ميدان التحرير أم ميدان “فولتير”؟ فولتير عراب كل الثورات

-ملفات تادلة 24-

  دوما تدفع أفكار فولتير إلى التفكير، وتلهب العقول ”  أنا أكتبُ من أجل الفِعل ” كما يقول، مما يجعل كتبه بمثابة قنابل حقيقية. 

لنقلها ببساطة : العالم العربي محاصر، وأعني بذلك، الجانب الغيبي ، فمنذ الفترة التي  دخلت فيها شعوب جنوبيّ المتوسط إلى الإسلام، وأصبحت مسلِمة بالإيمان، وعربية بالتقليد، بالنسبة لهم جاء الإسلام لينهي فترات طويلة من الشك و عدم اليقين، و بالفعل فقد نجحت الديانة الجديدة في مهمتها تلك. بعدها أُترع المسلم، ولم يعدم التزاما بواجباته الدينية كما تقتضيها  الطريقة الفضلى التي رسمتها الشريعة. بعد ذلك سار كل شيء على ما يرام، طيلة هذه الفترة الطويلة التي قاربت الأربعة عشر قرنا.

  ثم شكل الاستعمار حدثا بارزا، زعزع حياة المسلمين، وهم يمتثلون  لأمر السماء، وبين الإكراه و القهر ، عاش المسلمون في الخطيئة، داخل امبراطورية القانون المدني. المنتوج المزيف والموهوم لمجتمع الحداثة.و بين الإسلام كديانة وكنمط حياة ، أصبح هذا الأخير رمزا للاجترار وفلسفة للمقاومة وبرنامجا سياسيا مخيفا.

 قليلون ـ في الحقيقة ـ أولئك الذين  يتماهون مع ثقافة المستعمر القديم، ويعيشون في ظله  ويلبون حاجياتهم و يرضونها، ومن بينهم من يتبني هذه الثقافة الجديدة بمتعة زائدة ، إما لأنهم  رفضوا تقافتهم  أو تم رفضهم من طرف هذه الثقافة ، و آخرون استغلوا ثقافة المستعمر القديمة و اتخذوها  مرقاة للتسلق الاجتماعي ، كوسيلة ما تزال تؤتي أكلها إلى يومنا هذا ، بالنظر إلى النتائج التي نعرفها.

  بعد الاستقلال ، حاولت الدول أن تستأصل كل أثر للمستعمر الخارج حديثا، تبدو العملية صعبة، فالأفكار ليست كرات  البنغ بونغ، إذ لا يكفي إبعاد المثقفين، وحرق الكتب، وهدم المباني الموروثة، وإصلاح المقررات المدرسية، و “مَطرقة” الحشود الغاضبة، كل ذلك ممكن ولكنه لا يضمن النتيجة ، فعندما نسد طريقا، لا يعدم الناس أن يوجدوا طرقا أخرى من بين يدي الجمركي و من خلفه. قد يبدو الأمر غريبا و لكن هكذا !

  كل السبل تؤدي إلى فولتير وإلى الثورة، مما يجعله الأكثر رهبة لدى الطغاة، فحياة الرجل كانت هكذا ،تنقلا دائما داخل أوروبا، من قلعة إلى سجن ومن قصر إلى خبيئة ، و تنقله هذا هو ما أكسبه تلك العبقرية المتمردة الجوالة .

كل أفكار فولتير، ومنذ زمن بعيد ،حول الإنسية و الديمقراطية و الظلم و عدم التسامح و الدين والخرافات و التطرف، هذا الأخير الذي يقول عنه إنه “يُقضى عليه  كما يقضى على مرض الزهري”، و عن حرية التعبير، كل أفكاره تلك خرجت من بين كتبه وذاعت و انتشرت ، في كل الأرجاء ، تدفع إلى التفكير وتلهب العقول.

” أنا أكتبُ من أجل الفعل” كما يقول ، وكتبه بمثابة قنابل حقيقية. ونستطيع أن نقول إن فولتير هو عراب كل الثورات . ” إن فولتير و روسو هما السبب … ” يصدح “غافروش” ، أصغر ثوري في التاريخ وهو يجري تحت نيران المدفعية الحارقة للطغاة .

الدليل قائم هنا، فأفكار فولتير تتجاوز منجزات الفنانين في الجنوب، بالرغم من كونها مجرد ذكرى بعيدة، في بلدانهم، ومن دون شك فقد ألهمت أفكار فولتير شباب ” الربيع العربي” وحمست رواد الأنترنت هناك.

محزن أن يتوقف التاريخ، وتخبو الثورة ،ستخمد الثورة لزمن بعيد من غير شك، ولكن ستظل جذوتها تحت الرماد، ستعود الرياح  لتلهب النار  وستملأ الأنوار مشارق الأرض ومغاربها. ولنحلم و لو لبرهة:  ماذا لو كان هذا الفولتير قبايليا على سبيل المثال، يا للسعادة !

وفي انتظار ذلك الحلم، يبقى  اسم فولتير بالنسبة لسكان الجنوب المرادف للحرية، الإسم الغائب من القاموس السياسي  العربي، وبالنسبة للسلطات هو الاسم الآخر لانحراف الغرب وضلاله .

بوعلام صنصال

مجلة le nouvel observateur

18/24 يوليوز 2013

ترجمة عبد الحكيم برنوص ( بتصرف)

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...