الصحة بالجنوب الشرقي المغربي وسبل البحث عن تزيين الواجهة

-لحسن أيت لفقيه*

ستخجل من نفسك إن كنت تبتغي الحديث عن الحق في الصحة بجهة درعة تافيلالت بجنوب شرق المغرب. ستخجل إن كنت ذا ضمير حي، وإن كنت لا تبالي فليس عليك جناح. ولئن كان الحق في الصحة أساسيا، خصوصا بعد أن زعزع مرض كوفيد 19 ثلة من الأجساد، ونفوس ثلة من الأفراد، فإنه ضمن الديون التي ستجري تسويتها في أجل بعيد. ولأنه متصل بالحقوق الأخرى، نحو الحق في الحياة، والسلامة الشخصية، والتعليم، والتنمية، وسلامة الأسرة، فيمكن القول، إنه عن الحق في الصحة يجري انتهاك حقوق أخرى ذات الصلة، فقس على التنمية، وقس على سلامة المواطنين الشخصية، وقس على ما لم يُقَل.

لن يجد أي موظف ذي ضمير مستنير، يشتغل في مجال الصحة، أي حرج ليتحدث لك عن الضرر الناتج عن حصول تأخر مواعد الفحص والاستشفاء والمعالجة والجراحة بالمستشفى المذكور. وإذا سألته عن السبب يجيب أن العديد من الأطر الصحية منقطعون للعمل بالمصحات الخاصة بالمدينة، مما يجعل المواطنون يترددون على المصحات الخاصة مكرهين لقضاء مآربهم. ولا مجال، حينما يشهد شاهد من أهلها، للحلم في اليقظة إن كان هذا الحق يطرح تحديا على بعض الوجوه المستنيرة، التي تزعم أنها تحمل هم حماية حقوق الإنسان، فكثيرا ما يضلونها عن المسار القويم. ولا مجال للحديث عن المساواة في الولوج إلى المعالجة والتطبيب في المؤسسات الصحية العمومية. وما كان الحق في الصحة يوما موضوعا للتنادي والمراء، لأنه حق لا يأخذ صدقه وسلامته إلا من التطبيق في الميدان. أقول لا يتطلب ملامسة الحق في الصحة الاستعانة بالخبراء، بل يكفي أن تتجه إلى أحد المستشفيات لتلامس ما يجري. قد لا تضع ذات حمل حملها بدون تدخلات بمكالمات هاتفية، وكل سكان الجهة يعرفون ماذا يجري لإنجاز العمليات الجراحية.

لن ينتهي الحديث عن الصحة دون رصد أخبار كانت حففت التوتر الاجتماعي حول الصحة بمدينة كلميمة ابتداء من يوم الثلاثاء 21/09/2021، في شكل وقفة احتجاجية أمام مستشفى 20 غشت، وفي شكل تصريحات شفاهية وتدوينات مكتوبة، وتابعنا ما صاحب ذلك من جدل حول الحق في الصحة بالبلدة.
ولئن كان الاحتجاج على خلفية هلاك شاب، عمره 18 سنة شمسية، أغمي عليه في الساعات المتأخرة من يوم الجمعة 17 من شهر شتنبر الماضي، ونقل على عجل إلى المستشفى، فإن تمييز الحدث وتحليله على لسان الماهنين الحقوقيين هناك، والمهتمين، انتظم في أربع نقط أساسية:

ـ نقل الشاب العليل، قبل هلاكه، على عجل إلى مستشفى 20 غشت بكلميمة، لكنه لم يصادف أي ماهن في مستوى إطار طبي مسؤول، يمكن أن ينقذ الموقف.

ـ حاجة مستشفى 20 غشت إلى دعم المعالجة فيه والفحص والتطبيب بتوفير ممرضين ونساء التوليد (القابلات) بقدر يدرأ كل خطر يمس المواطنين حقَّهم في الحياة.

ـ تنظيم استعمال الساعفة بشكل تقتصر فيه على الوظيفة المحددة لها، وتجنب التنقلات غير ذات المغزى.

ـ تجنب كل ما يؤسس لتدهور الأوضاع الصحية بالمستشفى المذكور.

لذلك نقع صراخ ينادي بعودة المستشفى المذكور إلى سابق عهده، علما أن عدد السكان الذين تغشاهم خدماته يداني 120 نسمة، ولو استثنينا منهم سكان أيت عيسى وبراهيم وتغزوت وأسول بإقليم تينغير.

وفي الأمد القريب سنعرج إلى رصد معاناة أخرى ذات الصلة بالسياق. سنرصد وضع أسر من سكان الجبال التي ستعيش حصارا ومعاناة كبيرة بفعل الثلوج التي ستحول دون ولوجها إلى الحق في الصحة. سنعيش تلك المعاناة إن كان الموسم رطبا. ومرد ذلك إلى المسالك الطرقية الهشة التي تربطها بالمراكز الحضرية ميدلت والريش وتينغير وكلميمة وورزازات. لنتذكر، والمجال الصحي مجال التذكر، وفاة الحوامل بإملشيل في السنة الماضية، وهي مأساة قد يتجدد تكرارها. ونذكر بوفاة سيدة حامل تنحدر من قصر «أولغازي» بجنوب غرب إملشيل، بإقليم ميدلت، في شهر يناير من العام 2021 داخل المركز الصحي إملشيل، سلمت الروح بعد أن وضعت مولودها. امرأة عشرينية، إذ لا يتزوج هناك سوى القاصرات. ومرد وفاتها إلى الإهمال ذلك أن سائق كاسحة الثلوج لم يرغب في توطئة الطريق أمام الحامل لأنه لا يحق له العروج إلى المسالك غير الرسمية. هنالك تطوع السكان فأزاحوا الثلوج بسواعدهم ووصلت الحامل مركز إملشيل لكنها منزوفة وسلمت الروح. ولم يمض الحدث بدون احتجاج فقد استنكر الكل وفاة الحوامل بمنطقة إملشيل. لا تندرج هشاشة البنية التحتية ضمن مسؤلية قطاع الصحة، كما قال الفقيد الطبيب بوخلفي، وهو يؤطر أحد الأوراش التكوينية بمدينة الرشيدية. لكن وجب على المسؤولين أن يعرجوا إلى الحقيقة المرة والإفصاح عنها بكل جرأة. ذلك أن المشاريع الصحية بالجهة لا يفيد التبشير بها، بقدر ما يفيد ما هو آني. أي: ماذا يجري في الميدان؟ لنتذكر بتر يد رضيع متوفى، من الكتف، في ظروف غامضة داخل مستشفى الدراق بمدينة زاكورة. والحدث، لصلته بحقوق الإنسان، يعد خللا في الحكامة الأمنية. وكان أولى بالمؤسسة الصحية إن لم نقل إنها مدعوة لتضمن، فضلا عن الحق في الصحة، أمن الفئات الهشة من المواطنين الذين يترددون عليها، الأطفال والنساء والأشخاص في وضعية إعاقة، وذاك بشكل يراعي سلامة الجثث، أيضا، لصلتها بكرامة الإنسان. على المسؤولين قبول الحقائق، والإشارة إليها حينما يحملون على الجلوس في المنصات.

 ويبدو أن لا أحد يرى شعرة، أن كانت لمعاوية أو يزيد، تربط جهة درعة تافيلالت بالحق في الصحة. ولا تنفع قوافل الختان، التي أفصح عنها أحد المسؤولين، لا تنفع في شيء، لأنها تذكر سكان الجهة بالختان الذي يجريه عليهم تخلف التنمية، وعلى الدوام. فالختان غير كاف لفاعلية الحق في الصحة. وقد يكون العرض الصحي غنيا، وجود مختبر بموضع كذا، وجهاز سكانير كذا. وسلف للمنظمات الأجنبية أن زودت مركز الريش بوسائل طبية وتجهيزات لا أحد يعلم مصيرها. وكلنا ينتظر إرادة وقصدا سليما لتوظيف تلك الأدوات، إن حافظ الزمان عليها. وكلنا ينتظر من المسؤلين أن يضعوا رؤية واضحة «في تدبير الموارد البشرية»، كما وجهت لهم إحدى النقابات. وكلنا ينتظر تحسين خطهم في الوصفات الطبية والتقارير لأنه من حق المواطن أن يفهم الخط، والغاية منه. وبالقابل كلنا ينتظر تشجيع الأطباء ببعض المحفزات، وحتى هامش الحرية الشخصية غير متوافر بمدينة الرشيدية، على الخصوص، المدينة التي أريد لها منذ سنوات الرصاص أن تنقطع لممارسة الميز الجغرافي، وقمع الأشخاص في إرادتهم. وطالما يجري الاعتداء على الأطر الطبية داخل المستشفى. وما كان السب والشتم الذي يواجهونه يجعلهم يشتغلون بكل طمأنينة. فكان «وضع إستراتيجية واضحة لضمان استقرار الموارد البشرية الصحية، وإيجاد آلية للرفع من جاذبية الجهة مع باقي المتدخلين» مطلبا سطره أحد الفروع النقابية.

قد لا ينفع الاسترسال في إحصاء الذين هلكوا في ضيافة المؤسسات الصحية، ولا ينفع هذه المؤسسات عقد شركات مع بعض الهيئات الحقوقية، والاحتفال بالوهم وتسويقه، بل ينفعها «اعتماد المقاربة التشاركية في اتخاذ القرارات، وفي احترام لآليات التدبير الحديث المبني على الحكامة الجيدة»، كما ورد في الملف المطلبي الذي سطرته إحدى نقابات القطاع الصحي. ولا جناح على من يبحث عن سبل لتزيين واجهته، إن كانت ملطخة بضحايا الانتهاكات، لكن عليه أن يدرك أن التاريخ يسجل.

وختاما، يجدر التسطير أن الحق في الولوج إلى الصحة بجهة درعة تافيلالت نشأ ينهار تدريجيا، أو على الأقل، لن يستقم على نمط الحديث في التسيير والتدبير والتجهيز والآداء، والندوات وعقد الشركات. إنه حكم على معاينة ميدانية، بما هي تفيد معرفة بواطن الأمور، ومؤسس على علم، بما هو معرفة الأمور ظاهرها ولو بالأمثلة، وقد سلف تقديم الأمثلة. ولئن كان التعامل بالأمثلة لوصف ظاهرة ما يفيد العجز في التحليل، فإن تقديم المثال مؤشر على الظاهرة، إن لم يكن كافيا للإدلاء بالشهادة التي تحصل في حدود العلم، لا في حدود الخبرة.

* باحث في التراث الثقافي والتنمية القروية


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...