سعيد يقطين: صراع الأديان أم القوميات؟

-سعيد يقطين-

هل العالم مقبل على حقبة جديدة من حقب تحوله، التي تعني أن البشرية لا تنجز خطوة إلى الأمام إلا وتهرول خطوات إلى الوراء؟ ذاك أهم ما استنتجته من غزو أوكرانيا. لقد ذكرني هجوم روسيا بما أقدم عليه صدام حسين، وبما فعلته أمريكا في أفغانستان والعراق، وما تفعله الصهيونية منذ 1948 إلى الآن، وما أكثر الأمثلة، مع فوارق تعود إلى ردود الأفعال الدولية أمام مثل هذه الهجومات.

إن كل شعارات مثل: العالم قرية صغيرة، ودمقرطة الثقافة، وحسن الجوار والتسامح والإخاء والحوار بين الأديان، ومنع التسلح، والحفاظ على البيئة، ومواجهة الأخطار التي تواجه الحياة على الأرض، ليست سوى أكاذيب يبطلها واقع الارتهان إلى القوة لفرض الوجود. وكل المبررات التي يتم اللجوء إليها لتسويغ ممارسة أبشع أشكال العنف وممارسة الغلبة على من هو أضعف، وعلى الشعوب عامة، لا تعني سوى أن الإنسان عدو لأخيه الإنسان، وأن الطبيعة «الحيوانية» في الإنسان لم تهذبها الأفكار والثقافات والمبادئ والأخلاق، وأن المصلحة الخاصة لفئة صغيرة متحكمة في الرقاب، تلهب حماس الشعوب لخدمة أهدافها في إدامة تسلطها، واستمرار نهب الخيرات لفائدتها. وما افتخار بوتين بما تنجزه جيوشه من «مفاخر» ضد الشعب الأوكراني، وضد بنياته التحتية، سوى دليل على العنجهية التي يشترك فيها مع طغاة العالم المعاصر، وإن اختلفت الأصول والقوميات.

أمام ردود الأفعال حيال ما يجري، يقلقني السؤال التالي: ما موقع العرب في هذه الحقبة من التحول، الذي هو الآن قيد التشكل على الصعيد العالمي؟ وإلى متى سيظل العرب خارج الأسراب، التي بدأت تتشكل في زمن الاصطفافات والتمايزات الجديدة؟ هل سيظلون عبئا على العالم، ويعيشون على هامشه، متفرقين ومتصارعين في ما بينهم خدمة لأجندات غيرهم؟ وما هي مواقف الفكر العربي والمثقفين العرب؟ هل يكفي اتخاذ المواقف، وتقديم التأويلات الجاهزة، وكأننا غير معنيين بما يحدث من حولنا؟ فكيف نقرأ التمايزات والاصطفافات الممكنة؟ وكيف يمكننا الانخراط فيها ليكون لنا موقع على الصعيد العالمي؟

شهد القرن التاسع عشر، عصر الثورة التكنولوجية، تشكل قوميات، وفي الوقت نفسه عرف الاستعمار، فانقسم العالم إلى دول مستعمرِة، وأخرى مستعمرَة. وفي النصف الأول من القرن العشرين انقسم العالم إلى معسكرين: رأسمالي واشتراكي. وعلى الصعيد العربي، انقسم الفكر العربي إلى تيارين متجاذبين: تيار الخلافة الإسلامية، والتيار القومي. بعد الحرب العالمية الثانية حصلت أغلب الدول العربية المستعمرة على استقلالها السياسي الذي ظل يرهنها بشكل أو بآخر بالدول المستعمرة. وكان حظ فلسطين الأسوأ حيث فوتها الاستعمار إلى إسرائيل، أدرجت الدول المستقلة في نطاق «العالم الثالث»، تمييزا لها عن العالمين الأولين. لكن هذا العالم الثالث، رغم أطروحة «الحياد الإيجابي»، اصطف إما إلى جانب الإمبريالية العالمية، أو إلى المنظومة الاشتراكية. وكان لهذا التمايز على المستوى العربي أن تفرق العرب إلى قسمين: انقلابي جمهوري «ثوري» يدعي «القومية»، ويرفع شعار «الوحدة العربية»، ويسعى إلى تحقيقها عن طريق فرض وجوده على الأنظمة التي اعتبرها ملكيات رجعية، وذات خلفية دينية.

فلا الثوريون القوميون حرروا القدس، ولا وحدوا الأمة، ولا بنوا وطنا حرا كريما. أما الدول الأخرى فلم يكن لها شعار ترفعه للتغيير، وكان الحفاظ على البقاء أقصى ما تسعى إليه.

في أواسط الثمانينيات تبددت المنظومة الاشتراكية، وهيمن الحديث عن القطب الواحد، وفرضت أمريكا نفسها على العالم، في الوقت الذي انتشر فيه الحديث عن «النهايات»، ووجه الصراع العالمي، نظريا، على أنه صراع حضارات، محورها البعد الديني. خاضت أمريكا الحرب على الإسلام وقد اختزل في مقولة الإرهاب، وقد اختزل في «الخلافة الإسلامية» التي كانت تجسدها القاعدة. دمرت العراق، وجاءت أحداث الربيع العربي، تعبيرا عن رفض الشعوب العربية لما آلت إليه أوضاعها المتفاقمة، فكانت الحرب على الشعوب باسم مواجهة الإرهاب. واستغلت روسيا وأمريكا وتركيا وإيران هذا الوضع، فكان تدخلها الفاضح في العراق، وسوريا وليبيا واليمن ولبنان. وازداد الوضع ترديا في كل البلاد العربية مع بروز صراعات بين الجيران في المشرق والمغرب، وكان التدخل في الشؤون الخاصة عنوان حقبة من قطع العلاقات، وتعريض المنطقة العربية لانقلابات تحرف المجرى الطبيعي للأشياء بأسماء ونعوت لا حصر لها؟

برزت في هذه الصيرورة التي تكرس فيها الهذيان العربي، الصين التي اعتمدت سياسة مختلفة منذ السبعينيات، فاتخذت لها طريقا مختلفا، عن الرأسمالية الغربية، والاشتراكية السوفييتية، ونجحت في أن تطور نفسها، وقدراتها دون جلبة، ووجدت نفسها تفرض نفسها قوة عظمى. ونجحت إيران وتركيا في فرض نفسيهما على الخريطة العربية، فتدخلتا في حدودها. ولا داعي للحديث عن إسرائيل لقد كانت المستفيد الأول والأخير من التخلف العربي، ولا عن أمريكا، ولا الغرب، فقد ظلوا جميعا ينظرون إلى العرب على أنهم ورثة الرجل المريض الذي لا يفيق أبدا. أما روسيا فقد وجدت في تحالفاتها المختلفة ضد الإرادة العربية ما يقوي نفوذها في المنطقة، ويجعلها تستعيد الإمبراطورية القيصرية والسوفييتية.

أين دين المسلمين؟ وهل للعرب قومية؟


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...