“المرشد في صناعة الفيلم الوثائقي” لعز العرب العلوي .. مرجع بيداغوجي من صلب التجربة

   -ملفات تادلة24- 

يعزز الإصدار الجديد للمخرج السينمائي والتلفزيوني عز العرب العلوي بعنوان “المرشد في صناعة الفيلم الوثائقي” التراكم المسجل وطنيا في التأليف السينمائي عموما، وفي الجنس الوثائقي بشكل خاص، تزامنا مع اتساع قاعدة الشباب المقبلين على هذا النشاط الإبداعي، دراسة وصناعة.

وتكمن أهمية الكتاب الصادر عن مركز سجلماسة للدراسات والأبحاث السمعية البصرية في 187 صفحة، في طابعه البيداغوجي إذ يزاوج بين العرض النظري والتوجيه التطبيقي في مسعى لإضاءة ذلك المسار الشاق والمغامرة المثيرة لتحويل الفكرة- المشروع الى الفيلم الجاهز للتفاعل مع جمهوره عبر مختلف الوسائط. ويتجسد هذا الازدواج في التقسيم الثنائي للكتاب الى محورين يتناولان “الفيلم الوثائقي بين الأمس واليوم” و “مراحل صناعة الفيلم الوثائقي”.

ويظل هذا التقسيم إجرائيا فقط إذ أن البعد العملي يحضر بقوة في الكتاب حتى بصدد تقديم وتحليل تاريخ تطور الفيلم الوثائقي، حيث يحرص المؤلف الذي يجمع هو نفسه بين الإبداع السينمائي مخرجا ومؤلفا ومنتجا، وتعليم السينما، على إبقاء القارئ المهتم في حالة يقظة وهو يستعرض منعطفات هذا الفن ويحلل أدواته ومقومات انجازه، بحيث يستدعي هذه العناصر في مسلسل الصناعة على أرض الميدان.

مغامرة الابداع الانساني في اصطدامه مع واقع يحول الى مادة بصرية ترتسم في مسار ملخص بتركيز منذ البدايات مع الصور البدائية التي أطل بها الأخوان لوميير على عالم متعطش الى دهشة الصورة المتحركة الى رهانات العصر الرقمي والأفق التفاعلي للإبداع الوثائقي. وفي خضم هذا المسار، يتوقف عز العرب العلوي عند قضايا جدلية مزمنة متضاربة المقاربات من قبيل سؤال الموضوعية والواقعية في الفيلم الوثائقي، ذلك أن حقيقة هذا النوع الفيلمي حقيقة ترى أو تلمس من زاوية نظر معينة. والأمر ليس مجرد جدل نظري أو موقف أخلاقي معلن ومفكر فيه، فاختيار الزاوية، الإضاءة، تركيب اللقطات وتعاقبها…كل ذلك يعبر عن وجهة نظر ما تجاه ظاهرة أو حدث.

يرصد الكتاب تزايد أهمية الحكي في الوثائقي في ما يبدو تقاربا مع الفيلم الروائي. فتقنية السرد تعطي قيمة مضافة للأحداث وتحرك مشاعر المتلقي وتجعله يشارك صاحب الرؤية تجربته الخاصة.

بين الوثائقي والتلفزيون قصة أخرى مكنت لهذا النوع السينمائي آفاق جديدة وإن بإكراهات تتعلق بسلطة البث والتوزيع. لقد أصبح التلفزيون من أكبر منتجي السينما الوثائقية ومستثمريها وعارضيها. بل انتقل في محطة نوعية الى دعم الفيلم الوثائقي الابداعي المرتكز على تجارب الواقع، وظهرت مهرجانات مختصة، وإن ظل البعد الدعائي حاضرا في الكثير من الأفلام التي تبثها التلفزيونات.

يسلط صاحب “أندرومان”و “كيليكيس..دوار البوم” الضوء على علاقة يتزاحم فيها التشابه والتنافر بين الوثائقي والتقرير الاخباري الصحفي. ثمة اختلاف وجودي من حيث الشكل الفني بين البعد الاخباري التقريري في الروبورتاج والبعد التحليلي والجمالي في الوثائقي. اختلاف في النص والمعالجة البصرية ومقاربة الموضوع والزمن. يلتقي الوثائقي والروبورتاج في البحث والتوثيق ويفترقان في ما عدا ذلك.

بهم مخاطبة شباب يعيش الابداع البصري من قلب العالم الرقمي، يلاحظ المؤلف أن تكنلوجيا التواصل حررت المخرج من قيود شركات الانتاج وسطوة موزعي الأفلام. بل إن الرقمنة تجاوزت التأثير المادي الانتاجي والمؤسساتي الى المستوى المفاهيمي حيث ظهر الوثائقي التفاعلي ووثائقي الويب الذي يصنع خصيصا للعرض على المنصات الرقمية متيحا تواصلا مباشرا مع الجمهور من خلال نصوص وصور وفيديوهات وبيانات..

يتوقف عند علاقة متشعبة ومتعددة المقاربات بين الوثائقي والتراث الوطني من حيث دوره كمادة أنثروبولوجية بصرية تشتغل على المقومات التراثية من رصيد شفوي وتقاليد وطقوس، لكنه يشدد على الحاجة الى تجاوز مرحلة إعادة انتاج المادة التراثية وتكريس طابعها الفولكلوري الى مقاربة إبداعية تجمع بين الفن والتوثيق.

أما في المحور العملي الذي يوجز مراحل صناعة الفيلم الوثائقي فيقترح عز العرب العلوي خطاطة لتدابير ملموسة، متعاقبة وأحيانا متزامنة، يتيح استيعابها من طرف المخرج الشاب تقليص هامش الخطأ وتدبير الجهد والتكلفة وفق خارطة طريق واضحة المعالم. من تصور مشروع الفيلم، يتدرج الى دراسة موضوع الفيلم والبحث عن التمويل وكتابة وبناء المشروع مرورا بالتواصل حول الفيلم وإدارة فريق العمل وصولا الى مرحلة التصوير والإخراج ثم وضع اللمسات الأخيرة قبل طرح المنتوج في محافل العرض والتوزيع.

وتعزيزا للبعد التطبيقي للكتاب، يمضي المؤلف الى استدعاء نماذج من أعمال وتجارب مخرجين ذوي بصمة متميزة في ساحة الانتاج السينمائي الوثائقي، ويجمعهم قاسم العمل على الذاكرة وتسليط الضوء على أوضاع الهامش المنسي أو المحجوب في المجتمع المغربي. يتعلق الأمر بأحمد المعنوني مخرج “الحال” وعلي الصافي صاحب “دموع الشيخات” وحكيم بلعباس سواء في أفلامه الوثائقية الصرفة أو في أفلامه الروائية التي تستدمج الرؤية والأسلوب الوثائقي.

كما يقدم عز العرب مقاربته الخاصة لصناعة المنتوج الوثائقي في مطبخه الابداعي الخاص، مقدما نموذجا لمشروع تعثر إنتاجه، حول الفنان الراحل محمد حسن الجندي، ومتكئا على تراكم هام جسده النجاح الذي حققته سلسلة من أعماله التي بثت في القنوات المغربية أو على شاشة الجزيرة الوثائقية من قبيل “المهدي المنجرة المنذر بآلام العالم”، و”الغزو الجديد”، و”نساء السجاد”، و”ماوكلي في جبال الأطلس”، والتي حازت جوائز بلاتينيوم التي تمنحها القناة للأفلام التي حققت أعلى نسب المشاهدة.

الكتاب دعوة الى المخرجين الشباب لتوخي الدقة واحترام الاشتراطات التي يفرضها عمل “صناعي” حقيقي لا يقبل القفز على المراحل، من خلال اعتماد منهج تعليمي تبسيطي في معرفة الصورة وتحريكها. وهو منهج أدرك المؤلف نجاحه وهو يلقي دروسه في فصول معهد السينما حيث يصبح الواقع والتجربة مراجع ذات أهمية تتفوق في وقعها على أكثر النظريات تعقيدا.

و م ع


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...