خالد البكاري يكتب .. فجوات في الجسم الحقوقي

في الأيام الأخيرة عشت أربع محطات ذات طابع حقوقي جديرة بالتأمل :

المحطة الأولى: جلسة جديدة من جلسات عمر الراضي، حضرها أصدقاؤه وصديقاته، وعائلته، وملاحظون يمثلون منظمات دولية غير حكومية، في غياب شبه مطلق للجمعيات الحقوقية الوطنية.

 

المحطة الثانية: تخليد اليوم العالمي لحقوق الإنسان، حيث دعت الجبهة الاجتماعية التي تضم مزيجا من مكونات يسارية، وجمعيات حقوقية ونقابية، إلى تنظيم مجموعة من الوقفات الاحتجاجية، وقد حضرت محطة الدار البيضاء، وللأسف لم يتجاوز الحضور فيها الثلاثين فردا، مما يجعلك تطرح سؤالا قاسيا: كيف لجبهة تضم كل هذه الأطياف تدعو المواطنين لوقفة لا تستطيع أن تعبئ لها حتى 1% من منخرطي التنظيمات المشكلة لها؟ ما جدوى كل هذه الائتلافات والتنسيقيات وأشكال التشبيك المعطوبة للقوى التقدمية؟

 

المحطة الثالثة: ندوة نظمها الحزب الاشتراكي الموحد بمقره المركزي بالدار البيضاء، وإذا كان الجزء الأول من الندوة انتقادا للوضع الحقوقي ببلادنا، فإن الجزء الثاني من الندوة كان بالنسبة لي هو الأهم، حيث اتفق المشاركون على المآزق التي تعيشها سواء الحركة الحقوقية، أو الأحزاب اليسارية في تعاطيها مع الانتهاكات الحقوقية، وهو تعاط متسم بردود فعل لا ترقى إلى التصدي لهذه الانتهاكات، وعن أوجه القصور التنظيمية والتصورية والبرنامجية والتكوينية التي لا يمكن الاستمرار في التغاضي عنها.

أدعو بكل المحبة الكائنة والممكنة وحتى المستحيلة إلى جعل المؤتمر القادم للجمعية المغربية لحقوق الإنسان محطة انطلاق جديدة، على أرضية الأسئلة الحقوقية ، وإلا سنندم جميعا إذا استمر إضعاف هذا الصرح الحقوقي من الداخل، فلم يعد معنى لإشهار البطائق قبل وأثناء المؤتمر، وبعدها الغياب عن كل المعارك الحقوقية.

  المحطة الرابعة: النطق بالحكم على نور الدين العواج، وسط رد فعل شبه سلبي أغلب من يحملون بطائق انخراط قي الجمعيات الحقوقية، حتى على مستوى تقاسم المعلومة والشجب على مواقع التواصل الاجتماعي. وفي اليوم نفسه انعقدت جلسة جديدة من محاكمة الريسوني وفاطمة ولد بلعيد ( سيمان)، ولم يكن الحضور والدعم  في المقام الأول إلا من طرف العائلة والأصدقاء، وسط شبه غياب الجمعيات الحقوقية والمنخرطين فيها.

 

اخترت لحظات من ملفات لها علاقة بالحقوق المدنية والسياسية، أما إذا عرجنا على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فيكفي الواقع النقابي دليلا على شبه غياب أي ممانعة أمام الهجوم على ما فضل من المكتسبات الاجتماعية على قلتها، سواء ممانعة بنفس ترافعي، أو ممانعة ميدانية، ليتبين لنا الضعف المستمر للقوى التقدمية.

 

صحيح أن وضع هذه التنظيمات في المغرب لا يختلف عن وضعها في المحيط الإقليمي، لكن حين تقارن بين حجم التحركات والكتابات والمرافعات والنقاشات التي أعقبت مثلا محطة الخلاف داخل الاشتراكي الموحد، والتي انتقلت إلى مجمل دينامية فيديرالية اليسار الديموقراطي، تخلص إلى أن ما يستثمر في الهدم، لا يستثمر ربعه في مواجهة الانتهاكات الحقوقية.

 

قد يقول قائل: إن الدفاع عن الحقوق والحريات ليس مهمة اليسار وحده.

 

وفي ذلك كثير من الحقيقة، ولكن الذي يجعلنا نناقش دور القوى اليسارية في مواجهة الانتهاكات الحقوقية هو أمران:

الأول: إن أغلب الجمعيات والديناميات الحقوقية نشأت في المحضن اليساري.

الثاني: هو حجم الصراع بين هذه القوى للهيمنة على الهياكل التنظيمية لأهم التنظيمات الحقوقية، بحيث يتحول مثلا مؤتمر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان إلى لحظة لتصريف هذا الصراع حول التمثيلية داخل الأجهزة، وخصوصا المكتب التنفيذي، عوض أن يكون هذا المؤتمر محطة لنقاش الأوراق، وطرح البدائل، خصوصا مع التطور السريع الذي تعرفه الأدبيات الحقوقية كونيا، توازيا مع إكراهات التغيرات الاجتماعية والثقافية والسياسية والبيئية المتسارعة، بفعل التغيرات الرقمية، والتي تطرح باستمرار حتمية تحيين الأدبيات والمفاهيم والمعجم والآليات.

 

وللأسف، فإن كل هذا انعكس سلبا على العمل الحقوقي، ويمكن أن نورد بعض الأمثلة :

أولا: ضعف تكوين القاعدة التي لها بطاقة انخراط في الجمعيات الحقوقية، ويمكن ملاحظة ذلك فيما يدبجونه من تدوينات بعيدة كل البعد عن تملك الحد الأدنى من الأدبيات الحقوقية، كما في بيانات مجموعة من الفروع التي تخلط بين البيان الحقوقي وبين بيان تنظيم سياسي أو نقابي.

ثانيا: بروز بعض النقاشات داخل جمعيات حقوقية، والأصل أن الفعل الحقوقي غير معني بها، من قبيل: هل يجوز للتنظيم الحقوقي التنسيق مع حركات الإسلام السياسي، في حين ان المفروض أن الجمعية الحقوقية لا تنسق لا مع إسلام سياسي، ولا مع حزب طليعي، ولا مع يمين، لأن هذا من مهام التنظيم السياسي، أما الجمعية الحقوقية فهي على مسافة من الجميع، وعلاقتها بالتنظيمات السياسية تكون من منطلق الترافع الحقوقي، كأن تعقد لقاءات مثلا مع الفرق البرلمانية لإقناعها بتبني مطلب حقوقي أو إسقاط مشروع قانون يضاد الحقوق والحريات.

 

لست من أنصار القطيعة بين السياسي والحقوقي، لأنه ببساطة لا يمكن أن نحقق مكتسبات حقوقية إلا إذا تقدمنا سياسيا في اتجاه تحول ديموقراطي، وحتى في العالم المتقدم ديموقراطيا تحصل تراجعات حقوقية كلما وصل اليمين المحافظ أو المتطرف للحكم، حيث يتم استهداف حقوق المهاجرين والأقليات.

 

ولست من أنصار عدم انخراط المتحزبين في الجمعيات الحقوقية، لأن ذلك حقهم. شريطة أن يقترن بالإيمان بكونية حقوق الإنسان وشموليتها.

لكن ما أدعو له، هو أن ترفع كل التنظيمات يدها عن الجمعيات الحقوقية، وأن لا تكون مؤتمرات هذه الجمعيات نقطة في جدول أعمال المكاتب السياسية للأحزاب، ولا حتى فروعها، وأن يتحرك المنتمون للأحزاب داخل الجمعيات الحقوقية بصفاتهم الحقوقية لا الحزبية.

 

ولذلك أدعو بكل المحبة الكائنة والممكنة وحتى المستحيلة إلى جعل المؤتمر القادم للجمعية المغربية لحقوق الإنسان محطة انطلاق جديدة، على أرضية الأسئلة الحقوقية ، وإلا سنندم جميعا إذا استمر إضعاف هذا الصرح الحقوقي من الداخل، فلم يعد معنى لإشهار البطائق قبل وأثناء المؤتمر، وبعدها الغياب عن كل المعارك الحقوقية.

 

لقد صرح غالي رئيس الجمعية أنها تتوفر على 11 ألف منخرط، منهم 400 في البيضاء وحدها، فيما لا يحضر في هذه المدينة إلا أقل من 20 منخرطا في المحطات النضالية التي تدعو أو تشارك فيها الجمعية، وفي رأيي أنه يلزم وضع بند في القانون الداخلي للجمعية يربط استمرار العضوية بأداء المهام.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...