هل المدرسة تقتل الإبداع ؟ بقلم د.الحبيب ناصري

بمجرد التحاق المتعلم  بمدرسته، وضمن منظومة تربوية مسطرة ومبرمجة ومكونة وتتبع جدولة زمنية في كل تفاصيلها، يصبح المتعلم “مقولبا” وفق محتويات وطرق بيداغوجية تتحكم في تعلماته ولا تدع له فرصة أن يقول ويفعل ويفكر ويحلم وفق صوت داخلي يسكنه، بل ما هو مبرمج هو الرسمي وغير هذا “مضيعة ” للوقت !.

الفروض والامتحانات وكل أنواع التقويم، هي مرهونة بما تعلم المتعلم ووفق ما هو موضوع. لا مجال للحلم داخل المدرسة، ولا التفكير في هوامش زمنية حرة، ولا منح المتعلم صوتًا حقيقيًا داخل المنظومة. كلنا نولد ونستقبل في هذا العالم ونحبو على الأربع، ونحاول الوقوف على الاثنين، ونتعلم  المشي و”الرأس” و”القلب” بهما أفكار ومواهب عديدة. لا الأسرة المهرولة نحو مهن العصر تترك أبناءها يبدعون ويحلمون وفق ما يعشقون، ولا المدرسة المهرولة نحو إتمام وإفراغ المقرر في جوف المتعلم ، تمنح فرصا حقيقية للكشف عن بوح المتعلم، ولا المحيط  الخانق لروح التفكير الحر، يدفع المتعلم نحو إبداع مولد لراحة نفسية ولتقوية مخيال، مهدد وفي المهد بالموت السريري. إذن، هل المدرسة تقتل الإبداع ؟.  ربما تحاول هذه المدرسة وخارج أوقات الدراسة أن تنقذ ما يمكن إنقاذه، من خلال تسطير بعض الأنشطة التربوية  الموازية، وكأن ذلك يأتي ضمن  رغبة لمحو “الذنب” الذي ارتكبته في حق متعلميها.المدرسة، بهذا نمطت وقتلت روح التفكير الإبداعي في المهد،  أما الأسرة فقد حفرت قبر هذا الإبداع وردمت عليه بالتراب!. مواهب عديدة يحملها المتعلمون في بواطنهم ولا يستطيعون البوح بها !. أنى لهم ذلك وهواجس الفروض والامتحانات وإنهاء المقرر و”عنف” الساعات الإضافية (في الليل والنهار)، وهرولة الأسر نحو البحث عن نقط مرتفعة تخول لأبنائها، ولوج  المدارس والمعاهد العليا للتباهي بها في لقاء عائلي، وعلى هامش احتساء شاي منعنع بعد انتفاخ البطن بمرق وما شابه ذلك!. مدرسة، دون فتح الطريق للمواهب والإبداع وللمبادرات الحرة، مدرسة مصيرها تضييع موارد مالية ومادية وبشرية عديدة دون عشق لنسمة الإبداع /الحياة!. يكفي اليوم لمتعلم في الإعدادي أن يقول لأسرته أنه يريد أن يصبح موسيقيًا أوسينمائيًا أو تشكيليًا…فماذا سيكون رد الأسرة الضاغطة على ابنها من أجل أن يكون  طبيبا أو مهندسا أو  ربان طائرة أو مدير شركة عالمية، الخ. مجتمع، دون تعبيد الطريق نحو الإبداع ، هو بالضرورة مجتمع سكيزوفريني!.

نحن اليوم في زمن عولمة رقمية مرعبة وممتصة لدماء الإنسان!. وحده الإبداع القادر على مبارزة هذا الغول التكنولوجي والتحكم فيه وتطويره وفق رؤى إبداعية حالمة. الإبداع، ينمي ويقوي الاقتصاد والثقافة والفكر ويغلق السجون ويناهض العنف والتطرف والتكفير والقبح، الخ. المبدع محب للجميع ومصغ لإيقاعات الإنسان والجماد والحيوان.  إنه مفيد للجميع .

متى تصبح مدارسنا، لاسيما في محيطنا العربي والافريقي، مجالا خصبا لخلخلة التمثلات السلبية وبناء تمثلات جديدة تتساير وطبيعة حلم المتعلم ورغبته في بناء شخصيته نحو ما يحب؟. متى تصبح مدارسنا مشتلا للخلق والتفكير المرهون بالمستقبل؟ بل متى يجد الإبداع طريقه لتوظيفه في بناء التعلمات وألا نرسخ، ومن خلال أنشطته الموازية، أنه خارج الدراسة(لقرايه)؟.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...