جواز التلقيح: بين تضييق شكليات الحماية وتوسيع المنع من التمتع بالحقوق

نشرت وكالة المغرب العربي للإنباء قصاصة خبرية غير موقعة، ولم تنفها الحكومة بخصوص ضرورة تقديم جواز التلقيح من أجل الولوج للخدمات الاجتماعية والإدارات العمومية والمؤسسات والمقاولات الخاصة.

نشرت فيما بعد رئاسة الحكومة بلاغا، بعد موجة الرفض والاستنكار من قبل عدد من المنظمات الحقوقية والنقابية والحزبية لهذا القرار المفاجئ، تعلل فيه أنها قررت اعتماد جواز التلقيح “”تعزيزا للتطور الإيجابي الذي تعرفه الحملة الوطنية للتلقيح … وتبعا لتوصيات اللجنة العلمية والتقنية”، كما عرفت  بوابة البرلمان منع حراس الأمن دخول برلمانيين لممارسة مهامهم الدستورية، رغم أن إحدى البرلمانيات أدلت بتحليل الكشف PCR بكونها خالية من فيروس كوفيد 19.

أولا : المغرب يضيق من حيث شكليات التمتع بالحماية، ويوسع من حيث المنع بالتمتع بالحقوق

بالعودة إلى موضوع جواز التلقيح، فإن المقصود منه أن الأشخاص الذين قاموا بتلقي جرعتين أو ثلاثة ويحملون شهادة طبية بذلك، هم من لهم الحق في الحصول على حقوقهم الأساسية، ويختلف هذا “الجواز المغربي” عن الجواز الصحي الذي تعتمده عدد من الدول الأوربية، من جانبه الشكلي ومن جانبه الموضوعي، فمن الجانب الشكلي، الجواز الصحي يعتمد بالإضافة إلى اعتماد شهادة التلقيح، يمكن أن يعتمد على  الفحص PCR بكون المعني غير حامل لفيروس كوفيد 19، أو على شهادة طبية بكون المعني معفي من تلقي التلقيح نظرا لإصابته بأحد الأمراض ولكن دون ذكر المرض، أو أن المعني شفي من الفيروس قبل ستة أشهر، فمن الناحية الشكلية الجواز الصحي أوسع من جواز التلقيح. أما من حيث الموضوع، فإن الجواز الصحي في الدول الأوربية هو رخصة من أجل التمتع ببعض الحقوق الكمالية، كالولوج للحانات أو المطاعم أو السينما أو المسرح …فقط، أما الحقوق الأساسية كالإدارات العمومية والخدمات الاجتماعية والأبناك والأسواق … فإنها لا تفرض تقديم الجواز الصحي، وتشترط للوصول لهذه الحقوق الالتزام بشروط الضمانات الصحية من التباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات، مما يتضح أن المغرب يعدم التمتع بالحقوق الأساسية ويوسع من هامش المنع على المستوى الموضوعي.

ثانيا: لا يمكن المساس بالحقوق الأساسية تحت ذريعة محاربة كوفيد 19

منذ بداية انتشار جائحة كوفيد 19، نشرت المفوضية السامية لحقوق الإنسان، وعدد من الإجراءات الخاصة من مقررين خاصين وخبراء مجلس  حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، عددا من التوصيات والملاحظات، يدعون من خلالها الدول إلى عدم استغلال مواجهة الجائحة للانتقاص من الحقوق أو ممارسة الانتهاكات.

وتعتبر الفقرة 1 من المادة 4 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تنص على ما يلي: “في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تتهدد حياة الأمة، والمعلن قيامها رسميا، يجوز للدول الأطراف في هذا العهد أن تتخذ، في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد، شريطة عدم منافاة هذه التدابير للالتزامات الأخرى المترتبة عليها بمقتضى القانون الدولي وعدم انطوائها على تمييز يكون مبرره الوحيد هو العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الاجتماعي”. تعتبر هذه الفقرة المرجع الحقوقي لحماية الحقوق أثناء الطوارئ الصحية، وبالمناسبة فهذه الفقرة تكاد تتطابق مع المادة 27 من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان. والمادة 15 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

ولفهم دقيق للمادة 4 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لابد من العودة إلى التعليقين العاميين لها، رقم 5 لسنة 1981، ورقم 29 لسنة 2001، ومن أجل التوضيح بشكل جد مركز للتعليقين العاميين،  فإنهما يؤكدان أنه في حالة الطوارئ يمكن تقييد بعض الحقوق من أجل حماية المصلحة العامة ولكن دون المساس بباقي الحقوق الأساسية، يمكن تقييد حرية التنقل وحرية التجول ولكن لا يمكن المساس بحقوق صلبة كالإقدام على الاعتقال الجماعي أو المس بالحق في التعبير أو المس بالمعطيات الشخصية والحياة الخاصة للأفراد أو تهديد أو المس بالسلامة الجسدية أو العقلية أو النفسية … لأن هذه الحقوق الأساسية هي حقوق صلبة ولا يمكن تحت أي ذريعة كانت المس بها.

إن ربط الحكومة المغربية التمتع بكافة الحقوق بحمل جواز التلقيح هو مخالف تماما لالتزاماتها أمام المنتظم الدولي، وأمام الهيئات التعاهدية أو غير التعاهدية الأممية.

ثالثا: الديمقراطية ليست ديكتاتورية الأغلبية

صرح وزير الصحة أمام البرلمان بكون معارضي جواز التلقيح هم أقليات، وذلك بنوع من الازدراء والتنقيص، مع التأكيد على أن أغلب معارضي جواز التلقيح ليسوا معارضي التلقيح، بل منهم من له قناعة بالإيمان بحرية الاختيار، ومنهم المتشبث بحماية المرجعية الدستورية والقانونية.

الديمقراطية وإن كانت بالفعل هي حكم الأغلبية ولكنها تشترط ضمان وصيانة حقوق الأقليات، فليس من الناحية الفكرية والسياسية “إعدام” حقوق بعض الناس فقط بسبب الاختلاف معهم.

نجد أن الدستور المغربي لسنة 2011 متقدم جدا على تصريح وزير “ما بعد الدستور”، حيث أقر بعدد من الحقوق للمعارضة الأقلية، خاصة الفصل 10 منه.

وما عبر عنه الوزير الوصي على صحة المغاربة انتهاك صريح لحقوق الإنسان، خاصة أنه استند على المادة 4 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وهو ما يجعله في تناقض مع تصريحه، حيث الفقرة الثانية من المادة 4 تقول: “لا يجيز هذا النص أي مخالفة لأحكام المواد 6 و 7 و 8 (الفقرتين 1 و 2) و 11 و 15 و 16 و 18.”، والمادة 18 تنص على أنه “لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين”.

رابعا: جواز تلقيح غير دستوري

إصرار السلطات العمومية على مراقبة السجل الصحي للمواطنين عبر جواز التلقيح، في الشارع العام وفي المؤسسات العمومية، و”نقل” بعض اختصاصات المكلفين بإنفاذ القانون للخواص داخل المؤسسات الخاصة، وأيضا منع برلمانيين من ولوج قبة البرلمان بدعوى وجود قصاصة خبرية تفرض إشهار جواز التلقيح، أو أوامر إدارية من رئيس مجلس النواب، تطرح  إشكالات دستورية  حقيقية.

قانون الطوارئ الصحية، وليس مرسوم قانون كما تتناوله الصحافة، هو قانون صادر بمقتضى الفصل 81 من الدستور، فبعد تصويت البرلمان عليه انتقل من مرسوم قانون إلى قانون، في هذا الاطار، فالبرلمان والحكومة مارسا اختصاصاتهما الدستورية، لكن يطرح سؤال لماذا يتم كل مرة تمديد سريان حالة الطوارئ بمقتضى مراسيم مع العلم أن البرلمان ليس في حالة “عطلة”؟.

إصدار منشور أو قصاصة خبرية من قبل الحكومة وذلك استنادا إلى قانون طوارئ، في موضوعات تدخل في مجال الحريات العامة، هو مخالف للدستور .

لكون مجال الحريات العامة منصوص عليه بمقتضى الفصل 71 من الدستور ، ولا يمكن للحكومة تحت أي مبرر قانوني أو تنظيمي أن تخالف الدستور .

البرلمان ، شرعن حالة الطوارئ بمقتضى قانون، ولكنه لم يمنح الإذن للحكومة للتشريع في مجال القانون بمقتضى الفصل 70 من الدستور , الذي ينص صراحة على إمكانية الحكومة أن تشرع بمراسيم في مجال القانون وذلك بشرط مادي وهو تحديد المدة، وشرط موضوعي وهو الغاية.

أما بلاغات الحكومة والقصاصات الخبرية المجهولة، فهي لا تخالف الدستور وإنما تذبحه.

أما فيما يخص منع نائبة برلمانية من لولج مجلس النواب، فهو يخالف أحكام النظام الداخلي للمجلس، لكون البرلمانية ليست موظفة ولا أجيرة لدى رئيس مجلس النواب أو مكتب المجلس، هي منتخبة، فالعلاقة بينهما هي علاقة دستورية ينظمها القانون البرلماني الذي يعتبر جزء من الكتلة الدستورية ولا تنظمها نهائيا القرارات الإدارية سواء كانت صادرة عن الحكومة أو صادرة عن رئاسة المجلس.

خلاصة:

الدستور صريح فيما يتعلق بإمكانية أن تعترض الحكومة على البرلمان، إذا قام هذا الأخير بالتشريع في المجال التنظيمي ، وذلك وفق الفصل 79 من الدستور، إذ يمكن لرئيس الحكومة أو أحد رئيسي البرلمان أن يطلب من المحكمة الدستورية البت في “مدى تعدي البرلمان على اختصاصات الحكومة”. ولكن تعدت إذا الحكومة على اختصاصات البرلمان، ما العمل ؟

قرارات الحكومة هي قرارات إدارية، وبالتالي إذا تعدت الحكومة على مجال القانون أي البرلمان، فلا يحق للمحكمة الدستورية التدخل، ويكون هنا الاختصاص حصريا للقضاء الإداري.

قد لا نثق في القضاء الجنائي المغربي ، خاصة في قضايا الصحافة وحرية التعبير ، ولكن القضاء الإداري المغربي برهن في محطات كثيرة على مدى تقدمه وتطوره.

ولكن يبقى السؤال هل من حق من لا يملك جواز التلقيح الولوج للقضاء الإداري؟


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...