بيار بورديو – الموسيقى شيء جسمي بقلم: أسامة البحري

ينطلق بورديو في تحليله لعلاقة الموسيقى بالجسد ، من فكرة الذوق العميق و علاقته بالاجتماعي ، مسلما بان الموسيقى هي شيء جسمي ، فهي تستهوي و تثير بقوة بنيات الجسد ، أي انها تشتغل  ابعد من تأثير الكلمات  على الجسد ، لانها تتمظهر مباشرة بلاوعي اجتماعي في حركات الجسم من خلال الاندفاع و التوتر و التمهل ، فهي اذن اكثر الفنون جسمية ، و في هذا السياق انتقل بورديو للحديث عن تغايرات الأذواق حسب طبيعة الشروط الاجتماعية و علاقتها بالجسم ، مستخلصا ان هذه التغايرات ناتجة عن بنية الطبقة الاجتماعية التي يتنتمي لها الفرد ،  فالعلاقة بين الموسيقى و الذهن يتوسطها وسيط الذوق ، و يعني الذوق حسب بورديو سوسيولوجيا ،  الرابط بين المرغوب فيه و الجسد ، فالذوق كما يقول بورديو هو مجمل الدراسات و ممتلكات شخص ما أو مجموع تناسق سابق بين الشيء و الذوق ، فحينما أقول وافقني هذا الشيء ، فإنني أقول لقد وجدت الشيء الملائم لبنية ذوقي الذهنية ، و البنية الذهنية طبعا كما يعرفها بورديو في كتابه الحس العملي هي خطاطات ذهنية ثقافية  تستدمج في الجسد باحكام عبر التنشئة  ، فالعلاقة اذن بين الموسقى و الجسد حسب بورديو ، هي علاقة يتلاقى فيها التوقع بالتحقق ، اي التلاقي  بين الاستعداد و النغمة ، (النغمة و الرقصة بكونهما ممتدين عن الاستعداد ، امتداد نوعية النغمة في بنية التفكير ، ارتباط نوعية هذا التفكير بالجسد و الحقل )، أي ان طبيعة النوتة الموسيقية ، بنى مبنينة اجتماعيا ،  تستدمج في بنية الذهن مما يجعل منها استعداد ينعكس على شكل خصوصية الجسد المتحرك ، فعلاقة الذوق الموسيقي  بالجسد ، حسب بورديو يخضع لعلاقة هي نفسها العلاقة التي تربط الفرد بالحاكم ، فهو اذن نتاج للالتقاء بين ما تموضع سابقا في الذهن ،  و ما هو متموقع ، و متوافق عليه نظريا بين الاول و الثاني ، فاكتشاف شيء او تجسيد و تجسيم هذا الشيء ، يجب ان يتوافق مع ذوق الشخص ، ففي الذوق تكتشف الذات نفسها و تفهم  ضمنيا طبيعة الموضع و الطبقة  الذي تنتمي لها اجتماعيا ، و يكمن الدور الرمزي للفنان حسب بورديو في تحوليه للذوق الى الموضوع ، و لكن حسب طبيعة الذوق المرتبط بطبيعة الطبقة التي سينتمي لها هذا الموضوع ، لكن لا يجب حسب بورديو ان نغفل ان الفنان يحول لنا كما يفعل الباحث نظريا ( الضمني الى المصرح به فهو اكتشاف اذن لكنه اكتشاف خاضع لطبيعة البنية الطبقية  )، و لهذا فان الموسيقى مجال يتكون من طبقات , فالروحانيات للطبقة البرجوازية و اغاني التسلية للطبقة المغتربة ، و مهمة الفنان هنا حسب بورديو الذي له ايضا انتماء الى طبيعة الطبقة  ، هو تحويل الافراد معه من الممكن الى الكامن ، حسب خلفية الطبقة ، فهو اذن حسب بورديو حس عملي يساهم في اعادة انتاج الافراد ، و ذلك من خلال بنية الذوق الذي يتمثل في مجموعة من الاختيارات التي قام بها شخص معين من خلال بنيته الذهنية الناتجة عن عقل اسطوري مستدمج باحكام في الاجساد ، فهي نتاج  التقاء بين الذوق المتموضع من الفنان و ذوق المستهلك ، و هذا طبعا على المفارقة الطبقية ، فهذا ان حسب بورديو مجال يتكون من حقول ، نجد فيها تضادات من قبيل ” غامض / واضح ، صعب / سهل ، عميق / سطحي ” فهذه البنى اذن تمثل مواقع مختلفة مشكلة حسب بورديو مفارقة في المعتقد الموسيقي ، و بهذا فانها تمثل مواقع مختلفة في المجال الفني ، و بذلك فانها تقيم اللغة الدارجة تقابلا بينها على غرار التقابل ” متقدم / تفى عليه الزمان ، وطليعي / انتمى الى الخلف ” فهذا اذن عبارة عن مجال محكوم بتاريخ الانتاج ، و يعبر عن الصراع الرمزي بين الطبقتين ، فهي اذن عملية تعيد الجديد الى القديم  : الطبقة الكادحة ” موسيقى الشعبي الستاتي نموذجا كقديم الخ / الوايواي كجديد ” لكنها رغم هذا التغيير فانها تحافظ باللامتغير في الذوق ، لانه ليس فقط استعداد فردي بل هو استعداد اجتماعي يتكلم باسم مفارقات المجتمع المبنية تاريخيا و المستمرة عبر عنف رمزي غير محسوس للافراد ، فالموسيقى اذن شيء جسمي لانها تعبر عن استعداد مستدمج في الجسد على شكل ذوق ، ليست خاصيته الانطلاق من الارادة الى المراد ، بل خاصيته اجتماعية رمزية تتمثل في اعادة انتاج الطبقتين كمجالين متمايزين


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...