الحبيب ناصري يكتب : مدرس العربية وتمثلات متعلمه.

فكرة هذا المقال، ظلت تطاردني منذ عدة شهور. نسيتها، لولا لقاء تكويني مهني تعارفي سابق. عادة، وقبل البدء في  تقريب الطلبة الأساتذة من المحتويات  المبرمجة في التكوين وطبيعتها وقيمتها المهنية،  الخ ، نتعارف ونتقاسم مجموعة من الأفكار، وأقدم لهم مدخلا أوليًا، ويتعلق بطبيعة تمثلات المتعلمين حول مادة اللغة العربية وآدابها ومدرسها في التعليم الثانوي بشقيه (الاعدادي والتأهيلي)، أكيد، فهذا المتعلم قد كبر وبدأ يعرف ما يقال حوله. تمثلات عديدة كونها حول اللغة العربية، بالمقارنة مع الفرنسية والانجليزية وبقية المواد العلمية القحة، كالرياضيات والفيزياء، الخ. أصبح، يعرف جيدا أن المستقبل المهني والعلمي والتقني يميل للغات الأجنبية  والتخصصات الهندسية والطبية والاقتصادية والرقمية، الخ. الفضاء العمومي البصري، لا تحضر فيه العربية إلا بشكل نادر. لائحة الأطعمة والمشروبات في المطاعم والمقاهي، في وطنه، هي بالفرنسية، في وسط المغرب، وفي شماله وجنوبه هي بالاسبانية، بل حتى ولو قدر لجدتي رحمها الله، وهي المرأة التي حاربت الأمية، أن تذهب لمطعم بحثًا عن وجبة كسكس مغربي، صحبة أحد أحفادها، ستجد كل شيء بالفرنسية إن كانت في وسط المغرب، مثلا.

مرة، سألت صاحب مطعم عن السبب في كتابة كل شيء بالفرنسية، ابتسم وقال لي (داخلة في الماركوتينغ)!. المتعلم إذن، بدأ يميز بين المواد  الدراسية. يكفي، مثلا، أنه سيجد في الأولى ثانوي علوم رياضية أو فيزيائية أو اقتصادية ، الخ، (خلال مساره الدراسي)، أن معامل اللغة العربية (2)  والفرنسية(4)، سيعرف بعد مدة زمنية لاحقة أن كل المستقبل هو للغة الانجليزية. يكفي أن نستحضر صورة الأسرة،  وابنتها أو ابنها  وهو لا زال في التعليم الأولي ويبدا في التكلم ببضع كلمات بالفرنسية، كيف تصبح فرحة بهذا وبشكل غريب ولا يحضر بالشكل نفسه، وابنها مثلا يكتب كلمات عربية فصيحة. لعله تفريغ نفسي وتعبير عن حب هذه الأسرة لتعلم هذه اللغة التي لم تتمكن، لا الأم ولا الأب، من تعلمها .

مؤشر اللغات الأجنبية في كل دولنا العربية، يندرج ضمن ما ذهب إليه ابن خلدون رحمه الله،  بثنائية الغالب والمغلوب، إحساس المتعلم، وهو أمام مدرسه لمادة اللغة العربية،  ليس هو نفس الاحساس، وهو  أمام أستاذ اللغة الفرنسية أو الإنكليزية.

من الصعب أن يبني مدرس اللغة العربية بعض التعلمات الخاصة بموارد اللغة العربية، دون وعيه بهذه التمثلات

ما العمل ؟ بين يديه، أي المدرس لهذه المادة، حلول عديدة خارج لغة التنقيط والتهديد بعقوبات إدارية/تربوية، إن كان المتعلم  غير راغب أو متهاون في تعلمه للعربية. يبدو لي تعلم مبني على تحسيسه بقيمة تملكه للعربية، كقيمة ثقافية مضافة، مفتاح من مفاتيح عديدة، من الممكن أن يوظفها هذا  المدرس في أفق تحبيبه متعلمه لهذه اللغة العربية، التي هي اليوم يدافع البعض عنها بكونها لغة القرآن الكريم ولغة الدين الإسلامي. دفاع من الممكن أن يدفع هذا البعض في اتجاه ربطها (أي اللغة  العربية) بهذه الوظيفة فقط !. دفاع وجداني غير مدرك أن هناك من  قد يصلي بغير العربية  فهل الله لن يقبل صلاته ؟. في جميع الحالات علينا أن ندرك أن لغات التدريس وتدريس اللغات، حقل ملغوم وتم أدلجته دون إعطاء المكانة الحقيقية لأهل التربية والبحث العلمي والفكر، الخ، الفرص العديدة والحقيقية لتقديم وجهة نظرهم في الموضوع بمعزل عن أي صراع سياسوي حول هذا الاشكال الصعب والمعقد، في ظل عالم تقوده اللغة الإنكليزية من حيث   كل ما هو علمي  وتقني،  دون نسيان لهذا التحكم الطبي والتكنولوجي والهيمنة الرقمية والمالية والاقتصادية، الخ.  كل هذا يدفع في اتجاه خلق “مفاضلات” عديدة  بين اللغات وآدابها، وربما حتى في  التعليم  العالي . ربط تدريس اللغة العربية بالفنون والثقافة والتربية على الذوق/الجمال،  الخ، مدخل تربوي مهم، قد يدرك المتعلم قيمته  ويصبح راغبا في هذه اللغة التي هي زاد معرفي وجمالي مفيد له حتى وإن اختار تخصصات تقنية وعلمية لها قيمتها المستقبلية والمهنية الجذابة.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...