محمد جباري يكتب … أهمية الحوار في التنشيط التربوي

يعد التنشيط التربوي عملية سيكوبيداغوجية فعالة، وتقنية ديداكتيكية ناجعة في مجال التواصل والتفاعل مع المتعلمين، ووسيلة فنية مثمرة تصبو إلى تفعيل الوضع التربوي وتحريكه إيجابيا. ويساهم التنشيط في إخراج المتعلم من حالة  السكون والسلبية نحو الفعل الإيجابي، مما يمنح التنشيط أهمية كبرى في مجال التربية، من خلال الرفع من المردودية الثقافية والتحصيلية لدى المتمدرسين، وبالتالي التقليل من هيمنة الإلقاء والتلقين على العملية التعليمية- التعلمية، الذي يتمركز حول المدرس باعتباره المالك للمعرفة، وتبخس القدرات المعرفية والفكرية والوجدانية للمتعلم. ويتكون التنشيط من العناصر التالية:

المنشِّط: وهو من يفعِّل عملية النشاط التربوي، ويتحكم في طاقة المتعلمين الذهنية والوجدانية والجسدية، توجيها وإشرافا وترشيدا وتدريبا وتأطيرا وتكوينا. وهو أيضا من يحرك التنشيط بشكل ديناميكي، ويساهم بقدراته الخلاقة، في إثراء عمليات التفاعل الإيجابي والتواصل الفعال بين المنشَّطين.

– المنشَّط: وهو المستفيد والمشارك كذلك في عملية التنشيط، ونعني هنا المتعلم

– النشاط: وهو ترجمة للأفكار والتخطيطات والتصورات البيداغوجية التي يبنيها المدرس، لتحقيق أهداف تعلمية محددة.

مفهوم الحوار في مجال التربية

الحوار شكل من أشكال التواصل البيداغوجي، يؤدي إلى إشراك المتعلمين في بناء المعرفة وتبادل الأفكار والآراء، وخلق الانسجام والتفاعل الايجابيين بين مكونات جماعة القسم. من منطلق أن المتعلم ذات دينامية فعالة تتأثر وتؤثر. كما يعتبر الحوار عملية حيوية دينامية فيه أخذ وعطاء وتأثير وتأثر.

الخلفية التاريخية للأسلوب الحواري في التعليم

ظهر الحوار كأسلوب في التعليم في أول الأمر في المجتمع الإغريقي مع الحركة السفسطائية أولا، ثم مع سقراط وأفلاطون. فعلى الرغم من النظرة السلبية والتشويهات التي لحقت بالسفسطائيين، من قبل الفيلسوف سقراط ومن جاء من بعده، فإن هذه الجماعة  كانت سباقة إلى اعتماد الأسلوب الحواري و الجدلي، في إطار الرغبة في ترسيخ القدرة البلاغية لدى الشباب، حيث منحت هذه الجماعة الكثير من الحرية في الكلام والتعبير للأطفال مما ساهم في توسيع دائرة الحرية في التعليم والتعلم.

واعتمد الفيلسوف سقراط طريقة حوارية في تفلسفه، عبر تجزئة المعرفة والتدرج في كشف الحقيقة. لأنه كان يرى أن الفضيلة والقيمة الخلقية تتحقق عن طريق التدرج في بناء المعرفة بالجدل والحوار، لا عن طريق الإلقاء وحشو الذهن بالمعلومات، وفي هذا السياق حدد سقراط دور المعلم، في العملية التعليمية، في التوجيه وقيادة الحوار بالسؤال، ومساعدة المتعلم على اكتشاف جهله و قيادته إلى كشف الحقيقة وبنائها في الذهن وذلك من خلال ثلاث مراحل أساسية وهي:

أ- المرحلة التي يعجز فيها المتعلم عن تقديم أدلة على صحة ما يعتقده.

ب- المرحلة التحليلية التي يتم فيها إقناع المتعلم بجهله.

ج- المرحلة التركيبية وهي مرحلة تحصيل النتائج…

ومن أجل تحقيق هذا الهدف، دعا سقراط إلى تزويد المتعلمين بأدوات الحفز، حتى يتمكنوا من حفز معلوماتهم بأنفسهم واكتشاف ما كان كامنا في أنفسهم من مبادئ وحقائق ومعارف، بحيث يحسون ويشعرون بأنهم اكتشفوا بأنفسهم بدلا من اعطائهم المعرفة جاهزة. ولهذا فقد سمي منهج سقراط  بـ ” توليد الأفكار” أي دفع المخاطَب – عن طريق الحوار- إلى توليد الأفكار الصحيحة في ذهنه، بدلا من تقديمها له جاهزة. وتبرز قيمة هذا المنهج، أنه يؤدي إلى إقناع واقتناع المخاطَب بطريقة سلسة وهادئة، دونما الحاجة إلى الجدال أو الخلاف أو الانفعال أو التعنت والمكابرة، فيما لو قدمت المعرفة جاهزة.

الحوار في التوجيهات التربوية الحديثة: الأهمية و الضوابط

أ- الأهمية

– الحوار يترجم البعد التعاوني في بناء المعرفة بين المدرس والمتعلمين.

– الحوار يساهم في تشجيع المتعلمين على التعبير عن أفكارهم وتصوراتهم و تمثلاتهم.

– الحوار أداة أساسية في بناء المعرفة  تنادي بها الأبحاث البيداغوجية المعاصرة، خاصة حينما ينصب التعلم على موضوعات مجردة أو لا يمكن التعبير عنها إلا عبر نصوص مكتوبة…

– الحوار أسلوب حديث يتعارض مع الطرق التقليدية المبنية على الإلقاء والتلقين والدوغمائية، وتبخيس جهد المتعلمين.

– الحوار يدفع إلى تشغيل الفكر والتعلم الذاتي للمتعلم، ويدعوه إلى بذل الجهد والمبادرة وتدريبه على التفكير والنقد وتكوين الرأي.

ب- شروط وضوابط يجب توافرها في العملية الحوارية

– يجب أثناء الحوار توافر المسؤولية والتدبير الجيد للفصل، والالتزام و الاحترام المتبادل حتى يكون الحوار فعال وذو مردودية. وهنا تبرز أهمية التعاقد البيداغوجي المنظم لعلاقة المدرس بالمتعلم، لأن كل إخلال بشروط هذا التعاقد، قد يؤدي إلى تفسخ الحوار وظهور حالات سلبية كالشغب وتوتر العلاقة بين المدرس والمتعلم، كما يمكن للحوار أن يسقط في الفوضى إذا ما تخلى المدرس عن قيادة وارشاد الجماعة وتقييم الأجوبة…

– يجب، خلال الحوار، مقابلة الأجوبة الخاطئة بوجهة نظر متعلمين آخرين، دون الجهر بأن تلك الأجوبة  خاطئة، أي فسح المجال للمتعلمين لتقييم وتقويم أجوبة نظرائهم داخل القسم. وهذا من شأنه أن يشعر المتعلم، بأنه فاعل في بناء المعرفة، ويحمسه لبذل مزيد من الاجتهاد، في إطار الرغبة في نيل الحظوة لدى المدرس، وكذا في سياق التنافس بين زملائه.

– يجب تخلي المدرس عن نزعته المركزية وقبول الرأي المخالف، ذلك أن الصراع بين المواقف و التصورات هو الذي يسمح بتقدم وتنمية الذات وتطور مكتسباتها والانفتاح على علاقات جديدة.

– يجب توافر الديمقراطية أثناء الحوار مع المتعلمين على مختلف المستويات: (جنسية، اجتماعية…إلخ)

– عدم تجاهل مشاعر الفرد وانفعالاته أثناء الحوار.

– يجب ضبط الحوار والالتزام بالموضوع وعدم الخروج عنه كثيرا، في إطار التفاعلات.

– يجب تشجيع المتعلمين على الإجابة وتقييمها.

– يجب النظر إلى الاختلاف على أنه محطة لإثراء النقاش وإتاحة الفرصة للإبداع.

– يجب حضور عنصر الانصات أثناء الحوار.

– على المدرس ان يدمج في أسئلته الحوارية كل أنواع الأسئلة التي تولد النشاط في المتعلمين، كالأسئلة المرتبطة بالذاكرة، وأسئلة التخيل، وأسئلة البرهان، وأسئلة الحكم…إلخ

– كما يجب إدماج أسئلة المتعلمين ضمن النشاط العام للدرس، لأنها تكشف عن اهتماماتهم و تطلعاتهم واستجاباتهم للدرس.

(*) أستاذ باحث في التاريخ، بني ملال- المغرب


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...