أزمنة وأمكنة: محاربة الفقر أم القضاء على الاستغلال؟

-ملفات تادلة 24-

لدينا الآن طبقة عولمية من أثرى الأثرياء تصنع القرارات الاقتصادية الكبرى، وهي تصنعها باستقلال تام عن تشريعات أية دولة، وعن إرادة الناخبين”        Richard Rorty

   يتساءل كثير من الباحثين وهم يفحصون مفهوم الديمقراطية في تطبيقاته المختلفة في دول العالم، يتساءلون السؤال التالي : هل تمر الديمقراطية بأزمة ؟ البعض يعتبر وجود الديمقراطية في أزمة أمر طبيعي. ذلك أنه هذا المفهوم مر برحلة طويلة، وكان في ذروتها وضعا مثاليا للحرية، ما لبث أن تدهور تدريجيا. واقع الأمر أنه لم يظهر عصر ذهبي للديمقراطية قط؛ في نظر الكثيرين، فالتطلعات، والمنظومات النظرية، وأفضل النيات لم تتجسد في الواقع تجسدا حقيقيا، بل إن فكرة الديمقراطية نفسها إنما هي فكرة غامضة رغم أنها مغرية ومتغيرة بطبيعتها، وأحيانا تبقى غير قابلة للتعريف في تعقيدها. وفي الأزمنة الحديثة، اكتسبت الديمقراطية مضمونا مجردا مثل غيرها من المصطلحات الإيجابية، مثل الحرية والسعادة والعدالة..، وجرى استخدامها باعتبارها “كلمة مرور” أو “كلمة سر”، وستارا للتغطية على أسوأ أنواع التمييز والقمع والحيف والاستغلال والتحكم.. الذي يمارسه الإنسان على أخيه الإنسان. ولذا ففي العالم كثيرا ما توصف أنظمة حكم في العالم بأنها “ديمقراطية”، وهي غير ذلك.. حيث يتم إفراغ مصطلح ” الديمقراطية” من معناها الأصلي .. لكن ما هو معناها الأصلي؟ يؤكد الكثير من السياسيين والفلاسفة والمهتمين بتاريخ الديمقراطية أن الديمقراطية تعني (حكم الشعب)، لكن هذا التعريف الشائع صار. ولذا ففي العالم كثيرا ما توصف أنظمة حكم في العالم بأنها “ديمقراطية”، وهي غير ذلك.. حيث يتم إفراغ مصطلح “الديمقراطية” من معناها الأصلي ..لكن ما هو معناها الأصلي؟ يؤكد الكثير من السياسيين والفلاسفة والمهتمين بتاريخ الديمقراطية أن الديمقراطية تعني (حكم الشعب)، لكن هذا التعريف الشائع صار ينظر إليه بعين الشك الحائر، بل وربما بعين الارتياب الصريح.. كما أن هذا المفهوم لا يخلو في نظر الباحث (Luciano Canfora) لا يخلو من سخرية، ففي الأزمنة الرومانية كانت كلمة الديقراطية demokracia تعني السيطرة على الشعب.. وفي عهد السياسي الإغريقي  Pericles، حيث ظهر المصطلح أول مرة باعتراف الجميع. وهنا أيضا يمكننا أن نرى الطبيعة الإكراهية، المناقضة للحرية إلى حد ما، الطبيعة الإكراهية التي يستخدمها الشعب، ليس بكليته، بل باعتباره أغلبية.. وقد أشار المؤرخ الإغريقي (ثوسيديديس) إلى الحكم الرشيد الذي أقامه بريكليس Pericles، وطابعه التحرري، على الرغم من أن القرارات تؤخذ بأغلبية الأصوات. فهذا يقوض اليقين بأن الديمقراطية تطابق فكرة الكمال السياسي الذي نتوقعه، ويعني باختصار إن نقطة الضعف هذه كانت موجودة من البداية، ولم يكن بوسعها إلا أن تبعث على الصراع والشك والغموض، وعلى فعل علاجي متواصل جرى تنفيذه عبر تطبيق المبادئ الديمقراطية. لكن الآن ونحن نتحدث أو نعيش ديمقراطيات مختلفة في إطار رأسمالية عالمية جديدة، قياسا لرأسمالية القرن التاسع عشر.. أي في إطار ما يسمى بالعولمة أو النظام العالمي العولمي. يبقى السؤال كيف هي الديمقراطية الآن في ظل هذا الوضع الجديد؟ بالطبع لم يكن من الممكن مناهضة أو النضال ضد العولمة وسلبياتها إلا بوسائل الضغط الديمقراطي. وفعلا، لقد اختار زعماء هذه الحركة النضال من داخل النظام العولمي وبالوسائل التي يتيحها.. ولذا فإن أحد أبرز الزعماء المؤسسين لهذه الحركة José Bové  يقول: “إن المسألة المركزية هي معرفة كيف نؤسس للنقاش حول الديمقراطية والشفافية بين الدولة والجهاز الدستوري ونشاط المواطن، وذلك من أجل إقرار قواعد أكثر عدلا وإنصافا، ليس فقط في مجال التجارة، بل أيضا في مجال البيئة ومجال حق الشغل وحقوق الإنسان”. لقد ارتأى أنه يكفي إخضاع السوق لقواعد، ودمقرطة المؤسسات الدولية، لكي يغدو في الإمكان تحسين وضعية الفلاحين والعمال في العالم أجمع. بمعنى أن الديمقراطية هنا وفي الزمن الحديث والراهن تختار شكلا تمثيليا، أي الديمقراطية البرلمانية التي لا تعمل بصورة مباشرة، بل عبر انتخاب ممثلين عن الشعب، وبصرف النظر عن مدى جودة هذا الشكل، وبعيدا عن أي اعتبار لشرعية التمثيل وهو موضوع ناقشه روسو في كتابه عن العقد الاجتماعي، حيث زعم عدم توافق الديمقراطية والتمثيل، فإن من الواضح أن أزمة الحداثة جلبت معها أزمة الديمقراطية التمثيلية. والسؤال الآن: هل نجحت هذه المنظمات المعارضة لهذا الوضع العالمي والتي واصلت التظاهر كل سنة وعلى مدى عقد من الزمن في تحقيق تقدم أو أية نتائج، سوى تكرار التظاهر بنفس الشكل وبنفس الاستراتيجية؟ إن معطيات الواقع تجيب بالسلب. فالعولمة وأساليبها – كما يرى الراحلان محمد عابد الجابري وكما توقع عالم المستقبليات المهدي المنجرة وغيرهما من مفكري المغرب – استمرت واستفحل أمرها بوقوعها في قبضة أخطبوط “الليبرالية المتوحشة ” التي تؤدي اليوم وفي كل مرة إلى أزمات مختلفة كالأزمة المالية العالمية وغيرها والتي كشفت عن أزمة بنيوية لا سابق لها في النظام الرأسمالي! والسؤال الذي يبقى إذن مطروحا هو: أي منهما سيقضي على الآخر : الرأسمالية أم الديمقراطية ؟ وهل العمل بمبادئ الديمقراطية بإمكانه أن يخفف على الأقل من انزلاق القوى الامبريالية المتطرفة إلى تبني “الليبرالية المتوحشة” وظهور نوع من النزوع لديها إلى ما عبرت عنه تارة ب “الفوضى الخلاقة” وتارة ب “العولمة العسكرية” للدفاع عن العولمة الاقتصادية.. في ظل هذه الأوضاع برزت في ظل هذه الحركات المناهضة للعولمة الجانحة الى الممارسة الديمقراطية عدد لا يحصى من المنظمات والتنظيمات والجماعات: منها ما تشغله قضية العمال العاطلين والمستضعفين من الفقراء، ومنها ما يركز اهتمامه على قضايا الصحة والتعليم والبيئة. ومنها ما يواجه النظام العالمي “الجديد” بوصفه امبريالية جديدة، ومنها ما يركز على الاستغلال الذي تتعرض لها بلدان العالم الثالث.. الخ. وبالطبع هناك في كل واحدة من هذه المنظمات والجماعات يمين ويسار : يمين يهمه استمرار النظام الرأسمالي والتخفيف من أزماته والالتفاف حولها بطريقة من الطرق. ويسار يطمح إلى وضع حد للاستغلال الذي يقوم عليه كيان هذا النظام، وبالتالي “القضاء” عليه بصورة ما، أضف الى ذلك فريق ينظر إلى الأمر لا من جهة “اليسار” أو “اليمين”، بل ينظر إلى المسألة من زاوية أخلاقية. وإذا تركنا هذه التصنيفات الإيديولوجية ونظرنا إلى التجربة التاريخية التي مرت بها الرأسمالية الليبرالية الكلاسيكية الأولى يمكن القول أنها كانت في كثير من أقطار أوروبا تساهم في التخفيف من حدة الأزمة التي تهدد الرأسمالية من الانفجار، بعمليات جراحية تستلهما من التجربة الاشتراكية ولكن الأمر في الحقيقة يعود لعاملين مترابطين: أولا نضال وكفاح الطبقة العاملة التاريخي ضد أهم سلبيات النظام الرأسمالي وهو “الاستغلال”.. وهو كفاح مستمر ومتواصل ومتنام من داخل النظام نفسه، والعامل الثاني تكيف الدول الليبرالية الديمقراطية ذاتها مع الأزمة، بتقديم تنازلات هامة، وذلك برفعها الأجور وربطها بالأسعار وإقرارها خدمات اجتماعية عميقة واسعة على مستوى الصحة والتعليم والتقاعد أو على مستوى التعويض على البطالة وتخفيض ساعات العمل الخ…بالطبع وكما حدث فهذه الإنجازات تمت في إطار الدولة القومية أو الدولة/الأمة. فالرأسمال رأسمال وطني، والمنافسة وطنية، والعلاقات مع الخارج كانت تتم عبر الحماية الجمركية وخدمة المصالح الاقتصادية والاستراتيجية في” ما وراء البحار”. فضلا عن استغلال المستعمرات ونقل فائض القيمة فيها إلى “الميتروبول” مركز الدولة المستعمرة..

أما في زمن العولمة /الليبرالية المتوحشة، التي تقلص من دور الدولة القومية إلى درجة تقترب من الصفر؛ والتي تهيمن فيها الشركات المتعددة الجنسيات والتي تتخذ مبدأ لها الحصول من الربح من أقل ما يمكن من العمال، فإن الأمر لابد أن يختلف بصورة جذرية. ذلك أنه إذا كان النمو الاقتصادي في الماضي يخلق مناصب الشغل، فإن النمو الاقتصادي في إطار العولمة والليبرالية المتوحشة يؤدي ويتوقف على تخفيض عدد مناصب الشغل. إن بعض القطاعات في مجال الإلكترونيات والاتصال والإعلام، وهي قطاعات أكثر رواجا في العالم لا تحتاج إلا إلى عدد قليل من العمال. فالتقدم التكنولوجي في إطار الخوصصة يؤدي حتما إلى ارتفاع البطالة وبالتالي إلى أزمات اقتصادية واجتماعية. إن نزع الطابع المادي عن رأس المال، بمعنى تحويله (أو تسييله) إلى منتجات مالية قابلة للتحويل من مكان لآخر عبر الكرة الأرضية واستثمارها في أصول متنوعة، انفصل عن هذا التقليد وساعد على تحرر رأس المال من السياسة، إنه يحرر رأس المال من قيود التقليد الاجتماعي الذي تمكنت الدولة من فرضه في الماضي. إن تسييل رأس المال له نظيره في “المجتمع السائل” كما يذهب إلى ذلك الباحث “زيجمونت باومان” فهو يحد بشدة من إمكانية تدخل الدولة في الاقتصاد، والتي كانت تمثل الحلم بتحالف راسخ بين الرأسمالية والديمقراطية في النصف الأول من القرن العشرين، وبخاصة بعد الأزمة الخطيرة والشهيرة التي شهدها عام 1929. هذا من جهة ومن جهة أخرى فطرح المسألة على مستوى الأخلاق لا يجدي: فليس هناك في إطار “الوضع العولمي” ما يتحمله ولا ما يدفع إلى الاهتمام به. لقد كان الشأن الإنساني الذي تخدمه الجمعيات الخيرية والمنظمات المدنية أو الأهلية من قبل، وإلى حد الآن، هو تلك الظواهر من الحياة البشرية التي تشكل استثناء: ذوي الحاجيات الخاصة واليتامى وضحايا الحروب والكوارث الطبيعية الخ…أما اليوم فالأمر يختلف، فلم يعد الفقر ولا البطالة ولا الفوارق الاجتماعية التي آخذة في الاتساع ولا الطفولة المشردة ولا التسول…الخ ظواهر فردية أو حالات ظرفية. إن الأمر يتعلق باتجاه عام يتغلغل في جسم المجتمع في كل مكان ويطبع نظاما عالميا برمته، وبالتالي فمقاومته تتطلب أكثر كثيرا من مجرد العمل على استجداء الضمائر وتحريك عواطف الشفقة والرحمة والبذل والإحسان الخ…. وهي الوسيلة التي تعتمدها اليوم كثيرا من التنظيمات الجمعوية المدنية أو المسماة الأهلية في بعض الأقطار. فالمشاكل لن تزول والتخفيف من حدتها لا يؤدي إلى علاج الأزمة جذريا وفي عمقه.. وعبثا تحاول بعض الجهات أن تضفي على النظام الرأسمالي القائم على الليبرالية المتوحشة مسحة “أخلاقية” من خلال الترويج  لشعار “محاربة الفقر”. ذلك أن الأمر لا يتعلق لا بالفقر بحد ذاته، ف “الفقر” لا “ذاتية” له خارج أسبابه الموضوعية، وفي مقدمتها “الاستغلال”.

إن وضع شعار “محاربة الفقر” مكان شعار مطلب “محاربة الاستغلال ” ليس من شأنه إلا أن يكرس ويعمق الاستغلال ويطيل من عمر الفقر. إن الرأسمالية كما يؤكد على ذلك الباحث المغربي محمد سبيلا في كتابه “حقوق الإنسان والديمقراطية” هي التي أطلقت “عفريت” المشاعر المساواتية والديمقراطية من قمقمه، وهي التي أفسحت المجال أمام فئات اجتماعية واسعة للانخراط في العملية الإنتاجية والاستهلاكية. ولكنها بنفس الوقت، لا تستطيع بحكم بنيتها الداخلية ذاتها أن تسوي بين الجميع، لأن في ذلك قتلا لجوهر الرأسمالية القائم على التفاوت والتنافس. وبذلك تجمع الرأسمالية “جمعا فريدا” بين فكرتي المساواة والتفاوت، بحيث تجعل إحداها ضرورية للأخرى. بل ربما تنجح في تسخير مظاهر المساواة في خدمة وترسيخ مقولة التفاوت. حيث تصبح الرغبة في التساوي بمثابة دينامو محرك للمنظومة القائمة على التفاوت.. فهل الرأسمالية.. ديمقراطية بطبيعتها؟؟.

———

إحالات مرجعية :

*زيجمونت باومان وكارلو بوردوني حالة الأزمة ..ترجمة حجاج ابوجبر

*محمد عابد الجابري مواقف في أزمة الراسمالية العالمية العدد 78

ذ.التهامي ياسين

 

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...