حوارات مع الباحث في علم الاجتماع عبد الهادي الحلحولي زمن الكورونا

الحوارات التي ننشرها فيما يلي للدكتور والباحث في علم الاجتماع عبد الهادي حلحولي من تجميع الباحث: أسامة البحري

 

 1 – كورونا و حالة الطوارئ

 

س :  كيف ترون طريقة تعاطي الساكنة مع حالة الطوارئ؟

 

أولا نحن أمام وباء جديد على الناس على الأقل في القرن الواحد والعشرين في الوقت الذي تحتفظ فيه الذاكرة الجماعية ببعض الترسبات التي تركتها الأوبئة خلال القرون التي خلت. لقد أفسد هذا الوباء على كافة الافراد والمجموعات بجل الدول نمطية نظام حياتهم وتمتعهم بوقتهم وحميمية العلاقات والفضاءات.

هذه خلاصة أساسية.

لكن عبر مجموع الدول باستثناء البعض منها كالصين، لم نشاهد التزاما كليا وفوريا بالمكوث في المنازل بمجرد إعلان الدولة لحالة الطوارئ الصحية. الشيء الذي يطرح السؤال من جديد أن الالتزام الفوري بمثل هاته الاعلانات هو قضية نسبية تختلف بين الفئات الاجتماعية والشرائح والهويات المحلية وبطبيعة النظام السياسي.

لذلك، كل الصور التي وصلتنا عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، توضح أن هناك تجاوبا بالحواضر الكبرى والمتوسطة، بحيث كل ما اتجهنا من مراكز المدن إلى أحوازها، كلما قل هذا الالتزام. غير أن الوضع الصحي الذي وصلت اليه بعض الدول استطاع أن يذيب كل “مقاومة” للامتثال لحالة الطوارئ الصحية. هنا تحديداً، اتضح بالملموس، أن الكيفية التي تعاملت بها الدولة المغربية بأجهزتها الأمنية والصحية، كانت جد محددة، ليس في تدبير الوباء وسرعة انتشاره، بل حتى في حث الأفراد والجماعات على التطبيق الأمثل لحالة الطوارئ الصحية.

 

س :  بماذا تفسرون استمرار التجمعات خصوصا في الأسواق، برغم التحذيرات والقرارات التي تم اتخاذها من قبل السلطات؟

لربما هذا من بين أهم العوائق التي تعترض الدولة المغربية في أجرأة حالة الطوارئ الصحية. ليس لكون هؤلاء لم يلتزموا بالتعليمات والضوابط الصحية، بل كلما كنا أمام هذه الفئات الإجتماعية، كلما كنا أمام شريحة إجتماعية لها خصائصها السوسيواقتصادية من جهة، تعيش وتقتات من وعلى نظام الأسواق إما الأسبوعية أو المحلية مثل ” السويقة”. كما تتميز بهيمنة لسجل اجتماعي وثقافي، تفكر وتدبر من خلاله علاقتها بالصحة والمرض، حيث يتداخل الثقافي بالاجتماعي بالديني ( الوبا قضاء وقدر، الدواء موجود في الطب الشعبي، هاد الشي لي حنا فيه اكثر من كورونا…إلخ)، هنا، نسجت مجموعة من النكت الشعبية، والستاتيات  des statuts  على الفاسبوك تقلل من هذا الذي اسمه ” كورونا”. لذلك، في نظري، الالتزام هنا هو قضية تنمية بامتياز.

□ هل تعتقدون أن السلطات راعت في الإجراءات المتخذة الواقع الفعلي للساكنة؟

في اعتقادي، من المحتمل جدا أنها استحضرت مدى علاقة الواقع الفعلي للساكنة بخصوص كل إجراء على حدة. صحيح ليست لدينا صورة عن الكيفية التي حضرت بها هذه العلاقة في ذهن الفاعل الرسمي. لكن ككل الدول عندما تتعامل مع أزمة وبائية تحديدا، تستحضر نظام الأوليات، فالاوبئة أكثر من الحروب، فهي مجال اللايقين بامتياز، حيث السرعة وعامل الانتشار الحلزوني أحيانا والعنقودي أحيانا أخرى، لذلك، في نظري، لاحظنا في كل اسبوع، تتخذ الدولة المغربية إجراءات تختلف من حيث الشكل والحجم؛ مثلا في الأسبوع الأخير من شهر مارس، لاحظنا إجراءات موجهة إلى الفئات الفقيرة والهشة بعدما اتخذت إجراءات أخرى مختلفة في الأسبوع الذي سبقه.

□  بني ملال على غرار العديد من المدن المغربية تعرف وجود فئة من المشردين، ألا ترون أن هذه الفئة هي الأكثر عرضة للإصابة؟ في نظركم، وانطلاقا مما اتخذ من إجراءات، هل أخذت السلطات العمومية وضع هذه الشريحة بعين الاعتبار؟.

كما قلت أعلاه، من المفترض جدا أن الدولة استحضرت هاته الفئة، الدليل على ذلك، هو تحرك مؤسسة التعاون الوطني وبعض الجمعيات التابعة لها. غير أن هذا الفعل يظل محدودا ( جلب المشردين من الشارع ووضعهم في مركز اجتماعي خوفا من العدوى..). لذلك، يظل هذا الفعل محدودا في الزمان والمكان أيضا. هنا تجدر الإشارة، إلى أهمية أشكال التضامن الاجتماعية التي بزغت كانعكاس لانتشار هذا الوباء بالمجتمع المغربي تجاه فئات مثل التي ذكرتها في سؤالك. أغتنم الفرصة هنا لأشدد على أهمية الأشكال التضامنية وضرورة تطويرها في المستقبل القريب، لأنها المدخل نحو نمط جديد من العيش المشترك.

عموما، برهن كورونا-19 أن هناك لامساواة اجتماعية أمام الوباء خاصة بالنسبة لمثل هذه الفئة. لذلك، في نظري، من بين نتائج هذا الوباء، ضرورة إعادة النظر في نواحي عدة من السياسة الاجتماعية بالمغرب في المستقبل. لذلك، لن يكون نفس الوقع وبدرجات تقربية بين مختلف الفئات الاجتماعية بالمغرب لوباء كورونا حتى الذين شملتهم المساعدات المالية. وعليه، كل الإجراءات التي اتخذتها الدولة مهمة وذات فعالية، لكن يجب التفكير في ما سيخلفه وباء كورونا من انعكاسات اجتماعية خاصة بالنسبة للفئات التي تعيش هشاشة أو فقرا مدقعا. هنا، في نظري، يجب التفكير في إجراءات أخرى ما بعد كورونا

 

2 _ العنف ضد المرأة في زمن كورونا

 

البداية  معك  أستاذي ، هل للعنف علاقة بموروث وثقافة ذكورية تنحو نحو السيطرة في ظل مجتمع عرف متغيرات كثيرة ؟

إن التفكير في العنف بين الذكور والإناث هو تفكير في إشكالية علاقات الهيمنة التي تخترق كل مجالات الفضاء الاجتماعي، بحيث لا يخلو أي مجال من هذا النوع من العلاقات التي تقوم على تملك موارد ورساميل اجتماعية كانت رمزية أو اقتصادية أو اجتماعية. لذلك و لفهم إشكالية العنف الممارس في ظل هذه العلاقة يجب ان يتم بناء على هذه الخلاصة السوسيولوجية، كما أن هذه الأخيرة لا تخترق المجتمع الواحد بل جل المجتمعات ، إما بدرجات متساوي أو متفاوتة.. ومن يعتقد عكس ذلك، فاعتقاده ضرب من اليوتوبيا.

كما لا تخلو ما تمرره مجموعة من الهيئات حول مسألة العنف من يوتوبيا عندما تنظر إلى العنف في اتجاه واحد أي ممارس من جانب الذكور تجاه الاناث،  بحيث تكشف مجموعة من الدراسات اليوم أن ممارسة هذا السلوك يختلف حسب طبيعة العلاقة وتملكها وتملك مواردها الاجتماعية.

لذلك نجد العنف يتزايد في المجتمعات التي تمتلك فيها مجموعة بشرية ما من قبيل الذكور رأسمالا ثقافيا او اقتصاديا كالنفقة والمكانة الاجتماعية القائمة على الجنس البيولوجي ويتحول العنف لصالح الجنس الآخر عندما تتغير هذه الشروط.

ربما هو صدام بين ثقافتين وجيلين ، ونساء ينزعن نحو الحرية ورجال يحاولون السيطرة على أدوارهم الكلاسيكية؟

بما  أن المجال الاجتماعي الذي يتحرك بداخله الأفراد هو مجال ثقافي بالمعنى العام وهو مجال التجاذب الثقافي كذلك، أي أمام فئات أو مجموعات أو أقليات اجتماعية نكون أمام شبه ثقافات فرعية التي تشتعل داخل نفس المجال. المثال هنا هو ثقافات الذكورة الأنوثة، أحيانا تشتغل في تناغم وانسجام وتوافق إن صح التوصيف، وهنا افتح القوس للقول من الضروري تجاوز المقاربة الكلاسيكية التي توفرها العلوم الاجتماعية في مقاربة موضوع العنف خاصة عندما نكون أمام مجالات تتغير فيها المعطيات ( ازواج لديهم نفس المستويات التعليمية، دخل قار، ولوج إلى الفضاءات العمومية….) بمعنى أدق، تصبح القيم التي يحملها كل واحد هنا عن الآخر وعن المؤسسة الأسرية كفضاء لبناء المشترك؛ محدد أساسي لإنتاج العنف أو التفاوض حوله.

3 – ارتفاع نسبة الطلاق في زمن الجائحة

 

كشفت إحصائيات وزارة العدل، ارتفاعاً مهولاً في نسب الطلاق بالمغرب لسنة 2020، وهي الأرقام التي فسرها الباحث “السوسيولوجي” عبد الهادي الحلحولي، بالظروف الاستثنائية التي عرفتها المملكة، بسبب فيروس “كورونا”، وما صاحبها من إجراءات أبرزها الحجر الصحي الشامل، مؤكدا على أنها ظروف “زعزعت استقرار الأسر والمهن والعلاقات”.

وجاء في إحصائيات وزارة العدل، أن محاكم الاستئناف بالمملكة سجلت خلال سنة 2020 المنصرمة، ما مجموعه 3863 حالة طلاق في المغرب، بينما سجلت المحاكم الابتدائية خلال السنة نفسها 109229 حالة طلاق.

الظاهرة استفحلت في فترة أزمة كورونا، لكن أسبابها متداخلة ومتنوعة. ولتسليط الضوء أكثر على واقع “الطلاق” بالمملكة، حاور “الأيام 24 “، أحد الباحثين في السوسيولوجيا، وهو الأستاذ الجامعي عبد الهادي الحلحولي، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال.

هل يمكن ربط كورونا بالأرقام التي سجلها المغرب في نسب الطلاق؟

من المؤكد أن لآثار جائحة كورونا نصيب على الأقل بخصوص الأرقام الأخيرة، فهول الجائحة، امتد لزعزعة استقرار الأسر والمهن والعلاقات، فقدان العمل وخصم الأجور والتعويضات والسكن والتنقل، كلها في اعتقادي، إن لم تكن أسبابا مباشرة للطلاق، فإنها عوامل من الدرجة الثانية، وراء انتشار الظاهرة في صفوف من هم عرضة لآثار الجائحة.

ما هي الظواهر التي قد تخلفها ارتفاع نسب الطلاق بالمغرب؟

لعل أهمها في نظر، لا يتوقف عند ما هو مادي، يهم النفقة والاعتياش اليومي، بل يمس كذلك حتى الفئات التي لا يطرح لديها مشكل من هذا الصنف. مما يعني أن الظاهرة واحدة وأسبابها متعددة، ترتبط بالمجتمع وسيروراته الاجتماعية والثقافية، إذ بات قبول الآخر والعيش في كنف قيمه، مسألة نسبية، تقبل الرفض كما تقبل القبول.

لذلك ، لعل ما يخلفه ارتفاع أو تزايد نسب الطلاق داخل المجتمع، هو ولادة جملة من الظواهر الاخرى خاصة التي تمس الأطفال تحديدا. فالطفل الذي ينمو في مثل هذا الجو الأسري، يتأثر به كما يتأثر بغياب الدور الذي من المفروض أن تشغله البنية الأسرية في علاقتها ببناء طفل ككائن اجتماعي، يتنفس روح الأسرة وقيمها. من ناحية اخرى، في اعتقادي، تعتبر المرأة أول متضرر من حالات الطلاق في مجتمع مازالت الانثى تسير وفق نمطية عامة والينبغيات الأخلاقية. لذلك يخلق لنا الطلاق ظواهر من جنس ثان، اولى ضحاياه الطفل مفردا أو جماعة ثم الام/الانثى، والمجتمع في نهاية المطاف، لأن كلفته ليست اجتماعية، بل هي كذلك اقتصادية وتنموية.

ما هو التفسير السوسيولوجي للتغيرات التي صاحبت العائلة المغربية؟

ما سبق ذكره هو جزء من التفسير السوسيولوجي للعائلة بالمجتمع المغربي، أعتقد أن أهم ما يميزها اليوم هو تعدد الأنماط، بحيث ليس هناك نمط واحد ( ممتدة وأخرى نووية) بل أصبحنا أمام أنماط أخرى على سبيل المثال تلك التي تتكون من الفرد الواحد، ضف إلى ذلك، هناك تحول قيمي عميق، أصاب الشباب الذي هو الأن الفاعل المحوري في هذه البنية، مما ينذر بتحولات أخرى في المستقبل، قبل لا يقبلها الحس المشترك، من قبيل رفض الزواج والانجاب.

ما هي الحلول التي تقترحها للدولة من أجل الحد ولو نسبياً من هذه الظاهرة؟

بناء سياسة أسرية قائمة الذات، تقوي من وجود الفرد داخل البنية الاسرية والقضاء على أشكال التفاوتات الاجتماعية ضف إلى ذلك، إشكالية السكن خاصة بالمدن المتوسطة والكبيرة. على سبيل المثال، يعد هذا المشكل الأخير، عاملا حاسما أحيانا في استمرار الزواج من عدمه.

4- أسباب ارتفاع ظاهرة اغتصاب الأطفال بالمغرب

 

الحوار ، منقول من اللقاء الذي قدمته مقدمة راديو ميدي 1 اسماء باشري ، مع الدكتور عبد الهادي الحلحولي

 

في البداية قامت مقدمة البرنامج اسماء باشري ، بتقديم ضيف الحلقة ، و هو الدكتور عبد الهادي الحلحولي : استاذ السوسيولوجيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بني ملال ، من بعدها استهلت مقدمة البرنامج حوارها مع الدكتور ، قائلة : ظاهرة اغتصاب الاطفال ، هي ظاهرة عالمية لا تقتصر على بلد دون آخر وليست وليدة الساعة لكنها انتشرت في الاونة الاخيرة وسط المجتمع المغربي، اولا استاذ ما هو رأيكم في هذه الظاهرة التي اصبحت حديث وسائل الاعلام في عدة دول ؟

اولا شكرا على الاستضافة ثم على طبيعة السؤال ، اولا اريد التعليق عن هذه المسألة ، انتشار الظاهرة في هذه الآونة الاخيرة .

علميا ليس هناك ما يؤكد هل الظاهرة انتشرت في الآونة الاخيرة، ام أنها كانت دائما منتشرة و لكن كانت متخفية؟

اذن هذا السؤال لربما يحيرنا جميعا كباحثين و مهتمين بهذه الظاهرة بإعتبار ان ظاهرة اغتصاب الاطفال او استغلال الاطفال هي من بين الظواهر الاجتماعية التي تشتغل في صمت ، بمعنى اخر لا نعرف متى و اين وكيف تمت؟ وهي من الظواهر المسكوت عنها و التي لا يمكن ولا يستطيع سواء الطفل او اسرته البوح بالفعل، لهذا لا يمكن ان نعرف تحديدا بشكل دقيق مسار هاته الظاهرة، هل هي انخفضت؟ ام كانت منتشرة؟

لكن الجديد في هذه الظاهرة هو انه اصبحت لدينا وسائط تجعل هاته الظاهرة تظهر، و المسألة الثانية هو ان هاته الظاهرة تظهر عندما ينتقل الفعل الى فعل القتل ، دون ذلك تبقى الظاهرة في صمت .

دكتور بما اننا في سياق موضوع قضية الطفل عدنان التي هزت المجتمع المغربي والتي كانت سببا في عودة هذا الموضوع الى الواجهة كما ذكرت هل يمكن أن نعتبر ان ظاهرة اغتصاب الاطفال قد تفشت و انتشرت في الاونة الاخيرة؟ ام المتغير هو ان وسائل الاعلام و التواصل الاجتماعية التي شجعت و ساهمت في كسر هذا الصمت على اعتبار ان مثل هذه القضايا و الحوادث تبقى من الطابوهات؟

بالفعل هذا ما قلته و هذا ما احاول قوله، هو ان مثل هذه الظواهر ،اغتصاب الاطفال ، هي موجودة بكثير مما هي عليه او كما تظهر في وسائل الاعلام.

اليوم مثلا و في كل لحظة و في كل هنيهة نسمع ان هناك عشرة اطفال او هناك خمسة او هناك ثلاثة… لكن الجديد كما قلت هو ان وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعية هي التي جعلتنا نعرف احيانا حالات معزولة في بعض المناطق.

لكن انا اعتقد ان الواقع هو اكثر من ذلك بكثير، لذلك كما قلت في سؤالك ان وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي يمكن ان تلعب دورا كبيرا في الكشف على الاقل عن جانب من هذه الظاهرة بالمجتمع المغربي .

 

بالنسبة للحوادث الاخيرة كحالات الطفل عدنان او حتى مؤخرا الاعتداء على القاصرات من طرف امام مسجد لاحظنا انها سجلت بمدينة طنجة او بشمال المغرب، هل برأيكم هناك عوامل تساهم في انتشار هاته الظاهرة او تجعلها تستقر بمناطق اكثر من غيرها؟

بالفعل قد اجازف بالقول بالرغم من انه ليست لدي مجموعة من الدراسات لكي اقول ان هذه الظاهرة تنتشر في مدينة ما او في جهة ما ،و لكن بالنسبة لي فيما يخص سؤالك بالنسبة للعوامل فإنه حسب مختلف الدراسات التي انجزها مجموعة من الباحثين في السابق هو انه هناك عوامل مشتركة، ومن بين هاته العوامل هو طبيعة الثقافة السائدة و خاصة الثقافة المحلية

ثانيا لا زالت عوامل الفقر و الهشاشة عندما تلتقي مع هذا النوع من الثقافة السائدة ، تجعل هذا النوع من الممارسات ينتشر.

أعطيك مثالا ، عكس ما وقع في مدينة طنجة “مثلا في المدن الساحلية في المغرب تنتشر هذه الظاهرة” بمعنى تتحول كل عوامل الاقصاء و الفقر و الهشاشة الى عوامل جذب نحو انتشار هذا النوع من الظواهر الاجتماعية، علاوة على الثقافة السائدة او الثقافة المحلية مثل ما حدث مع فقيه طنجة و هذا نموذج يقع في مجموعة من المناطق بالمغرب يعني ان هذا النوع من المجالات الاجتماعية تجعلنا نكتشف هذا النوع من الممارسات اتجاه الاطفال.

 اذن دكتور دائما في اطار العوامل التي تساهم في انتشار هاته الظاهرة ، عدة دراسات افادت مؤخرا ان تدابير الحجر الصحي التي اتخذت لمنع تفشي جائحة كورونا ساهمت في ارتفاع نسبة الجرائم و العنف وفي هذا السياق كانت العصبة المغربية لحقوق الانسان ، حذرت من تفاقم عدد حالات الاغتصاب في صفوف الاطفال بعد رفع الحجر الصحي بسبب ما أسمته بحالة الكبت التي يعيشها البيدوفيلي ،قياسا على هذه التقارير، هل هذه الجرائم ،جرائم اغتصاب الاطفال يمكن ان تنخفض او تتلاشى في القريب العاجل؟

لا، المسألة لا ترتبط بالحجر الصحي او برفعه او عدم رفعه، يمكن انه في لحظة من لحظات الظاهرة الاجتماعية انها تزداد حجما في زمن معين و في مكان معين ، و هذا يحيلنا الى مسألة مشتركة بين جميع الظواهر الاجتماعية وهو انه يمكن أن تتذبذب و تتأرجح في لحظة من اللحظات لكنها ترجع الى الواجهة في لحظات اخرى.

مثلا كما قلتِ في الحجر الصحي من الممكن في لحظة معينة ان ترتفع الظاهرة لكن لا يمكن القول بأن هاته الظاهرة تزداد او تنقص كلما رفعنا الحجر الصحي، ولا اعتقد ذلك بتاتا لأن عوامل الظاهرة الاجتماعية كإغتصاب الاطفال ، لا ترتبط بتاتا بمسألة الحجر الصحي بل ترتبط بالعوامل انفة الذكر وهي كما قلت الثقافة المحلية و التي تتحول كمحدد للتربية و العلاقة مع الاخر و ترتبط ايضا بكل عوامل الفقر و الاقصاء و الهشاشة بالاضافة الى عوامل الامية التي تنتشر داخل المجتمع الواحد.

في سياق حالات مماثلة للطفل عدنان وما حدث للقاصرات ما الذي يمكن في رأيكم ان يحد من انتشار هذه الافاة؟

هو اخراج المجتمع من حالة الامية، هو نشر التعليم النقدي، هو هدم كل الاشياء التي تجعل من الاخر لا انسان يفكر بكل حرية، ثم كذلك عامل التنمية اي اخراج الافراد و الجماعات و الاسر من حالة العوز و من حالة الفقر و الاقصاء، هذا عامل في نظري يمكن بالاضافة كما قلت الى هدم الثقافة السائدة التي احيانا تلتقي مع ايديولوجيا ما، كل هاته العوامل في نظري يمكنها في المستقبل اذا ما اشتغلنا عليها كمؤسسات و كفاعلين و كباحثين يمكن ان تحد من هاته الظاهرة

5 -” كورونا و مسرحية الألم والعلاج”.. عبد الهادي الحلحولي

لماذا هناك دائما صراع بين الطب العصري و الطب الشعبي ، في حين أن المرضى لا يرون ذلك ؟

الصراع لا يظهر للعيان بين مكونين للعلاج ، بل هو صراع ابستيمولوجي ، من حيث النظرة الى الجسد و النظرة الى أسبابه و مظاهره و مسبباته ، بل و هو كذلك صراع على مستوى ما يسمى باستراتيجيات العلاج، لذلك فهو صراع خفي (ابستيميا). لفهم هذه المسألة يكفي الرجوع الى كل ما انتجته التصورات الاثنو طبية في هذا الصدد.

مداخلة د عبد الهادي الحلحولي :

تتأسس هذه المداخلة التي أقترحها عليكم الآن ، على فكرة أساسية ، سوف اقوم باستعارة ما سماه ارفين غوفمان ، مسرحية الحياة اليومية للافراد و ذلك لقرب و وجاهة هذا المفهوم في قراءة و بناء اثنوغرافيا طبية بالعالم العربي و بالمغرب خاصة، زمن كورونا .

لقد خلقت لنا جائحة كورونا في ارتباط مع هذا المفهوم واقعا اجتماعيا ، اي لعبة مسرحية ، لها أدوارها الاجتماعية و فاعلوها و انتظارات الاخرين من هاته الادوار ، لقد انخرط الكل في اللعبة المسرحية و انتهو جميعهم بتملك المشهد المسرحي كمقابل للفظة المشهد المسرحي La scéne و لم يكن من الممكن ان ينفلت اللاعبون من مستلزمات الوضعيات الحقيقية التي يصطدمون بها كل يوم و كل لحظة في حياتهم اليومية ، زمن كورونا و لبسط محاور هاته المداخلة سوف أعرج على بعض الملاحظات الاثنوغرافية التي قمت بتجميعها ما بين الفترة الممتدة ، لحظة اكتشاف اول حالة وباء كورونا ،إلى غاية انتهاء المرحلة الاولى من الحجر الصحي ، و هذه الملاحظات هي على الشكل التالي ، اولا ما سجلناه في هذه المرحلة ، هو ولادة طقوس خاصة للكشف عن المصابين المحتملين بالفيروس ، و طقوس خاصة كذلك لنقل المصابين سواء من المختبرات الطبية أو من منازلهم الى المصالح الطبية التي حدد لهذا الغرض ، ماذا نسجل على المستوى الاثنوغرافي ؟

نسجل حذرا زائدا للمهنيين ، توجس ، تجمهر الناس حول منزل المصاب ، أسئلة حول مصيرهم الى غير ذلك ، كما نسجل ايضا على المستوى الاثنوغرافي داخل كل مصلحة طبية أعدت لهذا الغرض ، عدم الاقتراب من المصاب من قبل الاطباء ، و من قبل الممرضين او التحدث معه ، بل ان التحدث معه كان خلف الستار و أحيانا الغذاء كان يوضع امام غرفة الاستشفاء ، كما يتم استقبال المرضى و التعامل معهم عن طريق منصة او قاعة جهزت بالكاميرات و مراقبة المرضى عن بعد و بلباس احيانا للعزل و الوقاية او لباس جراحي .

الملاحظة الاثنوغرافية الثانية : و هي تهم ما يسمى بضبابية العلاج و عودة الطب التقليدي في المجتمعات العربية ، المجتمع المغربي تحديدا ، نسجل هذه العودة من خلال إنتشار وصفات على اليوتيب و على الويب بشكل عام من خلال تقديم نصائح لاستعمال و لضرورة استعمال مجموعة من الاعشاب الطبية من قبيل القرنفل ، الشيح ، العسل المغربي ..

الملاحظة الاثنوغرافية الثالثة ، تهم تدبير لحظة الوفاة بكورونا ، و هنا أسجل و نسجل جميعا داخل المجتمعات العربية ، ولادة ادوار جديدة و لعبة جديدة و طقوس جنائزية خاصة بالمستشفى ، سوف اعود لها بالتفصيل لاحقا.

الملاحظة الاثنوغرافية الرابعة : تهم لحظة اعلان الشفاء من كورونا و هي لعبة جديدة لها مراسم احتفالها الخاصة، بحيث نسجل مرور المتماثل الى الشفاء ، بين صفوف العاميلن في المستشفى حاملين الورود و تحت تصفيقات العاملين ، بل يتم حمل ارتساماته أمام باب المستشفى ، كما كان يستقبل الذي تعافى من كورونا بالدف و الزغاريد بمحل سكناه و يتم تقديم التهاني من طرف الأهل ، اذن لمقاربة هذه النماذج الاربع من الملاحظة الاثنوغرافية الطبية سوف أقدم و أقترح الاشتغال و تحليل هاته النماذج الأربع ، من خلال براديغمات نظرية ثلاث .

اولا نحن الآن في زمن كورونا في ضرورة العودة الى ما انتجته الانثربولوجيا الطبية خاصة مع مارك اوجيه و ثانيا في ضرورة تأسيس انثربولوجيا طبية ، و قد اعادت كورونا براديغم الاثنو ميدسين او الاثنو طبي ، و اخيرا البراديغم الثالث هو الخاص بالانثربولوجيا المطبقة في المجال الطبي الاستشفائي ، سوف اقدم مدى وجاهة كل براديغم على حدة ، في ارتباط مع الملاحظات الاثنوغرافية سالفة الذكر .

فيما يخص البراديغم الاول : تكمن اهمية اطروحة مارك اوجيه ، في ان الالم و المرض يشتغلان كدال إجتماعي يقتضي تأويلا جماعيا لا فرديا و لا تقنيا ، كما يشتغل داخل نسبية ثقافية بمعنى الألم و المرض ، فالعلاقة مع الألم المترتب عن الكورونا يجب أن يفسر بناء على النسبية الثقافية و ليس على الكلية الثقافية ، أما التصور النظري الثاني فيشمل كل المونوغرافيات التي اهتمت بالممارسات الطبية سواء في المجتمعات الصناعية أو غيرها ، أذكر على سبيل المثال بعض المونوغرافيات ، كالخاصة بفوريستكريسون ثم لاكركنيش من خلال عمله الجاد الطب ، السحر الدين ، الذي خلص هذا الأخير ، و انا اعتبر هذه الخلاصة ذات وجاهة في قراءة كل هذه الملاحظات الاثنوغرافية ، و المتمثلة في أن الطقوس العلاجية التي أحدثها كورونا ظلت و هي دائما تحضر بصورة دراماتيكية بالمعنى المسرحي للكلمة ، و ترتب وفق مختلف التمظهرات الثقافية و الدينية المحلية ، دون ذلك لا يمكن فهمها ، أما المقاربة بالاثنوميدسين فهي تمكننا بالإلمام من جديد داخل المجتمعات العربية ” المغرب نموذجا” بحدة النقاش منذ ظهور الوباء عن الممارسات العلاجية الخاصة بالطب التقليدي ، و يمكن هنا الاشتغال على الفيديوهات التي تقدم وصفات الطب التقليدي لكورونا .

إن عودة هذا النقاش و السجال بين الطب الاكلينيكي الحديث و فعالية الطب التقليدي ،ينم عن قطبية معيارية داخل المجتمع المغربي تولدت نتاج إنتشار وباء كورونا و هي قطبية انتجت لفهم الوباء و كيفية اشتغاله و وصفه و تفسيره و كذا كيفية الوقاية منه ،بل لقد وصل الحد الى صراع بين المعايير الممكنة من النجاة من الاصابة من الفيروس ، و كذا الشفاء منه و الحيلولة دون الوفاة و هو صراع تقليدي تبرزه الاثنوطبية بين ما يعرف بين الطبيعانية الطبية و العلاج التقليدي ، و نحن اليوم في امس الحاجة الى اعادة التفكير في كل ما انتجته كورونا من صراع حول الخطاب المتمثل في كيفية الشفاء و الحيلولة دون الوفاة عبر هذه القطبية الاثنوطبية، في تفس السياق تبرز لنا الاثنوغرافيا الطبية بالمجتمع المغربي عن عودة نسق من المعتقدات الطبية الخاصة بالنظر الى المرض و الوباء كمرض فوق طبيعي مقابل أمراض طبيعية ، فالاول لا يمكن فهمه و خطورته تتجاوز الطب الحديث و أن العلاج لن يكون مصدره الا من السماء ، اما البراديغم الاخير لقراءة الملاحظة الرابعة فهو يشمل الانثربولوجيا الطبية المطبقة في المجال الاستشفائي في زمن كوفيد ، فمن خلال تتبع كل الفيديوهات و الخطاب الذي انتج على علاقة الفاعلين الطبيين و الممرضين في علاقتهم بكورونا ، نسجل مجموعة من المداخل الكبرى لبناء اثنوغرافيا طبية محلية خاصة سياق كوفيد بالمجتمع المغربي ، و هو اننا سجلنا وجود احترازات ، اجنحة طبية خاصة بالمصابين ، لا يسمح بالاقتراب منهم ، بل حتى انه خصص ممر لسيارة الاسعاف .

ثانيا : نسجل في حالة وفاة أحد المصابين بكوفيد 19 اننا امام طقوس خاصة لتدبير جثة الفقيدة ، و اخرى خاصة بإجراءات الدفن ، التي امتدت الى منع اسرة الفقيد من الاقتراب اليه و تقبيله و توديعه كما انه حذفت طقوس غسل الفقيد .

كل هذه الملاحظات تبين اننا امام وعي بالموت ووعي بالالم امام تدبير جديد للوفاة ، إن هذا التغير الذي لحق طقوس الموت داخل المؤسسة الطبية ، قد اثر الى حد ما على أهم مكون داخلها ألا و هو ما يعرف بتدبير تجارب الحياة داخل المستشفيات ، كما اثر و يؤثر الى حدود اليوم على نفوس العاملين من اطباء و ممرضين ، في هذا الصدد نرى انه تكمن اهمية الانثربولوجيا الطبية ، في احياء التساؤل حول هذا المكون الثقافي الخاص بتدبير الوفاة و الطقوس المرافق لها ، اصبح الفاعل الطبي في ظل كورونا يغمره التوجس و الخوف من الاصابة ، فقد اقصى التدبير الجديد للجثة كل حضور رمزي للاسرة في تقديم تحية الوداع .

لقد تغيرت اذن طقوس توديع الشخص المقبل على الوفاة ، قبل كورونا كان الفاعل الطبي يقدم له الماء و يتحدث معخ ، في ظل كورونا لم يبقى كل شيء من هذه الطقوس ذات البعد الرمزي في علاقتها بالجسد و الذات و الانسان ،اذن نحن امام ممارسة اجتماعية لم تعد قائمة بالمؤسسة الطبية بالمجتمع المغربي و عوضت طقوس اخرى سميت بطقوس كورونا

 

صفوة القول : عبر ممارسة اثنوغرافية طبية بالمجتمع المغربي ، نستطيع مجددا مساءلة العلاقة بين المقدس و المرض و العلاج ، و لقد اعادت كورونا النقاش من جديد بين التفسير العلمي و التقليدي للمرض ، و اخيرا لقد اعادت كورونا أهمية النظرية الفيبيرية حول النظرة الى الكون ” انسان – علاقة -طبيعة -ثقافة


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...