مخرجات كوب 26 وفرصة الإنقاذ الأخيرة .. بقلم عبد الله أطويل*

انتهت قمة المناخ “كوب 26” على غرار شاكلاتها ومثيلاتها من القمم والمؤتمرات. حزم المؤتمرون والقادة والخبراء البيئيون حقائبهم وغادروا كلاسكو الاسكتلندية. تُلي البيان الختامي بمسودة مدبجة بالبنود والتعهدات، وفق عادة وأعراف المؤتمرات والقمم. ركزت مخرجات القمة على ضرورة تسريع وثيرة أجرأة نماذج اقتصادية تحترم خفض انبعاث الكربون حسب اتفاق باريس 2015، واعتماد استراتيجيات حماية الغابات، وفرملة تزايد الاحتباس الحراري تأكيدا لقمة العشرين بروما.

بين هذا وذاك، وفي منأى عن البروتوكولات الديبلوماسية والخطابات المزركشة بمساحيق السياسة، يحق لنا التساؤل عن مدى جدية تطبيق هذه التعهدات؟ وهل من إرادة كونية مرماها الوحيد إنقاذ الكوكب من الانتحار المناخي؟ أم أنه أمر لا يكاد يتجاوز بروتوكولات سياسية وخطابات منفوخة مكتوبة بمداد سريع التبخر؟

 

لم تخل كواليس قمة كلاسكو، من مناقشة لأجندات سياسية ثنائية أو ثلاثية، وأحيانا إقليمية، سواء تلميحا أو تصريحا. قيل من بين ما قيل على هوامش كوب 26، أنه سُجِّل همس ولمز بين رئيس فرنسا ورئيس إسرائيل حول ملف “تجسس”، وتناقلت أخبار أخرى عن حديث دار بين بايدن أمريكا في خلوة مع أردوغان تركيا عن “طائرات حربية”. على مقربة من طاولات قمة كلاسكو، كانت الأحاديث بإسهاب وأُبرِمت الصفقات وأشياء أخرى تشي أن التوجهات العلائقية وزوايا النظر السياسية بدت حاضرة جليا أو خفيا.

 

مهما اختلف المشاركون، وتعالت أسقف الرؤى المتضاربة بين المؤتمرين من قريب أو من بعيد، إلا أن الاتفاق كان سيد الموقف، حين أجمعوا عن بكرة أبيهم مقرين بالإخفاق وعدم تحقيق التزامات هامة سبق الاتفاق بشأنها في مخرجات قمم سابقة. ولعل أبرزها ما اتفق عليه خلال قمة الأطراف بباريس 2015. الحديث هنا أساسا عن التعهدات بخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، التي تؤكد التقارير الرسمية بعدم وصول العالم للمعدل المرغوب فيه بحلول عام 2030. لذا كان ضمن توصيات البيان الختامي لكوب 26، التسريع في وثيرة تخفيض هذه الانبعاثات. إلى جانب هذا، سبق خلال مؤتمرات سابقة خصوصا قمتي مراكش وباريس، طرح تعهدات في شأن تضييق حجم الطاقات الأحفورية، وتوسيع رقعة الطاقات المتجددة، لكنها بدت أنها تعهدات كتبت على الماء، عندما ننظر لحجم استهلاك دولتي الصين والهند للفحم في التحويل الطاقي.

كثيرة هي الإخفاقات، وإن كانت نسبية، إذا ما اعتبرنا أن زمن تحقيقها لم يحن بعد وهو 2050، لكن منطق تقييم الأداء والنتائج الفرعية، يؤكدان عدم فعالية تقدم خطى هذه التعهدات في الزمن الحالي، سواء بعدم بلوغ المرامي الجزئية أو غياب التنزيل المحكم على الطريق الصحيح. إذا ما أردنا الحديث هنا بالدليل القاطع والبرهان الساطع، نقدم كمثال ارتفاع درجة حرارة الأرض، أعتُبر الأمر تاريخيا حين تم اتفاق جميع الدول المشاركة في قمة باريس، عن تحديد وقف ارتفاع حرارة الأرض في 1,5 درجة مئوية في العقود الثلاثة القادمة، لكن النتائج الآن تهمس بعكس كل هذا، حيث الحديث عن احتمالية استمرار ارتفاع حرارة الكوكب، لتصل بحلول عام 2050 الى 2,5 درجة مئوية. هذا الأمر تأكد جليا بتقارير صادرة عن هيئات رسمية أُفرِج عنها عشية قمة العشرين بروما، وتدعمت بالتقارير التي تم تداولها على طاولة كوب 26.

 

قد لا يعي رجل الاقتصاد دقة علم البيئة أمام أرقام العمولات وأسهم الأرباح وأرقام المعاملات، “les chiffres d’affaires”، كما يمكن للسياسي ألا يقدر حجم ما يعنيه التغير المناخي. لكن بالمقابل خبراء البيئة وعلماء المناخ يدركون أيما إدراك العلة السببية بين الكوارث الطبيعية من فيضانات وحرائق للغابات وارتفاع منسوب المحيطات، في علاقتها مع تغير درجة حرارة الأرض والطرح المتزايد للغازات الدفيئة والاحتباس الحراري.

 

وجه ملك المغرب محمد السادس رسالة إلى المشاركين في قمة كلاسكو، تلاها رئيس الحكومة المغربية. جاء في رسالة ملك المغرب أن العالم اليوم أمام خيارين، فإما الاستسلام وانتظار تبعات نموذج اقتصادي أتبت عدم فعاليته، أو الحزم واتخاذ إجراءات أكثر مسؤولية والمرور للأفعال عوض الأقوال. وضمن الرسالة أيضا كانت دعوة من الملك إلى ضرورة الالتفات لدول فقيرة تعتبر غير مستفيدة من هذا النموذج الاقتصادي العالمي، وفي المقابل تتحمل تبعاته. ملكة بريطانيا دعت إلى تسريع المرور للأفعال عوض الأقوال الرنانة والشعارات المنفوخة بالهواء. ولو أضفنا استشهادا آخر لأضفنا ما جاء في رسالة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن إحصائيات حرائق الغابات في دولته، ودعوته للبحث عن استراتيجية تعاونية للحد من هذا الأمر، وتركيزه على ضرورة تسريع تنفيذ اتفاقيات مؤتمر روما للدول العشرين، ومعها توصيات قمة كلاسكو. هذه معطيات تنتصب مكونة دليل مرفوع القامة يمشي وفي يده جرس إندار لما وصل إليه الكوكب بإنسانه وحيوانه ونباته ومائه وهوائه.

 

حتى لا ننظر للوضع من ركن القتامة والتشاؤم فقط، قد يخالجنا من التفاؤل حين نتحدث عن استراتيجيات بعض الدول العربية إلى جانب دول غربية، انخرطت في تنزيل نماذج تنموية تساهم في إنقاذ الكوكب من الانتحار المناخي. مثلا في أفريقيا، يبدو المغرب نموذجا يحتذى به في هذ الشأن. إذ يتوفر المغرب على أكبر مزارع لإنتاج الطاقات الشمسية، مشروعي “نور 1” و “نور 2″، بالموازاة مع اعتماد مشاريع تحويل طاقية متجددة أخرى. إضافة إلى الموقع المحوري للبيئة ضمن النموذج التنموي الجديد للمملكة المغربية. بهذا يكون المغرب من الدول التي وضعت الشأن البيئي ضمن أولويات التوجهات والاستراتيجيات السياسية للبلد. دولة الامارات العربية أطلقت مبادرة بتخصيص وزارة للبيئة والتغير المناخي، وقدمت المملكة العربية السعودية نموذجا في اعتماد الطاقات البديلة، وتخفيض انبعاث الغازات في انتظار تصفيرها. ودول أخرى متقدمة تعهدت بتطوير اعتماد الطاقة النووية. رغم أن عددا مهما من الدول مازالت تعتبر موضوع التغير المناخي شأنا بعيدا. ولم تدرك بعد أنه بات محورا عضويا في استراتيجيات الدول الكبرى، ويظهر هذا مع الإدارة الأمريكية الحالية التي فرضت في تدبيرها ضرورة احترام التعهدات حول التغير المناخي.

 

يبدو أن تحذيرات العقود السابقة أصبحت واقعا معاشا اليوم، ولا غرابة أن تكون توصيات وتعهدات اليوم كابوسا سيتحمل تبعاته من سيعيش على الأرض من الأجيال القادمة إنساناً وحيواناً ونباتاً. صحيح أن المؤتمرات والدراسات التشاركية والتشاورية مهمة، بل غاية في الأهمية، وإثارة جرس الإنذار حول الأخطار التي باتت تقض مضجع الكوكب، شيء مهم. كما أن الخروج بالتوصيات والتعهدات من الرجاحة وحصافة الرأي بما كان. لكن، خوفنا بل شديد هلعنا أن تأتي قمة قادمة ومؤتمر آتي، ويجد العالم نفسه في وضع تعهدات على بيان ختامي، وإقرار جديد بعدم فعالية التعهدات السابقة، والاتفاق على تسريع تنزيل توصيات جديدة. إذ ذاك تكون دار لقمان لازالت على حالها، ويكون السير على درب إنقاذ المناخ هو سير على عجلات مثقوبة. اليوم أكثر من أي وقت مضى الوضع البيئي يحتاج لنموذج يراعي في صحة الأرض إلاً وذمة، بمعنى آخر ضرورة تقديم تنازلات في مقابل ضمان بيئة أكثر أمانا واستقرارا، لتكون مجال عيش أرحب لإنسان الغد. ولأن الشيء بالشيء يذكر، قد يجرنا الحديث هنا لما قاله الفيلسوف الفرنسي جون جاك روسو في “العقد الاجتماعي”، حين وصف انتقال الإنسان من مستوى الطبيعة والصراع إلى مستوى الحياة المدنية، وذلك عبر تقديم تنازلات في مقابل الحصول على حياة أكثر أمنا وأمانا. فخيوط لعبة النموذج الاقتصادي العالمي تنسجه شركات وشخوص بعش الدبابير، لا بد لهم من تنازلات، وإتباع أنموذج يضمن بيئة أفضل للأجيال القادمة.

*أستاذ مادة علوم الحياة والأرض


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...