضرها ومستقبلها، تعيشه بأحلامها وخيالاتها بل بأعصابها وانفعالاتها.. والفرق بين الدول المتقدمة الصناعية المسلحة بالتكنولوجيا والعلم والرقمية والديمقراطية.. والدول النامية أو المتخلفة المتوترة، الباحثة عن مخرج لها من التخلف. يمكن أن ننظر إليه من زاوية أن الأولى أي الدول المتقدمة تعرف أين هي الآن، وتعرف ماذا سيكون غدا.. أما الدول المتخلفة أي النامية فحاضرها مرفوض لأنها لم تصنعه بإرادتها، ومستقبلها يكاد يكون مجهولا لأنها خاضعة لمناطق القوة العالمية أو لمراكز متعددة.. المستقبل بالنسبة لها يكاد يكون غامضا أو مجهولا لأن آفاقه، إذا نظر إليها من معطيات الحاضر، لا تقدم إلا “ضبابا وظلاما”. من هنا فوضعية الشباب في العالم المتقدم أشبه ما يكون براكب سيارة يجري بسرعة فائقة وعلى طريق معبدة نحو هدفه، وهذا الهدف الذي خطط له والذي يعرف أنه سيصله في وقت محدد مضبوط. أما في البلدان المتخلفة فالشباب أشبه فيها بالمسافر على جمل في صحراء قاحلة وسط زوابع رملية هوجاء.. وهو لا يعرف فيها الجنوب من الشمال ولا الغرب من الشرق، وهو تائه بين كثبان الرمل عاتية، يتهدده في كل لحظة الضياع والانكسار والإحباط واليأس ..نلحظ ذلك في حياة كثير من الأفراد، في سلوكات كثير من شباب اليوم، في مواقفهم وآرائهم وردود أفعالهم اتجاه واقعهم واحداث العالم.. في نزوحهم وتطلعاتهم ورغبتهم في الهجرة إلى الضفة الأخرى، الى العالم المتقدم كما ينعثوه طلبا للشغل أو العلم أوالرفاهية والمال.. لكن هذا العالم المتقدم من المؤكد أنه لا يخلو بدوره من مشاكل تخص بنيته المجتمعية واختياراته السياسية وثقافته الحداثية وما بعد الحداثية.. ولذا فطرح مشكلة المستقبل ،أو مشكلة الشباب يختلف اختلافا نوعيا.الشباب في البلاد المتقدمة ينتظر أن يعيش في القرن القادم الجديد..إنه يعيش الجدة بمعناها المتطور والمستمر.. مجتمع ما بعد المجتمع الصناعي والرقمي والحداثي وماب عد الحداثي.. مجتمع الرفاهية وتحقيق الأحلام والسعادة الكاملة ،”إن كان للسعادة كمال”. أما شباب المجتمعات النامية أو المتخلفة قد تحدو بعض تنظيماته وشبيباته الطموحة والمؤطرة فعلا، مدنيا وسياسيا، رغبة عارمة في الإصلاح والتغيير والتقدم والتحديث.. فرغم نبذه ورفضه للحاضر ولعوائقه قد يعمل بعض الشباب الواعي بحقيقة دوره على عوائقه وعوائق مجتمعه والنضال من أجل تغييرها حتى يتمكن من توجيه المستقبل وجهة أخرى وفق إمكاناته. عملية التغيير المنشودة هذه، سواء بالنسبة للحاضر أو المستقبل، مهمة شاقة وتاريخية تمر منها كل طلائع المجتمع، وصعبة ما في ذلك شك. وهذا الصنف من الشباب هو غالبا المنتظم والملتزم في المجتمع المدني والسياسي المنخرط تاريخيا في عملية التغيير، وهو القوة الحية الدافعة لكل المجتمعات والأداة الصامدة.. وهذا هو السر في  بلدان كثيرة متخلفة يعيش شبابها آمالا فتزداد مجتمعات تلك البلدان انتعاشا وحيوية وقوة.. يتحرك ويحلم.. ويحصل لديه كل يوم وعي كامل بالمهمات التاريخية الملقاة على كاهله ..هو دور خطير سوسيوثقافي وحضاري مؤثر وفاعل.. في حين مازالت بلدان مماثلة أخرى سجينة التوتر والخوف  والتردد ،لأن الشباب فيها لم يحصل لديه وعي كامل بالمهمات الملقاة على عاتقه ولا بالدور التاريخي الكبير الذي قدر له أن يقوم به والذي لا مناص له منه، لكن لنعد إلى السؤال الإشكالي الذي طرحناه أعلاه.. هل يتحمل شباب اليوم تبعية التخلف؟ حين نزاول التحليل العلمي والالتزام  بالمنهج التحليلي والتفكيكي لمعطيات الواقع الموضوعية التي هي مركبة ومختلفة.. نجد أن الحديث عن المستقبل يبقى حديثا طوباويا ووعظيا وإرشاديا في أغلبه.. فكثير من الخطابات الإيديولوجية الوهمية لم تعد تلقى من الشباب إلا النفور والجفاء لأنه مناف لطبيعته، مضاد لعقليته ولطموحاته اللامحدودة….. ولنطرح صيغة أخرى لسؤالنا : ماهي الشروط المحددة للدور الذي يمكن أن يقوم به الشباب في مجتمعات وبلدان واقعة تحت وطأة التخلف؟ ماهي وسيلته في إصلاحها وتحسين أوضاعه وتغييرها نحو التقدم والأفضل؟ يمكن أن ننظر إلى الإشكال من زاويتين أو من جانبين متعارضين: زاوية مسؤولية الشباب.. وزاوية “التخلف المتراكم” أو “التأخر التاريخي” كما يقول عبد الله العروي .. فالتخلف هنا ومظاهره ملتحمة بالشباب التحاما لا انفصال له.

كما يشرح ذلك الراحل د محمد عابد الجابري أيضا في أكثر من مناسبة .. فنحن من جهة نفترض أن للشباب نصيبا في وضعية التخلف، أي أنه بمعنى من المعاني، مسؤول عنها وفاعل ومتسبب فيها. ومن جهة أخرى نحن نتحدث عنه باعتباره مطالبا بتغييرها والعمل على القضاء عليها وإنهائها. والواقع أن الأمر لكذلك حقا، وذلك بحسب الزاوية التي ننظر منها إلى الشباب نفسه.

 فإذا نظرنا إلى الشباب في البلاد المتخلفة من وجوده الكمي والكيفي حاليا، نجد أن وضعية التخلف ومظاهره ملتحمة التحاما لا انفصال له. وقد يكون من الأفيد في هذا الإطار أن نتحدث عن أبرز مظاهر التخلف التي هي كثيرة ومتنوعة، متداخلة ومتشابكة، فهي كل لا يتجزأ، رغم كثرة اجزائه، فهي وحدة في كثرة. ولذلك لا ينبغي أن نغفل هذه الوحدة أو الكلية البنيوية في مقاربتنا.. وحتى لا يفلت زمام الأمور من أيدينا، ولكي لا تحجب عنا الأجزاء بنية وصيغة الكل، يجب أن نتمسك بالمحور الذي يدور حوله التخلف، هذا المحور الذي وصفه أحد الاختصاصيين (دالمنجرة) بأنه حالة : حالة مستمرة من التنافر بين “نمو ديموغرافي قوي”، و”مصادر اقتصادية ضئيلة”. إن ظاهرة التخلف إذن مرتبطة ارتباطا، لا انفصام له مع واقعة كثرة تزايد السكان، وضآلة تزايد الإنتاج، وهذه حقيقة تمس الشباب في الدرجة الأولى.

فالتزايد الديموغرافي ليس له من معنى في الوقت الحاضر إلا كثرة الشباب وتزايد عددهم باستمرار. وضآلة الإنتاج تعني فيما تعنيه أن الشباب، هذا الكثير العدد، لا ينتج. ومن ثمة فإن التخلف كما تمت الإشارة إلى ذلك ظاهرة مركبة وملتحمة أشد الالتحام بظاهرة الشباب اللامنتج. إن الشباب – مع الأسف – هنا موضوع في قفص الاتهام في كثير من الدراسات ولو بشكل ضمني!! لأن السؤال لماذا لا ينتج ؟أو لماذا هو محروم من الإنتاج أو لا يساهم فيها؟ بل إن كثيرا من الذين لم يستطيعوا أن يتبينوا بوعي طريق الخروج من التخلف، يلقون صراحة وبشكل تلقائي على كاهل الشباب، ويقترحون “تحديد النسل” وهو طرح أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه بعيد كل البعد عن حقيقة الأمور. لكن الدراسات العلمية ذات النزاهة والمصداقية تثبت أن المسألة في جوهرها ترتبط بوضعية التعليم والتربية والبحث العلمي والحكامة في تدبير ثروات وخيرات البلاد اقتصاديا واجتماعيا في البلدان النامية.. وفي إشكالية تحقيق اقتصاد وطني قوي يضمن تكافؤ الفرص ويشكل مجالا للشباب للتعبير عن قدراتهم ومهاراتهم.. وفي تحقيق تنمية داخلية شاملة وقوية تقاوم الهيمنة الخارجية..

ولعل د. المهدي المنجرة كان في كل دراساته المستقبلية يهتم بموضوع التفاوت العلمي والمعرفي بين الشمال والجنوب، وتفاوت في الجنوب بين الأثرياء والفقراء، فالعولمة أو “النظام العالمي الجديد” ينتج مفارقات وتناقضات وحالات صارخة من التفاوت لم تشهدها البشرية من قبل، فإجمالي سكان الدول الصناعية الكبرى الذين يشكلون 19% من سكان العالم، هؤلاء يحصلون على 83% من الثروة العالمية، ومستوى التعليم تجد أن 85% من مخصصات التعليم في العالم مكرسة ل 19% من البشر، وإذا نظرنا إلى البحث العلمي سنجد أن 90% من نفقاته تتم في الدول الصناعية، وفي مجال الاتصالات الإعلامية والأقمار الصناعية، و تحتكر الدول الصناعية 90% من إجمالي المصروفات العالمية ، ود المنجرة يؤكد أن ميزانية البحث الأمريكي مثلا السنوية تعادل إجمالي الموازنة لنصف سكان الوطن العربي، فأين الحديث عن عالم واحد، وعن تذويب الفوارق، فالنظام العالمي الجديد وجد لكي يكرس هذه الفوارق ويعمقها، ولكي يستغني نهائيا عن العالم الثالث حيث يعتبره عبئا بالرغم من ثرواته الطبيعية الكبيرة ينبغي التخلص منه في أسرع وقت ممكن.

وإذا عدنا إلى مشكل التشغيل فينبغي كما أشرنا أن نربطه بالتعليم، فمن الحقائق المؤكدة في عالم اليوم أن حظ الشخص في الحصول على عمل يكفيه لضروريات العيش يتوقف على مدى حظه من الثقافة. فالسواعد المفتولة وحدها كما كان يقال في زمن ما لم تعد وحدها كافية في عالم اليوم، عالم الآلة والزمن التكنولوجي الرهيب.. والمطلوب هنا الفكر ” المفتول” العقلاني العلمي المسلح بالرؤية الواقعية والموضوعية للمجتمع وللعالم. ويمكن هنا أن نؤكد أن ظاهرة الأمية لها دور كبير في تخلف المجتمعات .. ولعل الأرقام التي يصرح بها تؤكد على استفحال الأمية في كثير من البلدان النامية رغم ما يبذل من جهود.. تجعلنا نطرح تساؤلات عميقة عن دور المخططات والاختيارات والسياسات التعليمية التربوية والتكوينية في تلك البلدان.. ويتبين لنا باستمرار في المغرب كيف أن قضية التعليم مازالت من أهم العوائق والتحديات الكبيرة التي يواجهها بلدنا في الوقت الراهن .. فلتشغيل الشباب يجب تعليمه، ولتعليمه يجب أن تكون هناك أموال مرصودة لذلك .. ولكي ينتج الشباب يجب أن يشتغل. وهو ما يعتبره البعض الدوران في حلقة مفرغة ..!! ولذا فإن البلاد المتخلفة حين تكون بلادا جائعة، أو مريضة، أو جاهلة، أو فيها بطالة، فإنما يعني سواء أردنا ذلك أم كرهنا، أن الشباب هو الجائع، وهو المريض و الجاهل، وهو العاطل.

وهكذا نرى أن نصيب الشباب في التخلف، وحظه فيه، نصيب كبير، وحظ وافر، ومسؤولية جسيمة. لكن وهذا ما كان يؤكد عليه د. الجابري في مفهومه للتخلف هو: “أن لا نغفل أو نتغافل من أن التخلف ظاهرة كلية، وإنها وحدة في كثرة. ذلك لأن ما يميز البلاد ليس هو الجهل وحده مثلا، ولا البطالة وحدها، ولا المرض.. بل هناك عنصر هام جدا، وفي نظر كثير من الباحثين في هذا الموضوع.. هذا العنصر الهام والأساسي والذي تزداد أهميته وتقوى فاعليته بالنسبة للحاضر والمستقبل هو ظهور الوعي بالتخلف في هذه البلدان النامية”. لقد حصل وعي بأن التخلف ليس “قدرا محتوما” أو “واقعا مقدرا نهائيا”.. لا مناص منه. فيما مضى عاشت البلدان المسماة اليوم متخلفة وضعية سيكولوجية واجتماعية تختلف اختلافا كبيرا عن الوضعية التي نعيشها اليوم.

كان شعار الكثيرين في أزمنة خلت هو الاستسلام وقبول محن الدنيا والرضى بالأمر الواقع نتيجة هيمنة تصورات وتمثلات لاعقلانية .. لكن في زمن كهذا تغيرت الأوضاع فيه بشكل جذري علميا واقتصاديا وتكنولوجيا .. هذا التغيير التاريخي الكوني العميق يجسمه ما عبرنا عنه ب”الوعي بالتخلف”. وليس هناك أدنى شك في أن هذا الوعي هو الذي جعل كثيرا  من التنظيمات والجمعيات المدنية /الأهلية والسياسية الشبابية تهتم بواقعها وبحاضرها وبمستقبلها.. وهو يدل على انبثاق وعي جديد بين صفوف شباب تلك التنظيمات بدقائق أوضاع مجتمعهم وبالمسؤوليات الملقاة على عاتقهم.

ولعل البلدان المتخلفة أو النامية اليوم هي اليوم أمام تحول تاريخي عميق وضروري وحتمي، ولكن ضرورته وحتميته تقتضيان التعجيل به حتى لا يصيبه إبطاء أو انحراف. تلك هي المهمة الأساسية التاريخية والحقيقة الملقاة على الشباب في تلك البلدان، وذلك هو الدور الأساسي الذي ينبغي أن يبدأ منه وفيه الشباب بمحاربة التخلف في نفسه، في فكره وفي ميولاته أولا.. وأعتقد أن دور الشباب كما كانت من قبل، لها دور طلائعي وتاريخي، إنه بالتأكيد تعميق الوعي بالتخلف، وجعله وعيا إيجابا، وعيا فاعلا متجها إلى المبادرة والحركة والفعل والتأثير.. ولأن التخلف ليس تخلفا اقتصاديا فقط، أو اجتماعيا ولا تخلفا في مجال الصحة والتعليم فقط، بل هو تخلف في التفكير وتخلف في الاهتمامات. فالمستقبل يداهمنا، كما كان يقول الراحل محمد عابد الجابري، ونحن، مضطرون سواء شئنا أم أبينا أن نكون منسجمين مع أنفسنا أولا، وأن نكون في موعد مع التاريخ، في هزاته وثوراته، نفعل فيه بوعي وإرادة أو يفعل فينا بغير هوادة ولا رحمة ..

   إحالات مرجعية:

–  م.ع. الجابري مواقف.. مواقف مسؤولية المثقفين ودور الشباب..

–  د المهدي المنجرة عولمة العولمة..(بتصرف)

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...