قراءة في مشروع محمد بازّي حول التأويلية العربية التساند التأويلي في خطاب الشرح: الدوائر الصُّغرى والدوائر الكبرى

-ملفات تادلة 24-

مستويات بناء المعنى

يَلفت انتباهنا الدكتور بازي إلى أن تخريجات المعنى لا يجب أن يُنظر إليها على أنها شكل واحد ومستوى بعينه في كل مرة، لذلك وجب التمييز بين تجليات كثيرة تستهدف المعنى منها: التحرير والتقرير والتكرير والتبرير و التنوير والتطوير والتمرير و التحوير والتثوير.

تحرير المعنى وتقريره وتكريره آليات مهادنة للنص تعقد معه تدانيا دلاليا، تقارب من النص وتدانيه في أقصى الحالات. أما الثلاثية الثانية فلا تستسلم للنص ولا ينآى صاحبها عن النص نأْيا تاما، وإنما يقدم تفصيلات وشروحات ويُسلط مزيدا من المعنى على النص.

والثلاث الباقيات : التمرير والتحوير والتثوير تُقلب فيها سلطة القراءة، فتظهر ذات المؤوِّل، التي تبني نفسها من خلال بناء المعنى، فيُتّخذ نصٌ ما قناةً لتمرير معنى ما، أو تحويره عن صورته الأصلية وتغييره وقلبه مع ما يُوافق نية المُؤوِّل ،وأخيرا تثوير المعنى يعني تفجيره ” فلا يصبح المعنى واحدا، وإنما متعددا متشظيا ومتفجرا من الداخل”1.

البلاغة التأويلية من وجهة نظر أُطروحة التساند

النص مُقيّد بالمواصفات العامة للنصوص ـ على الأقل في حدودها الدنيا ـ و على القابلية للفهم والقراءة، فالنص حرّ في أن يَترك لنفسه بياضات و خامات ومواقع ملتبسة ، تُقلق راحة المتلقي، لتبدأ معها رحلة البحث عن إنتاج المعنى عبر القراءة التأويلية . وشرط هذه الرحلة أن يمتلك القارئ بلاغة تأويلية، قادرة على إزالة عقبات الفهم، ومهما اختلفت طبيعة النصوص: دينية أو أدبية أو غيرها، فإن الأمر يُغري  بالبحث عن نظرية عامة يمكن أن تخدم كل الفروع، يقول الدكتور بازي نقلا عن شلاير ماخر2.

وأي نصٍّ حاز صفة “النصية” هو تركيب لغوي تتجاذبه طائفتان كبيرتان من الدوائر :  طائفة صغرى ممثلة في الصياغة النحوية والبلاغية و الرمزية . و طائفة كبرى تنير ما أعتم ولبسه الغموض، باستحضار معطياته الخبرية والثقافية والمعرفية والشعرية والعلمية والاجتماعية والنفسية ، أي كل موازيات النص.

يبقى الثقل على كاهل القارئ البليغ، الذي لا ينطلق من دائرة من الدوائر المشار إليها، إلا لينتقل إلى مجاورتها، مالكا ذخيرة لغوية وبلاغية ، وعالما بخبايا المقام وموازيات النص الخارجية. إنه القارئ ” الأبلغ” والذي يروم بلاغة تأويلية مُدوّنة قابلة للقراءة والنقد و التأويل.

الآليات التأويلية النصية ( الدوائر الصغرى) :

شرح أبو البقاء العُكْبَري* ديوان المتنبي في الشرح الموسوم “بالتبيان في شرح الديوان”، وهو نموذج للشروح القديمة التي تضافر فيها بشكل جلي عمل آليتي الدوائر الصغرى والكبرى في بناء المعنى،  لذلك سيكون الشرح فرصة تطبيقية لتبيان كيفية عمل الآليتين السابقتي الذكر، ولعل هذه الاستراتيجية غير المُعلنة القديمة عند الشرّاح العرب، تكون سبيلا إلى تأويل المستجد من النصوص العربية.

يُصرّح العُكبَري3  أنه باشر عمله الشارح مستندا على ثلاث منطلقات أساس، أولها معرفي يتمثل في التمكن من المادة موضوع الشرح حفظا وفهما، وثانيها تأويلي عام يروم الإحاطة بالشروح السابقة المراوح معناها بين غريب اللفظ  وإعرابه، وثالث هذه المنطلقات مرجعي، يأخذ بآراء الأعلام والشرّاح السابقين، كابن جني وأبي العلاء المعري…لذلك فهوذو بُعدة تروم ” غرائب إعرابه أولا، وغرائب لغاته ثانيا، ومعانيه ثالثا، وليس غريب اللغة بغريب المعنى”4.

كيف عملت إذن هذه التأويلية العربية الضمنية وغير المصرح بها، في تتبع معاني شعر شغل صاحبها الناس ومايزال يشغلهم؟

3ـ 1 المدخل اللغوي

النص الشعري نص لغوي في نهاية الأمر، ومداخل النص مفرداته، ولمّا كانت المفردات مُثقلة بالمعنى غزيرته، فإن المعنى المتخير للمفردة هو ” الذي تدعمه أدلة وشواهد سياقية وخارجية”5 ،ولما  كان الفهم غير متاح كلهُ في المعاجم، التي لا تغطي كل معاني الكلم، فإن المعنى يسهم في صوغه السياق والاستعمال والعُرف، و”انتقال الذهن من مفهوم اللفظ إلى ما يُلازمه من اللوازم”6 إنه معنى المعنى كما يقول الجرجاني7.

(يتبع)

الهوامش

1- محمد بازي، م . م ، ص152.

2- نفسه ،  ص 147.

3- أبو البقاء عبد الله بن عبد الله (616 ه) ، بغدادي أضر به الجذري صغيرا ، كانت زوجته تقرأ له، حاز السبق في علوم الدين وعلوم العربية وكان الغالب عليه علم النحو، شرح ” الايضاح” لأبي علي الفارسي، وديوان أبي الطيب المتنبي، وله كتاب “إعراب القرآن الكريم” في مجلدين، وشرح ” المفصل شرحا مستوفى، وشرح “الخُطب النباتية” و”المقامات الحريرية”. *

4- أبو البقاء العُكبري، التبيان في شرح الديوان، ضبط وتصحيح وفهرسة م. السقا، إ. الأبياري، ع. شلبي، دار المعرفة ، بيروت. المقدمة، ج 1 .

5- محمد بازي، م . م ، ص193.

6- فخر الدين الرازي، الايجاز في بداية الإعجاز، تحقيق أ. حجازي و م. السقا، الأزهر، القاهرة، ط1 ، 1989 ، ص 62.

7- عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز م .م، ص 268.

عبد الحكيم برنوص

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...