يسارنا ؛ ” انزياح عن الأصل وارتداد في الفعل النبيل والتسلق على الأمل “. بقلم: عادل أيت واعزيز

كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، الروم الآية ٣٢

لننفض الغبار ولو قليلا

يشكل المحور الأساسي لليسار السياسي؛ النضال، من أجل العدالة الإجتماعية ، عبر تطوير استراتيجيات بديلة وتطوير التحالفات مع القوى التي تشترك معه في نفس الأفكار ونفس الغاية. لكنه على المستوى التنظيمي غير منضبط أو ملتزم مما يجعل  ضم مختلف الثقافات الفرعية لتنحاز لثقافته أمرا مستعصيا.

نتوسل يسارا جديدا-يسار يساري-ملتزم، يعمل ما في وسعه ليكتسح الممكنات القابلة حثيتا للتحقق، دون التورط في ترديد شعارات أيديولوجية مستهلكة – يصعب تصديقها. تتبارى لتحظى بالمواطن/ة، كناخب/ة ، والواضح بعبور براغماتي مداهن وموارب – فضفاضة، والتي تتكرر في كل حملة انتخابية، ولا يتم العمل على أي واحد منها وبالتالي تغدو شعارات مبثورة، استهلاكية، هذا بمنأى عما يتم طبخه وتقاسمه داخليا بين من يتبوأون المراكز العليا في هذه التنظيمات، والذي يلفت انتباهنا بشدة تمايز و تناقض تصريحات أعضاء الحزب في المواقع الأمامية اللافتة. وأحيانا بإطلاق أنواع من الادعاءات الزائفة والمزايدات التي لا تبتكر سوى الوهم، وتسير بنا نحو –الأشد مكرا وفتكا- وتحصد ما قد يمسنا جميعا و يمس قضايانا الوطنية والانسانية.

إن هذا التشظي الواقع في الأنا الذاتوية التي تنصب نفسها مثالا للكمال وحارسة للقيم اليسارية والتدخل باسمهما في جميع المجالات- كضرب من التهوي الإنغلاقي والمصلحة الشخصية على حساب الإنسان والمجتمع، انحيازا عن الفكرة النبيلة لليسار وافتراء على جوهرها وأصالتها لا مجرد التنظير لها وإسعافها أو ممارستها والعمل بها وعليها وعن طريقها، إنما بوضعها كسيمولاكر للإنتصار للمصلحة الشخصية، والتي تنوء بثقل متعاظم على حاملها بالزيغ والتبدد، الذي يقتفي الانتهازية السياسية (لدى البعض) ومع كل أسف لا يحيل إلا على قصر النظر في السير الحثيث للإقرار بشيء من المكتسبات التكتيكية هنا وهناك، وما يربك أي فرصة حقيقية لتفعيل وحدة ذات ديمومة لليسار.
وأحيانا طمعا بالتسلق عليها نحو الحصول على منصب قيادي أو غيره من المناصب بالهامش لتولي زمام الدفة أو لإصدار وإقرار قرارات ساذجة ليس إلا.

و من جهة كما هو واضح ( الإقتيات بالفكرة ولو نسبيا)، وهذا أمر نرصده ونعاينه غير ذي مرة سواء داخل المؤسسات الحزبية أو خارجها.
وفي سياق هذا التبرير فإن ما يقام على مستوى التنظيمات الآن ؛ هي حالة من الفوضى الواضحة، لا يدرك وسطها أغلبية أعضاء هذه التنظيمات إن كانوا لا يزالون أعضاءً في أحزابهم أم لا ؟

قبل كل شيء إذن، لا بد من يسار نوعي ينسجم من حيث النظرية والتطبيق، التنظير والفعل، لتجاوز هذه النواقص. فمن انتموا وينتمون، أو ادعوا ويدعون الانتماء لليسار أو للإشتراكية أفرادا كانوا أم جماعات، غارقون في وهم كبير وسذاجة مطلقة، منتصرون دائما لتضارب صارخ بين النظر والعمل ؛ احترام الحقوق الفردية، رفض قاطع، غير مهادن، لكافة أشكال التمييز والاقصاء للمناضلين الشباب، المساواة الكاملة بين الأعضاء ومع المواطنين..الخ، وتبني قضايا المهمشين/ات حقا وفعلا.

فما الباعث مثلا على فصل مناضلي حزب يساري على حساب موقفهم بكليته أو جزئيته عن ما هو قائم ؟ إذا قلنا أن أساسه الماهوي ووجوده -الحزب – يشكل قوى مختلفة تسكن هويته، ويقطن التعدد عبره وحدته، التي لا يمكن أن تتحقق دون إقامة وحدة جديدة مضادة للقديمة. غير التطاول على المتمسكين بأفق الحزب -حجرة عثرة- وعائقا أمام حركة التقدم والتغيير والتحرر أمام منبع يفيض. و منه قد يكون كذلك تطاولا وصوليا متواطئا مع الإستبداد والسيطرة والتحكم.

لا يمكن لأحد أن يتنكر استشرافا في المدى الذي تتحقق فيها الوحدة بصورة فعلية شكلا ومضمونا، فهي مرتبطة قسرا بعنصر الإختلاف بين مكوناته.

يمكن الجزم إذن، في أن من يكيل بأبشع التهم لليسار هو اليساري نفسه، هم المتحزبون أنفسهم ( هي الأحزاب نفسها). بتوليد الفكر الأغلبي التنميطي من عزل و إقصاء وفصل، هذا كله ما من شأنه أن يحاكي على صعيد الفعل ما تدعي معارضته ومقاومته أو مجابهته على مستوى الخطاب. ما يتلافى مع ترجمة المواطنين للشعار الكبير والمداوم لليسار حول المساواة والعدالة الاجتماعية في حين يغيب عدد هائل في المشاركة السياسية للنساء! فعن أي دور فعلي داخل أطر تنظيمات اليسار يمكن الحديث؟ ونندهش كثيرا حين يقصي رجال وقيادات اليسار نساءهم عن الحياة العامة، ألا ينم هذا أحيانا عن التعامل معهن بفوقية وبطريركية لا تختلف بحال من الأحوال عما يقابل ال؛ “رجعية” و “التخلف” و ” التزّمت” ؟

نحتاج لكتابات يسارية جديدة تورط القارئ وتجره للإنخراط في قراءة غير مبهرجة، متعة وقراءة وتفكيرا. خلخلة للمألوف وانتزاعا للأطواق بصورة لاحبة، للتأسيس لإبدال متفرد، لمقاربات لمسائل لا محدودة ومتنوعة للوجود الإنساني، وعلاقاته مع جميع المؤسسات والكيانات لحيازة معرفة مختلفة.

ليست جدة اليسار هنا نسفا لفكرة الأصل إنما أن نضعها في أزمة ، أن نعود للسؤال الأول لماذا اليسار ؟ و ما الذي نريد منه ومن الماركسية؟
وبتعبير ألتوسير ؛ الإنطلاق مما هو موجود بتاريخ وبنضال طبقي كنمو لا كذات تسيره ولا كغاية أخرى يرمي إليها.

لهذا نتوسل ليسار جديد يحقق تباعدا واعيا يقظا ولم يتقدم له مثيل، ولا يلتفت إليه ولم يفكر فيه، ولا ينفصل كفاية عن الراهن ليستوعب التقهقر الحاصل على الأفول الأولى ومن أجل ابتكار قيم جديدة.

*صحفي متدرب


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...