الغلوسي: حجم المخالفات المرصودة في تقرير المجلس الأعلى للحسابات ضعيف ومحدود

-محمد الغلوسي*

أصدر المجلس الأعلى للحسابات تقريره عن سنتي 2019/2020؛ وهو التقرير الذي تضمن مخالفات رصدها المجلس بمناسبة إفتحاصه لبعض المؤسسات والجماعات الترابية. وذكر التقرير بأنه أحال ملفات ذات صبغة جنائية على رئاسة النيابة العامة، كما أصدر أحكاما لها صلة بالتأديب والميزانية إنطلاقا من إختصاصاته القانونية والدستورية، وتضمنت هذه الأحكام غرامات في مواجهة المخالفين والحكم بإسترجاع مبالغ مالية.

 وعلى ضوء صدور التقرير المذكور لابد من إبداء بعض الملاحظات والإستنتاحات الأولية كمايلي: 

1- إن حجم المخالفات المرصودة في تقرير المجلس يبقى محدودا وضعيفا بالنظر لحجم المخالفات والإختلالات الموجودة فعلا على أرض الواقع، ويعود ذلك إلى أسباب متعددة منها تعدد صلاحيات المجلس وضعف موارده البشرية والمادية واللوجستية فضلا عن الحجم الهائل للمؤسسات والجماعات المعنية بالإفتحاص والمسح الرقابي، وهو ماجعل إنجاز مهامه المتعددة  تبدو شبه مستحيلة، معركة كبرى تتعلق بتخليق الحياة العامة ومكافحة الفساد دون أسلحة للمواجهة.

2- سيجد المجلس نفسه لنفس الأسباب المذكورة عاجزا عن إستخلاص مبلغ الغرامة والمبالغ المحكوم بإرجاعها. فقد أحال المجلس ملفات تكتسي صبغة جنائية على رئاسة النيابة العامة  إنطلاقا من المادة 111 من مدونة المحاكم المالية، وهي ملفات في الغالب تهم منتخبين وموظفين دون مسوؤلين كبار مما يجعل الأسئلة مشروعة حول مدى سيادة القانون على الجميع، كما أن المجلس وإنطلاقا من تقاريره السابقة لايحيل كافة القضايا ذات الصبغة الجنائية على القضاء رغم صراحة المادة 111 المشار إليها.

3- إن القضايا الجنائية المحالة على رئاسة النيابة العامة إنطلاقا من تقارير المجلس الأعلى للحسابات غالبا ماتصدر بخصوصها أحكام ضعيفة لاترقى لمستوى خطورة الجرائم ناهيك عن كونها تستغرق زمنا طويلا أمام المحاكم المختصة، وغالبا ماتقتصر المتابعات والأحكام على موظفين صغار ومنتخبين دون المسوؤلين الكبار كما أنه لاتوجد آلية لإسترجاع الأموال المنهوبة، فضلا عن كون المؤسسات المعنية بالتنصب كطرف مدني أمام القضاء تتلكأ عن القيام بدورها في حماية المال العام.

4- كان بالإمكان أن تشكل تقارير مؤسسة دستورية كالمجلس الأعلى للحسابات آلية قانونية ومؤسساتية لمكافحة الفساد وربط المسوؤلية بالمحاسبة وتخليق الحياة العامة وتعزيز حكم القانون إلا أن هذه الأهداف لاتزال بعيدة المنال، لذلك يبقى صدور التقارير مجردة لحظة طقسية يتم الإحتفال بها كل مرة ليبقى السؤال معلقا إلى حين وماذا بعد صدور تقارير المجلس الأعلى للحسابات.

5- تقارير تصدر وتنشر وعلى صدر صفحات التقرير وبالبنط العريض إختلالات مالية وقانونية وتدبيرية جسيمة ويظل مع ذلك المخالفون والمفسدون في منأى عن أية محاسبة ومعه يستمر الإفلات من العقاب، ويستمر ناهبو المال العام في مراكمة الثروة بطرق غير مشروعة وفي تقلد المسوؤليات العمومية من مواقع مختلفة ومع هذا الوضع يجد المجتمع نفسه مجبرا على تحمل وأداء فاتورة الفساد لتبقى دار لقمان على حالها إلى إشعار آخر.

* رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...