“كل الكلام يقصر. لا يستطيع الإنسان أن يخبر بالكل”

-ملفات تادلة 24

قولة مأثورة

بالأبيض والأسود ..

عادة يأخذ مكانه في ركن قصي ومنزو في المقهى. لاترافق شارة النصر أنامله حين يستقبلك أو يودعك.. ينتهي من عمله يتوجه إلى مقر النقابة، الذي لم يكن يبتعد كثيرا عن المؤسسة التي يعمل بها. ثم إلى المقهى.. حين ينشر الليل عباءته ويسدل الظلام يتوجه إلى “الزاوية” كما كان يسميها. بناية كان يكتريها بحي سي سالم، تجعله أقرب إلى رفاقه في الحزب.. يطارده تلامذته سعيا لمساعدتهم فكريا، يرحب بهم ولم يكن يبخل عنهم بشيء.. فمكتبته رهن إشارتهم .. يتعرفون في بيته على اعلام وساسة وثوار العالم وهي مبتوتة على جدران الصالة التي اختار أن تفرش ارضيتها سجاد أمازيغي ..كان يحكي دوما على قراءة الخطيبي لرسوماته وخطوطه ..

في المقهى الذي يرتاده يوميا تختلف أصول رواده الاجتماعية والقبلية ومشاربهم الثقافية.. لكن ما كان يجمعهم هو حلم مشترك واحد آنذاك هو ردم التخلف وبناء مجتمع تسوده الكرامة والتقدم والحرية.. هكذا كان يردد في كل نقاش يجمعه برفاقه. شؤون المقهى يشرف عليها رجل بشوش يبهجك بابتسامته السوسية الدائمة على محياه، يرحب بالجميع، يقدم لزبنائه ما يطلبونه بحفاوة بالغة، من أصل سوسي، قدم من البيضاء إلى بني ملال بعد أن راكم فيها تجربة متميزة وعاشر خلالها فعاليات فنية هناك في الستينات..، ودعم بماله الخاص مجموعات غنائية كجيل جيلالة وفرق أخرى وقت انبعاثها.. اعتاد كل من يحظى بكرسي في  فضاء المقهى أن يقف على الصراع الإيديولوجي السياسي.. الذي كان آنذاك بين رواده، بل والثقافي التربوي القائم في المدينة التي تتميز برموزها السياسية والنقابية.. الفضاء كان “ناديا” للمعلمين، والمربين والنقابيين.. كما يحلو للجميع أن يسموه “نادي الحوار “.. حرارة النقاش والجدالات المستمرة تستعير في ذلك النادي تطغى على كل الهمهمات والأحاديث الأخرى.. جدالات لا تضاهيها في حرارتها إلا حرارة الصيف الملتهبة التي تلهب العقول والأجساد في المدينة بدء من شهر أبريل، لتتوج في يوم فاتح ماي باستعراض مثير تعلن فيه المطالب وترفع الهتافات والشعارات في المدينة.. وتنطلق بعد ماي شهور “سقر” كما كان يسميها أحد المثقفين الظرفاء. حوارات ذلك الفضاء تحديدا، أي في ذلك “النادي” كانت تتداول موضوعات وإشكالات تجد فيها صدى ما كان ينشر في مطابع بيروت وفرنسا.. سلسلة ماذا أعرف؟ ومنشورات غاليمار و10/18 وماسبيرو.. والثقافة الجديدة والكرمل والوطن العربي ..أفكار أقصى اليسار والبنيوية والتحليل النفسي ..كان النقاش يحوم حول “ماركس” و”فوكو” و”ألتوسير” و”لاكان” و”سارتر”..لكن الفكر المغربي أيضا كان يحظى بنوع من الاهتمام ؛ فالجابري والعروي والحبابي وجسوس وعزيز بلال.. ومفكرين مغاربة آخرين ..دوما في مواجهة طيب تيزيني وحسين مروة وسمير أمين وعبد الرحمن بدوي وآخرين.. في نفس الوقت كان النادي السينمائي بالمدينة يراكم تجربة هامة من أوائل السبعينات. فقاعة سينما الأطلس عرفت عروضا من مختلف المدارس السنيمائية من كل القارات، تهافت على مشاهدتها جمهور عريض من الشباب والمثقفين والموظفين والعمال.. ولعل أسبوع السينما الفلسطينية الذي أقيم في سينما فوكس مازال موشوما في ذاكرة من عايشه ويذكره الآن كثير من المهتمين بالفن السابع.

اشتهر الرجل الذي اعتاد الجلوس في ركن منزو وفي عمق المقهى بمواقفه المناصرة للمغلوبين، وبقراءته لدواوين محمود درويش وفؤاد نجم وسعيد المغربي .. شارة النصر التي كان يوزعها بسخاء لرفاقه و للنادل الذي كان يحتفي بقدومه، صاحب المقهى الذي كان يشرف بنفسه على إعداد كل المشروبات الساخنة والباردة، فكان يحظى بتحية خاصة منه تقديرا له… ينعت الرجل حين ولوجه ذلك الفضاء وكل العاملين فيه بالكادحين وأحيانا أخرى ب “البروليتاريا” التي ينبغي في نظره أن تلعب دورها وتعي ظروفها، لم يعد فهم ذلك المصطلح ملتبسا لدى الكثيرين من رواد المقهى بما في ذلك عموم الزوار العوام. قامته المنتصبة وشاربه المميز والمثير..، وكتبه الخاصة والمحظورة آنذاك اعتاد كل رواد المقهى أن يروها معروضة على طاولته ومجلات أخرى ..بعضها يحملها في محفظته الجلدية، وأخرى يخفيها في جيوب معطفه الأسود. يمنحها لمن يرغب في قراءتها بسخاء.. وجرائد يدسها أحيانا تحت حزامه. يعشق اللونين الأبيض والأسود ولذا غالبا ما كانت قمصانه بيضاء، حافظ على تلك المسافة من الاحترام مع الجميع، وجل رواد المقهى، ورفاقه في العمل التربوي والنقابي  تأثروا بهدوئه والتزامه ووعيه الثاقب، وحضوره في كل التظاهرات، وإدمانه  على تصفح الجرائد.. جريدته الأثيرية التي طالها الحظر كثيرا.. يستفسر عنها بإلحاح حين لا تصل في يومها. اشترى منها يوما ما نسخا كثيرة ووزعها على كل رفاقه لصدور مقالة كتبها بنفسه عن أحد القادة السياسيين الراحلين. وفي صباح ساخن جدا من أيام الصيف من شهر يونيو  أوائل الثمانينات. كان كل من يلج المقهى يلقي بنظرة خاطفة على ركن الرجل الشاغر او ما كان يعرف بمكتبه. الجميع تحت وطأة ثقل واحد، والواجب يدعو من يعرفه أو لا يعرفه أن يسأل عن سر غياب الرجل .. صوت “أم كلثوم “يصدح في المكان ويملأ كل أركانه ويخفف من وطأة السؤال والغياب، سماع التعاليق والهمهمات المختلفة عن سبب اختفاء الرجل تعم فضاء المقهى.. انتبه الجميع قدوم زائر غريب لم يروه من قبل واحتل الركن المنزوي. شعر أحدهم بغبن سافر وقلق عميق لهذا التغيير. لم يحتل هذا الغريب الزائر مكان الرجل الغائب؟ لم يستسغ أحد الأمر .. ذهل الجميع .وكأن المكان فقد أحد أركانه ..

بعد أن أتم النادل مكالمته وأعاد سماعة التليفون الأسود إلى مكانها الطبيعي، اتجه إلى الغريب الزائر يستقبله ويستفسر طلبه لأول مرة… لاحظ رواد المقهى الصمت الحائر على محيى النادل لما انحنى برأسه الى الضيف الوافد، وبدا وجهه محتقنا. تاهت عينا النادل وبدا عليه الارتباك.. وتنهد بعد أن همس لأحد الجالسين الذي ظل يحملق فيه هو الآخر  طويلا.. كان خبرا صادما في زمن القيض والمتاهة، تناقلته الأفواه، لقد تم اعتقال الإنسان ، وتهمته سياسية وسيطاله التحقيق هو وكل رفاقه واحدا واحدا.. هكذا كان يردد النادل على مسامع الحاضرين.. غادر جل رواد  المقهى المكان في حالة ذهول.. وخيم الظلام على كل أرجاء المقهى كما لو أن الوقت ليلا و المصابيح كلها انطفأت، وبدأت مرحلة أخرى عصيبة..

خلال العشرين سنة أو أزيد بقليل.. التي مرت أسرع مما تخيلت، كنت أتابع بعض أخباره عن بعد من خلال مقالات يكتبها بين الفينة والأخرى. وعلمت أنه قد قضى مدة قصيرة في السجن، ليخرج منه حرا طليقا من جديد ..انقطعت أخباره مدة لأراه صدفة في الدار البيضاء يحتسي قهوته قبالة المسرح البلدي ..عانقني طويلا، وكأنه يعانق كل رواد المقهى واحدا واحدا، ليتركني ويختفي دون أن يسأل عن أحد أو يطلب مقابلتي مجددا. فقط أهداني كتابا واختفى .. كما اختفى من قبل عن المقهى. وقبل أن أشرع في ترتيب أفكاري ..كنت متلهفا إلى معرفة أخباره لكنه انغمس في الحشود وتوارى عن الأنظار ولم يعد طيفه إلا خيالا من واقع انقضى، قرأت كتابه الذي يحمل اسمه. تتصدره العبارة التالية :  ” كل الكلام يقصر. لا يستطيع الإنسان أن يخبر بالكل”. دون أن يحدد قائلها.. كعادته كان يريد من تلامذته دوما أن يفكروا في النص كنص عار دون تأثير مسبق من صاحبه.

وتستمر الحياة ويتغير المكان والزمان وفضاء المقهى الذي كان ناديا ثقافيا بامتياز استحال إلى مختبر للصور .. حين تمر بمحاذاة المكان تتراءى للذاكرة صور ووجوه بالأبيض والأسود وأطياف تستعيدها الذاكرة تنعكس على مرايا الواجهة تستعرضها الذاكرة في كل مرة،  فتكتشف أنها تختلف عن صور ووجوه اليوم الملونة والمثيرة.

* يوميات من دفاتر أوائل يونيو 1981

ذ. التهامي يسين


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...