في حوار مع المؤرخ معطي منجب: النظام السلطوي يكتفي باستعمال المعارضين كما يريد ولكن لا يريد منهم أن يستعملوه

كشفت نتائج الانتخابات اليوم 8 شتنبر عن تراجع كبير لحزب العدالة والتنمية الذي انتقل من حزب أغلبي إلى مجموعة  دون فريق برلماني ما هو تفسيركم لهذا السقوط؟

 

✓  ما يمكن قوله عن الأسباب العميقة والأولية للهزيمة المدوية حسب النتائج الرسمية لحزب العدالة والتنمية في انتخابات 2021، هو أن هناك سياق خاص ومتعدد الجوانب، أولا هناك ما يسمى تآكل أو اهتراء السلطةUsure Du pouvoir ، حتى في الأنظمة الديمقراطية هناك ما يمكن أن نسميه لاشعبية ممارسة الحكم، لأن ممارسة الحكم تضعك في مواجهة الساكنة، ويصعب جدا تحقيق البرامج كما تم الوعد بها أثناء الانتخابات، ولكن في المغرب يكون هذا الاهتراء أخطر وأكبر لأن هناك Usure du pouvoir sans pouvoir، أي أن هذه اللاشعبية التي تنتج عن ممارسة الحكم، في المغرب تكون أقوى، لماذا؟ لأنه في الدول الديمقراطية، عندما يمارس حزب، أو جبهة أو أغلبية ما، عندما تمارس الحكم، فإنها قد تفوز جزئيا برضى فئات جديدة ومواطنين جدد، لأنها تمارس الحكم وتطبق برنامجا ينفع فئات صوتت عليها أو لم تصوت عليها، وهي ممارسة لها وقع حقيقي على الحكم وتغيير أو تعديل السياسات العمومية التي وضعتها الأغلبية السابقة، وقد يستفيد من التوجه الجديد الجزء الأكبر من الساكنة. ولكن تاريخ الانتخابات يؤكد على العموم فقدان الأغلبية الحاكمة  للوهج المعنوي لمن يدافع عن الحق، ولهذا ينتقل هذا الوهج إلى المعارضة التي تصبح معبرا عن أحلام جديدة للناخبين وتقدم برامج غالبا مثالية مما يظهرها بمظهر المدافع عن المظلوم اجتماعيا وسياسيا وربما ثقافيا، ومن يريد الخير للشعب بينما من يحكم يظهر كمن يمنع تحقيق ذلك  لأنه من يملك السلطة دستوريا وعمليا.

في المغرب عندما تكون في الحكومة فأنت تعاني طبعا من اهتراء السلطة دون أن تكون لديك سلطة ’’Usure  du pouvoir sans pouvoir‘‘  فأنت تفقد جاذبية الدفاع عن الحق والوقوف في وجه الظلم والدفاع عن المستضعفين، ولكن في الدول غير الديمقراطية فإنك لا تمارس الحكم ولهذا لا تطبق برنامجك ولا تلبي المطالب لأنك خارج السلطة الفعلية ولا تحقق ولو جزئيا ما كنت تدافع عنه. لذلك يمكننا القول أنه بعد 10 سنوات من تواجد العدالة والتنمية في الحكومة فإن أحد الأسباب الأساسية هو اهتراء السلطة دون سلطة.

السبب الثاني هو أن استراتيجيي النظام وتحت ذريعة الإجراءات الاحترازية من كوفيد 19، منعوا تنظيم حملة انتخابية عادية دون استعمال المال، وفي المقابل من استخدموا المال تمكنوا من تنظيم ولائم باذخة للناخبين بينما البيجيدي يصفه المواطنون العاديون بالبخل، فهم يقولون أنه بخيل لأنه يستخدم المال والهدايا أقل بكثير من أحزاب الأعيان، لذلك فقد كان الكيل بمكيالين من طرف الدولة التي سمحت للأحزاب المقربة منها باستخدام المال وتوزيعه، وهناك شهادات أنه في الجنوب بلغ صوت الناخب الواحد ألف درهم، بينما البيجيدي لأنه تحت مراقبة السلطة ونظرا كذلك لتقاليده الانتخابية لا يستعمل المال كثيرا وانما الأعمال الخيرية على المدة الطويلة، والمشكل ان بعض القائمين على الاعمال الخيرية نفسهم لم يقوموا بالدعاية للبيجيدي بسبب احباطهم من خنوعه للسلطة وبسبب الخوف من السلطة ثانيا.

السبب الثالث متعلق بالنظام الانتخابي، وحرص الدولة على تسجيل أكبر عدد ممكن من الناخبين في المناطق التي يعتبر البيجيدي ضعيفا فيها تقليديا وهي أساسا المناطق القروية، لذلك فإن أكثر من ثلثي المسجلين كانوا بالبوادي رغم أن عدد سكان القرى هو حوالي 40 في المائة، مع العلم أن المواطنين في البادية هم أقل مشاركة سياسية بسبب البعد وعدم الاهتمام وبسبب البنية السوسيولوجية التي تنبني على الدوار والقبيلة وغيرها من العلائق ذات الأصل البيولوجي والجغرافي، فضلا عن أن حضور الدولة والإدارة في المخيال الشعبي لازال ضعيفا عكس المدينة، حيث المواطنون يهتمون أكثر بكل ما هو إداري وكل ما يصدر عن الدولة، وبالتالي بذل جهد كبير من الضغوط والوعود لتسجيل ساكنة البوادي لأن النظام يعلم أن البيجيدي ضعيف في البادية. أضف إلى ذلك صعوبة التصويت حيث يجد المواطن عدة أوراق أمامه وعليه أن يختار المرشح للانتخابات المحلية والجهوية والتشريعية، ويمكننا أن نتخيل صعوبة تصويت سكان البادية، وهذا خدم مصلحة الأحزاب التي رشحت الأعيان الذين لهم نفوذ قوي في تلك المناطق، لذلك يصوت القرويون باختيار رموز أحزاب الأعيان في الاقتراع المحلي وعمليا على نفس الرمز أي نفس الحزب في الجهوي والتشريعي. الدولة تغير النظام الانتخابي والتقطيع الانتخابي والسياسة الانتخابية والعداوة الانتخابية حسب الحزب الذي تريده أن يفوز ولكنها كذلك تكمل بطريقة جراحية بالتلاعب البعدي ببعض النتائج وبتغييرها اذا لم تحقق المراد  بالتلاعب القبلي اي التقني-الإعلامي-السياسي- الإداري. إني استنتجت من  تواصلي مع الناس بالقرية أن معظمهم لا يفهمون لماذا عليهم أن يصوتوا  عدة مرات، وأعتقد أن التصويت بهذه الطريقة كان مفكرا فيه لأن الناس يصوتون على من يعرفون عن قرب ثم يصوتون على نفس الرمز.

أعتقد أن السلطات كانت ضحية لنجاحها، إذ لا أظن أن السلطة كانت تريد أن يحصل البيجيدي على 13 مقعد بما لا يمكنه تشكيل حتى فريق برلماني، وعلى الأرجح أن ما حدث هو أن السلطات المحلية أظهرت كما يقول المغاربة أنها “غير هبيلة وقالوا لها زغردي” فإذا هي تفجر طبلة آذان المحتفلين في العرس”. كما تعرف جريدتكم فإن السلطة المركزية لا تريد البيجيدي كبيرا ولكنها تريده صغيرا وطيعا داخل المؤسسات لا خارجها إذ قد تلتحق ناخبته بالشارع وبالحركات الاجتماعية. اشتغلت السلطات المحلية بحماس في اتجاه قطع الطريق على البيجيدي بسبب غياب أوامر مكتوبة واضحة وصريحة تبعا لمقولة Il vaut mieux faire du zèle que pas assez.

هناك كذلك سبب أساسي، وهو أن جزءا كبيرا من ناخبي البيجيدي هوياتي وعقائدي، أي أنه يهتم بالدعاوى الإيديولوجية وبصدق المرشحين الديني وبالقضايا الهوياتية والدفاع عن هويته الجمعية أكثر أحيانا من الاهتمام بالمصالح المادية. نحن نتحدث هنا عن جمهور تحركه عقيدة حرم البيجيدي نفسه منه حين وقع اتفاق التطبيع مع إسرائيل بينما الأغلبية الساحقة من ناخبيه هم ضد هذا الاتفاق، هذا عبر عنه أعضاء من البيجيدي في نقاشات معي وقالوا أن العثماني نفسه لم يكن راضيا عن التوقيع  كان مضطرا ولكن غير معذور.  بالنسبة لي حتى بروتوكوليا لم يكن مضطرا حيث أن الجانب الإسرائيلي أرسل شخصا أقل مرتبة، خاصة وأن صورة التوقيع مع من تعتبرهم الكتلة الناخبة أكبر عدو للإسلام والمسلمين والهوية، وهي الكتلة المستعدة للتضحية بمصالحها لمقاومة هذا الاتفاق. ومما زاد في الطين بلة أن الزعيم الأكثر شعبية داخل الحزب دافع  بمهارته الخطابية وأسلوبه الشعبي عن هذا الاتفاق. كان هذا الخنوع للمخزن عملية انتحارية يقوم بها زعيما البيجيدي الأكثر قوة، سواء مؤسساتيا ويتعلق الأمر بالعثماني أو شعبيا ويتعلق الأمر ببنكيران. جزء كبير من ناخبته الشعبية اعتبرت ذلك ذلا وخيانة، وقد لاحظ المراقبون كيف أن النشطاء السيبرانيون المتعاطفين لم يتحركوا كثيرا اثناء الحملة الانتخابية وهذا يحدث لأول مرة منذ أزيد من عشر سنين.

أضف إلى ذلك الأوضاع الاقتصادية والنفسية التي زادت الجائحة في تأزيمها، خصوصا أن الإعلام كان يسير في اتجاه أن من يحارب الجائحة هو الدولة، وهي التي انتصرت على كوفيد وليس الحكومة، وأكثر من هذا مجموعة من قيادات البيجيدي كأمينة ماء العينين والعثماني اتهمت هي أو عائلاتها بعدم احترام الإجراءات الاحترازية ضد الوباء.

إضافة إلى كل هذا لم يبق داخل البيجيدي من يمثل خطاب المعارضة، الأصوات المنتقدة إما تم إسكاتها بالضغط الإعلامي أو القضائي أوهما معا، كحامي الدين وأمينة ماء  العينين وعبد العزيز  أفتاتي وعبد الله بوانو الذين توقفوا منذ أشهر أو سنوات عن “خطاب الحق ” وانتقاد الحاكمين، كما هو الشأن أيضا بالنسبة لبنكيران الذي توقف منذ 2017 عن خطابه الذي كان ينتقد الظلم والسياسات العمومية وينتقد القصر أحيانا. إذن إذا شئنا القول قبل تطبيعه مع إسرائيل طبع البيجيدي مع نظام استبدادي فاسد وقلل انتقاداته، خصوصا أنه تم إضعافه مؤسساتيا وبإرادة النظام. فقيادة البيجيدي لم تكن راضية عن اختيار الشبيبة لرئيسها الذي كان من اكبر المنتقدين للاستبداد داخل البيجيدي. لكن بإرادة واقتراح من القصر – وقد اعترف العثماني بذلك علانية – أصبح رئيس الشبيبة التي كانت تمثل القوة الحية  والطامحة إلى تحقيق – حسب خطابها- الحرية والمساواة والحكم الرشيد والمنتخب شعبيا والتي كانت تمثل إرادة الدمقرطة داخل الحزب، هذه القوة أصبح رئيسها وزيرا، وفي هذا المنصب من الصعب أن تحافظ على وتيرة الانتقاد بالنظر إلى أنه منصب هش ومن السهل التخلص من صاحبه على عكس منصب رئيس الحكومة الذي يضمن الدستور أن يكمل ولايته أو تنظيم انتخابات جديدة. كل هذا  صفى جزءا من الشعبية التي كانت تتمتع بها شبيبة الحزب لدى المواطنين الشباب، فهذه الشبيبة كانت تتوفر على قدرة تعبئة هائلة تمكنها من تعبئة وجمع 3 إلى 10 آلاف من الشباب في أيام، عكس الشبيبات أخرى – باستثناء اليسار في السابق- التي تتحول تجمعاتها في الغالب إلى مهازل سياسية بسبب أن ما يجذب الشباب إلى الأحزاب الإدارية هو مصالح ذاتية كالشغل أو السفر وغيره. إذن هذه القدرة التعبوية والدور المنبري، الذين كانت تتمتع بهما شبيبة البيجيدي انكسرا تماما بعد دخول رئيسها إلى الحكومة. ويمكن أن نقول أنه تم قطع الرأسين الشعبيين للبيجيدي، عن طريق إخراج بنكيران واستدراج رئيس الشبيبة وإدخالها إلى بيت الطاعة، كما تم إضعاف الحركة الأم أي الإصلاح والتوحيد بتشهير جنسي خطير استهدف عددا من قيادييها بمن فيهم نائب الرئيس ونائبة الرئيس، كما أن الاتفاق المغربي- الإسرائيلي دق إسفينا بين الحزب وحركته الأم التي توفرت دائما على صورة أكثر إيجابية من سياسيي الحزب.

لنلخص ونركز الأمور، البيجيدي تراجع  كذلك لأنه فرمل خلال السنوات الاخيرة تدوير النخب سواء على المستوى الجهوي او الوطني داخل صفوفه، وعوض ذلك “عقَلَ” شبيبته باستوزار زعيمها الشعبي بينما الشبيبات هي التي عادة تتابع لعب الدور الإنزياحي خطابياcentrifuge  حتى لو شارك الحزب في الحكومة. كما أن العدالة والتنمية “غدر” بشعبه ومريديه ففقد وهج الثلة الناجية وفقد معها الأغلبية السياسية التي تمتع بها خلال العقد المنصرم وإن لم يحصل أبدا رسميا على الاغلبية الانتخابية المطلقة. ضعف بتوقفه عن خطاب المعارضة منذ 2017، فبنكيران بذكائه كان رئيس الحكومة وفي نفس الوقت المعارض الأول خطابيا للنظام، ومع تكميم الجميع منذ 2017 ذهب الصيت ومجده دون أن تعوضه مشاركة فعلية للحزب في الحكم لأنها ليست مشاركة نظرية ولأن الوزراء البيجيديين بمن فيهم رئيس الحكومة لا سلطة لهم، والدليل هو أن حتى اتفاق التطبيع علموا به مثلما علم الجميع حين أراد النظام أن يخبر الساكنة ووقعوا على شيء لم يترقبوه حتى. لأن بعض زعمائه أدلوا في بداية سنة 2020 بتصريحات تعارض أي تقارب مع إسرائيل ثم بعد أشهر جلس زعيم الحزب ليوقع على اتفاق التطبيع.

قلت كذلك بأن الحزب لديه خطاب إسلامي-عربي ولديه أعضاء متعلمون يجيدون العربية الفصحى أساسا، ولديهم اعتقادات ومطالب هوياتية قوية، وأن قبول البيجيدي للفرنسة الجزئية للتعليم كان صدمة لهم، وهذا أضر بمصداقية قيادته كثيرا، خصوصا أن زعمائه كبنكيران والمقريء أبو زيد كانوا يؤكدون بقوة واحيانا يقسمون بأن مشروع الفرنسة لن يمر. كل هذا شكك في قيادة الحزب ومس حتى أنويته الصلبة وذلك نظرا للطبيعة الاجتماعية الثقافية العقدية لأعضائه وناخبيه، لأنه يعتمد في عملية الاستقطاب على خطاب ديني هوياتي (مغربي، عروبي، مخاصم للواقع البوسط-استعماري Postcolonial)، وفي الأخير يتم القبول بالفرنسة، أنا لا أقول أنني مع أو ضد مع ما فعلت قيادة البيجيدي بخنوعها للاستبداد بينما كان شعارها سنة ربيع الشعوب مناهضة الاستبداد والفساد، بقدر ما أحاول تحليل الواقع، وكيف أن القبول بالفرنسية في التعليم مثلا، أضر كثيرا بالحزب، خصوصا وأن الكثير من العائلات يعتبرون وكأن هذا يهدف إلى دفع أبنائهم للفشل، لأننا الآن أصبحنا نعلم أنه حتى التلاميذ في مستوى الثانوي 95 في المائة منهم لا يجيدون الفرنسية، ما جعل الكثيرين يرون في الأمر وكأنه تعقيد تعليم أبنائهم وتعقيد حصولهم على شهادات وبعدها على مناصب شغل وغير ذلك.

 

إلى أي مدى يمكن القول أن حزب العدالة والتنمية أصبح عبئا على النظام السياسي في المغرب فقرر التخلص منه، بداية من إقرار القاسم الانتخابي وانتهاء بمجريات الحملات الانتخابية والتصويت وتعديل النتائج؟

 

✓ لا أعتقد أن البيجيدي أصبح عبئا على النظام، اذا كنتم تقصدون بذلك أنه لم يعد يقدم له خدمات سياسية؟ لا أظن أن الأمر كذلك، بالعكس خلال هذه العشر سنين تعافت نسبيا مشروعية النظام بفضل وجود هذا الحزب ذي الرصيد الشعبي داخله، بالنظر إلى هذا الوضع، كيف يمكن القول أنه صار عبئا، يجب الاعتراف بالواقع ، أنا يساري ولكني أعترف أنه من بين الأحزاب الكبرى وان تراجع انتخابيا، يمكننا ملاحظة أن الحزب الاشتراكي الموحد او فيدرالية اليسار مثلا أقوى شعبيا بكثير من الاتحاد الدستوري لكن الأمر عكس ذلك انتخابيا، المقصود بالأحزاب الكبرى هي التي تريد لها الدولة أن تكون كبرى انتخابيا، ما أردت توضيحه: أنه بين الأحزاب الكبرى، أن الأعضاء والمنتخبين جهويا أو وطنيا الأقل فسادا على المستوى المالي وعلى مستوى التسيير هم أعضاء البيجيدي، من هذا المنطلق أصبح البيجيدي بمعنى ما عبئا أو عرقلة على المخزن الصغير أو المخزن الاجتماعي أي الشيوخ والمقدمين والأعيان النافذين المستفيدين من الريع والجاه، على سبيل المثال يمكن لرئيس جماعة في مدينة أو بلدية صغيرة ينتمي إلى البيجيدي (أو اليسار الديمقراطي) أن يشجع الناس على مواجهة “أوتاد المخزن” كما يقول الناس، ويكونون أكثر جرأة ، ويرفضون إعطاء الرشاوى، ويتم اللجوء إلى عضو ما من المجلس البلدي أو القروي ليدافع عن مصالحهم للحصول على وثيقة ما أو لتسجيل أبنائهم في المدرسة أو للاستشفاء بمستشفى عمومي وما شابه ذلك. إذن بهذا المعنى وجود البيجيدي داخل الإدارات البلدية وداخل المجالس ( لأن الحزب عندما يكون في المجالس لا يدخله المنتخبون لوحدهم، وهذه تقاليد مغربية، يتم تفضيل العائلة والحزبية في التوظيفات المحلية.. فيصبح بعض من يتم توظيفهم توظيفا مباشرا فعالين في خدمة ناخبة الحزب وعلائقها وامتداداتها داخل الساكنة)، فتجد جزءا من الإدارة أصبح يتعامل بسلاسة  وبنوع من المساواة، لأن الحزب يريد أن يحافظ على شعبيته وإلا سيعاقب في الانتخابات المقبلة، إذن من هذا الجانب على الأعيان المحليين وعلى العائلات الانتخابية الكبرى والغنية، أصبح البيجيدي كنخبة سياسية محلية وجهوية جديدة، كما اليسار في الثمانينات، شوكة مؤلمة في حلق منظومة الفساد التي تتحكم في المغرب على الأقل منذ ستين سنة، أنا أتحدث عن المغرب المستقل. لأن الأعيان كانوا موجودين وأغلبهم كانوا قبليين أو تجار المدن، أو ممثلي عشائر قبل الاستعمار في المغرب منذ قرون، كانوا دائما مسيطرين وكانوا يستفيدون من المخزن والمخزن يستفيد من مساندتهم والشعب يُسحق. عرقلة الإقطاع المحلي قام به في السابق كذلك حزب الاستقلال، عندما كان لديه حضور قوي، وكذلك الاتحاد الوطني للقوات الشعبية حين كانت لديه ذراع مدنية- شعبية ضاربة، لعبا أيضا هذا الدور المتمثل في الدفاع عن “الشعب الصغير” إذا شئتم، وكذلك إبعاد والضغط على المخزن الصغير المحلي وأحيانا حتى الجهوي، ما يعني أن الساكنة المستضعفة تشعر بنوع من التشجيع فلا تقبل ذلك الضغط والاستغلال وإعطاء الرشاوى إلخ .. كان هذا الواقع الميكروسياسي ملموسا ما بين 1956 إلى حدود 1961، ثم من جديد رأينا هذا بوضوح خلال تجربة اليوسفي، حيث أن الإدارة أصبحت تشتغل بطريقة أحسن وتعامل الناس بطريقة أحسن، وكذلك تراجع دور الأعيان، وأصبح المواطنون العاديون أكثر جرأة في مواجهتهم. كنت أذهب إلى البادية منذ عشرين سنة وأجد الناس العاديين يقولون أن اليوسفي “راجل مزيان”، كانت لديه شعبية حقيقية، وهذا التقدير الشعبي لرئيس الحكومة سنجده كذلك  خلال فترة بنكيران 2012-2017، هذه الثقة التحتية ستتراجع بقوة وإن بالتدريج خلال الولاية الثانية للبيجيدي ولكنها بقيت موجودة.

 

  يبدو ما حدث لحزب العدالة والتنمية شبيها لما حدث لحزب الاتحاد الاشتراكي بعد قيادته للحكومة سنة 98 ومشاركتهفي حكومة جطو، إلى أي حد يمكننا وضع هذه المقارنة؟

 

✓  نعم إن ما حدث للبيجيدي سنة 2021 بعد الانتخابات يشبه ما حدث للاتحاد الاشتراكي عقب انتخابات 2002. إلا أن الاتحاد الاشتراكي، كما نعلم كان قد وصل أولا أما البيجيدي فقد وصل أخيرا رسميا. إن الدولة على العموم لا تريد أي حزب شعبي كبير مهما خدم مصالحها ومهما ضعفت قوته وقوة مشاركته في مسار القرار، كل حزب لديه رصيد شعبي ولديه قدرة تفاوضية معتبرة يتم التخلص منه، فتم التخلص من الاتحاد الاشتراكي سنة 2002، ولأن الدستور الجديد يفرض تعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي يحتل الرتبة الأولى، فقد وضعت كل الوسائل (مادية وإدارية ودعوية ضخمة جدا وتقنية، أي النظام الانتخابي) كل ذلك بغرض إضعاف البيجيدي انتخابيا أكثر مما هو ضعيف وألا يأتي أولا في الانتخابات، ببنما لم يكن ذلك يهم في حالة الاتحاد الاشتراكي، لأن الدستور السابق كان يتيح للملك أن يختار بطريقة تقديرية أية شخصية كوزير أول.

التشابه الحاصل بين الحالتين هو في وجود إرادة التخلص، لأن الحزب الأصيل مهما  تراجعت شعبيته يبقى منغرزا في ما يسمى بالمنظمات الرمزية للمجتمع على أنه حزب حكم، وأنه يمكن أن يكون في الإدارة ويمكن أن يكون في الحكومة، وعلى الأقل بالنسبة للفئات الميسورة، لم تحدث تلك الكوارث التي كان يتنبأ بها الحُكم والأحزاب الإدارية، مثل ترديدهم مقولة أنه إذا صعد الاشتراكيون سيقومون بضرب الاقتصاد وهذا يتعارض مع الاختيار الليبرالي للدولة، على الأقل هذا ما كانت تردده صحافة التجمع الوطني للأحرار وبعض الاعلام الرسمي خلال الثمانينات والتسعينات مثلا، حيث كانت تردد أن وصول الاتحاد الاشتراكي للحكومة سيضر بالاختيار الليبرالي والاقتصاد الناجح واقتصاد الوفرة وما إلى ذلك.

إذن حتى الفئات الميسورة وبعض رجال الإدارة أنفسهم وبعض رجال الحكم يتعودون على الوافد الجديد ومنهم من يرى أنه من الأسلم أن يحكموا معه على أن يبقى الحزب “الشعبي” خارج السلطة نظرا لإمكانية انزياحه الى هامش الايسطابليشمنت في حال تحرك الشارع، فذلك بصب الماء في طواحين المعارضة، وفي حالة اندلاع مظاهرات وما إلى ذلك قد يُهَدد النظام، لأن أحزابا منظمة ولديها مشروعية التجربة الحكومية أخطر على الانظمة السلطوية من الشارع العفوي المعزول وهذا برهن عليه  الانتقال الديمقراطي بإفريقيا الغربية (السنغال، مالي خلال التسعينيات أو النصر الانتخابي مؤخرا لجان پينغ بالغابون). السلطات المحلية على تتعود على “التطبيع” مع أعضاء الأحزاب المعارضة سابقا وتقيم علاقات ثقة معها وقد تصاهرها وكل هذا يضعف صلابة العصبية  Esprit du corpsالتي تستفيد منها الأنظمة السلطوية أثناء مواجهة الشارع. رغم كل شيء فإن الأحزاب المغربية تطبع مع النظام إلا أن هذا الأخير لا يطبع معها إلا إذا فقدت هويتها الحزبية كما حدث لبعض الأحزاب الوطنية، فالسلطويات جبانة جدا وتخاف من تأثير الجماعات المعارضة المدمجة على المستوى البعيد، وتخاف من أن العادة والمساكنة تولد واقعا جديدا، كل هذا الحرص كل هذه البرانوايا تفاديا – ولو كانت الإمكانية 1 في المئة – لأن يتخذ مثلا رئيس الحكومة يوما ما القرار بنفسه وعلانية مثلا: ما الذي يمكن القيام به في مثل هذه الحالة اذا كان القرار شعبيا وخرج الناس للتظاهر مساندة له؟ هذا سيضع النظام في خطر، إذ أنه ولو تم التدخل في هذه الحالة وحل الحكومة ووضع حد للقرارات غير المرغوب فيها، فإن ذلك سيضر بمشروعية النظام، وقد أوشك أن يحصل مثل هذا الأمر في عهد حكومة عبد الإله بنكيران، إذ على ما يبدو كان هناك خلال صيف 2013 قرار بالتخلص من حكومة عبد الاله بنكيران إلا أن الأخير قاوم مشيرا إلى إمكانية رجوع الشارع للحركة، لكن دراسة الرأي العام التي تقوم بها الأجهزة أظهرت بأنه يحتفظ بشعبية كبيرة وأن إقالته قد تؤدي إلى اللا استقرار، وربما تتحرك المعارضة الراديكالية لمساندته، مما جعلهم يتركونه لثلاث سنوات أخرى. إذا عدنا إلى ربيع وصيف 2013 يظهر أنه كانت لدى النظام إرادة في هذا الاتجاه، ولذلك تم دفع زعيم حزب الاستقلال إلى مغادرة الحكومة، بل حسب إشارات وردت من بعض قياديي الاستقلال أن “الزعيم” كان قد وعد بأنه سيكون رئيس الحكومة سنة 2013، إذا ساعد على إسقاط حكومة بنكيران.

إذن كما قلت أن النظام لا يريد أن يطبع مع معارضيه خصوصا عندما يكونون معتدلين وأقوياء إلا إذا “طبعوا” هويتهم فاقدين لهذا السبب قاعدتهم الاجتماعية أو مغيرين سوسيولوجيتهم الحزبية. النظام السلطوي يكتفي باستعمال المعارضين كما يريد ولكن لا يريد منهم أن يستعملوه الا اذا اصبحوا جزءا منه ايديولوجيا واجتماعيا أي يقومون بانتحار سياسي كما فعل حزب اليسار التقليدي الكبير خلال العشرية الأولى من القرن الحالي. لا يقبل النظام أن يأخذ المعارضون مشروعية عملية عند النخبة الحاكمة تقليديا، وعند محافظي المنظومة المهيمنة، لأن المعارضين إذا شاركوا  ولم تُضَرُّ مصالح الفئات الراضية عن السياسات العمومية الجاري بها العمل منذ عقود، والتي تحتل مكانة اجتماعية واقتصادية عالية ومتوسطة في البلاد وفي المجتمع، أقول إذا شاركوا يصبحون منافسين من الداخل للطغمة المتصلبة حول مصالح اقتصادية ورمزية غير قابلة للتفريط وإلا انفرط عقد “الإيسطبليشمنت” وأصبح في مهب الريح.

 

 في نفس السياق يمكننا ملاحظة أن تكليف الاتحاد الاشتراكي سنة 1998جاء في سياق أزمة كان يعيشها المغرب، كما أن تكليف البيجيدي جاء في ظل  حركة 20 فبراير الذي شكل تهديدا للبنية السياسة في المغرب، كيف يمكننا فهم دور قوى المعارضة (الانتخابية) وموقعها في النظام السياسي في المغرب؟

 

✓ إن ما جعل البيجيدي يصل إلى الحكومة، أو جعل النظام يبحث عن إرضائه وإرضاء جزء من الشعب، بتعيينه على رأس الحكومة، وإعطائه مناصب بعضها مهم داخل الحكومة الأولى على الأقل، هو حركة عشرين فبراير، لأن الشارع تحرك، وكان لابد من استخدام القمع وشراء النخب والضغط، أي أسلوب العصا والجزرة التي استعملت ضد الزعامات الشابة، حيث أن جزءا كبيرا منها إما اعتُقِل، وإما شُهِّر به وإما تم شراؤه، وأدخل للبرلمان والجماعات المحلية وما إلى ذلك، وكذلك تم سن سياسات عمومية ومؤسساتية لصالح هذا الشباب المثقف، الذي استجاب لنداء الشارع سنة 2011. طبعا كان السبب الرئيسي هو حركة عشرين فبراير والربيع المغربي الذي دفع النظام إلى تجديد بعض من دمائه بإدخال نخبة ذات أصول إسلامية وما زال لديها الطابع الإسلامي رغم أنها كانت قد اعتدلت آنذاك، وتخلت عن الخطاب الراديكالي، وكان ذلك لمصلحة النظام، ولكن أيضا خلال الولاية الأولى لحكومة البيجيدي، لصالح الحزب، فالنظام تركه يطبق جزءا يسيرا من برنامجه، ومكنه كذلك من تواجد إعلامي مهم، خصوصا لأمينه العام، فازدادت شعبية الحزب بسبب اللعب على الحبلين أي الوجود في الحكومة وتحقيق بعض مقترحات الحزب للناخبين، وكذلك متابعة خطاب المعارضة الهوياتية، من وقت لآخر.

لا ننسى أن هذا كان الى حد ما نفس حال الاتحاد الاشتراكي والكتلة الديمقراطية، حيث كان الملك الحسن الثاني قد اتخذ قرارا سنة1991، حين تزعمت المعارضة أكبر مظاهرة سلمية في تاريخها، والتي كانت في 3 فبراير 1991، بعد أن وقف الحسن الثاني إلى جانب الغرب، أثناء الحرب على العراق، بينما وقفت أغلبية الشعب مع العراق الذي كان يقول بأن طريق فلسطين تمر عبر الكويت، خصوصا في الأسبوع الثاني من احتلاله للكويت، وتصريح صدام حسين بذلك، فارتفعت شعبيته لتصبح في الأعلى، وآنذاك كانت شعبية قضية فلسطين قد وصلت إلى القمة في المغرب، بالتأكيد تابع المغاربة القضية الفلسطينية منذ الثلاثينيات، لكن في التسعينيات عرفت أوجها، نظرا لتراكم أجيال، وكذلك لأن الحسن الثاني كان أقرب زعيم عربي للغرب وإسرائيل، فاستثمرت المعارضة كثيرا نقطة الضعف هذه في سياسة الحسن الثاني، وجعلت منها قضية سياسية فعدة منظمات معارضة قد جعلت منها قضية وطنية، ليس بمعنى وطنية بالنسبة للشعب الفلسطيني، إذ أن هذا الأمر عادي، وإنما قضية وطنية مغربية، مثلا الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وعدة جماعات وأحزاب يسارية أو إسلامية جعلت من القضية الفلسطينية قضية وطنية.

إذن نظرا لهذا القرار الذي اعتبره بعض سدنة النظام خاطئا لأنه لم يكن في صالح المنظومة ولا في صالح مشروعية الملكية، لأنه وقف إلى جانب الغرب في اعتدائه العسكري على الشعب العراقي، وكما أوردت بعض الصحف الأجنبية، فقد اطلع الحسن الثاني بنفسه على حجم المظاهرات من أعلى إحدى العمارات الشاهقة بالرباط، وكان معه البصري وعدة زعماء، بما فيهم أمنيون، وقرر آنذاك أن يفتح مفاوضات مع أحزاب الكتلة الديمقراطية، على أساس إدخالها إلى النظام، للاستفادة من شعبيتها ولينسى الجميع الموقف المناهض للعراق وللشعوب العربية عموما، التي كان الحكم المغربي لا يسير في اتجاه مطامحها وعواطفها فيما يخص الوقوف مع الهجوم الغربي ضد شعب عربي. إلا أن النظام كان محظوظا، بضعة أشهر بعد ذلك، أي في نهاية سنة 1991، حين حصلت أزمة كبيرة وخطيرة جدا في الجزائر، والجزائر كما نعلم منذ سنة 1988، كانت قد دخلت طورا مهما وسريعا من الانتقال الديمقراطي، أعطى الأغلبية للإسلاميين،  لكن ستدخل البلاد في أزمة خطيرة، نتيجة لإيقاف المسلسل الديمقراطي، وعدم الاعتراف بنتائج الدور الأول من الانتخابات التشريعية في الجزائر في دجنبر سنة1991، لتنطلق الحرب الأهلية، بسبب الانقلاب الذي قاده جنرالات الجيش الجزائري، وحينها تراجع الضغط عن الحسن الثاني، لأن البورجوازية المغربية ظهر لها بأنه من الأفضل الحفاظ على النظام بدل الدخول في متاهات قد تؤدي إلى ما أدت إليه بداية الانتقال الديمقراطي في الجزائر، ونفس الشيء كان يحصل في تونس، بعد أن انقلب بنعلي على بورقيبة، أي أن سنوات 87-90 كانت سنوات تفتح ديمقراطي في تونس.

نظرا لهذا الوضع الإقليمي كان المغرب يظهر، سواء للبورجوازية المحلية أو للدول الغربية الديمقراطية، وكأنه يجر خطواته بعيدا عن الانتقال الديمقراطي في الجزائر وتونس، والحسن الثاني كان سياسيا ذكيا جدا، ولم يرض بتلك الوضعية وحاول الانفتاح على المعارضة وإدخالها إلى الحكومة، إلا أن الحرب الأهلية في الجزائر أعطت للنظام مهلة فجعلت الأمور تتأخر. ومرض الحسن الثاني ابتداء من سنة 1995، حيث أدرك أن لديه مرضا خطيرا جدا، وليهيئ الأمور لانتقال العرش بسلاسة، كان لابد من إدخال المعارضة إلى القفص الذهبي للحكومة، وهكذا حدث تماما عقب انتخابات 1997. وهنا لنتذكر أن الإدارة ستقوم لأول مرة بحملة لصالح الأحزاب الوطنية، بل إن بعض المنتخبين، من هاته الأحزاب الوطنية سنة 1997، قد رفضوا مقاعدهم، لأنها كانت قد أعطيت لهم بطريقة غير قانونية، أي أنهم لم يحصلوا على الأصوات الواجبة لانتخابهم، كانوا قلة قليلة جدا، ولكن هذا معبر جدا حيث أن النظام كان بحاجة إلى دخول أحزاب الحركة الوطنية إلى الحكومة، لتسهيل انتقال الحكم من ملك إلى آخر وكذلك كان. ولما استُخدِموا، تم التخلص من الاتحاد الاشتراكي مثل ’’كلينيكس‘‘ سنة 2002، كما ذكرتم في السؤال.

 

   من أجل التوضيح أكثر، هل يمكن القول أن أزمات النظام السياسي تفرز حكومات بقيادة إيديولوجية، بينما فترات الانفراج تفرز حكومات تقودها قوى ’’مخزنية‘‘ بواجهة تقنوقراطية أو أحزاب إدارية؟

 

✓  نعم إن الأزمات في المغرب، دائما ، إما أنتجت القمع، وإما أنتجت تغيير الأغلبية، انتفاضة الريف الأولى سنة 1958-59، أدت إلى تعيين عبد الله إبراهيم على رأس الحكومة، والمظاهرات ضد اختيارات الحسن الثاني فيما يخص الحرب على العراق سنة 1991، وخصوصا أن ذلك كان قد امتزج بالقضية الفلسطينية، أدت إلى حكومة التناوب، وأزمة سنة 2011 أدت إلى تعيين البيجيدي على رأس الحكومة، هذا أمر واضح.

 

هناك تحليل يقول أن الجمع بين الانتخابات التشريعية والمحلية في يوم واحد هو ما أثر على النتائج، باعتبار أن منطق التصويت يختلف في الاستحقاقين، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن عزيز أخنوش يتولى وزارة وصندوقا يرتبطان بالعالم القروي، هل يمكننا القول أن استنتاجات ريمي لوفو في كتابه ’’الفلاح المغربي المدافع عن العرش‘‘ لازالت تحتفظ براهنيتها؟ 

 

✓  نعم كما قلت فالجمع بين الانتخابات التشريعية التي لديها طابع وطني، والانتخابات المحلية قد أضر بالأحزاب التي لديها حضور ووهج وطني كالبيجيدي، لأن الأحزاب الأخرى (الأحزاب الإدارية، والأحزاب التي خلقها المخزن)، تعتمد على الأعيان، والأعيان محليون ليست لديهم أهداف أو صورةً سياسية، وإنما أهدافهم نفعية فقط ومباشرة، في الغالب تكون شخصية وأحيانا تكون عائلية أو محلية، هؤلاء لا تهمهم السياسة، وإن كانوا يتوفرون على قوة انتخابية، إما يشترونها أو أنها ذات طبيعة قبلية وعائلية، على شكل تحالف عائلات معروف في المغرب، قد يمتد لعقود وقد يمتد حتى لقرون، إذن هذه الأحزاب الإدارية التي خلقتها الإدارة ليست لديها أيديولوجيا جامعة أو سياسة وطنية، بل هي فقط تكتل « Conglomérat »  لأعيان لديهم مصالح يبتغون تحصيلها أو المحافظة عليها.

وبالتالي فالجمع بين الاستحقاقات يضر بالأحزاب التي لديها حضور وخطاب وطني، ولديها أهداف وطنية، شاملة (ذات بعد وطني) ليس بمعنى  nationnaliste، وهذا ينطبق على البيجيدي مثلا.

نعم إن كلام ريمي لوفو لازال صحيحا لأن الفلاح المغربي هو المدافع الأول عن العرش الحاكم مع بعض الاستثناءات كالريف وبعض مناطق الجنوب والجنوب الشرقي شبه الصحراوي او الصحراوي. ولكن أهل الحضر أيضا، أغلبيتهم لازالوا ملكيين، ولكنهم يهدفون إلى نوع من الملكية الديمقراطية، كما يقولون، كثير من الناس يقولون بهذا المفهوم ويعنون بها الملكية البرلمانية، لأنهم لا يفهمون جيدا ما معنى ملكية برلمانية، ولكنهم يريدون ملكية ديمقراطية، أي تكون فيها الحكومة هي المسؤولة، ويمكن معاقبتها عبر الانتخاب والتصويت ضدها، ويمكن كذلك الضغط عليها في الشارع، بينما الملك كما يردد بعض الناس نصف المتمدرسين في المدن، والمسيسون منهم خصوصا يقولون أن الملك “بغيناه ايشد تيقارو وحنا كنحتارموه”، و”لكن نريد حكومة تحكم لكي نستطيع التحكم فيها ومعاقبتها”، فالملك لا يمكن معارضة سياساته سيكون ذلك  “حشومة” لأنه أمير المؤمنين أولا ولأنه حفيد الرسول الكريم. هذا خطاب الرجل الحضري المتوسط والمسيس، وهو نوع من تمهيد السبيل تاريخيا لنوع من الخطاب السياسي الحداثي المتمركز حول المطالبة بملكية برلمانية حقيقية. هذا يعني أنه وإن كان الحكم المخزني قد فقد كل مشروعية فإن الملكية لا زالت شعبية ولكن اذا تشبثت بالمخزن المتجاوز فقد يأخذها معه في اندحاره المرتقب والذي تفرضه التحولات الاجتماعية والثقافية …

ريمي لوفو يقول أن القرويين أساسا هم الملكيين، ولكن كتابه ظهر منذ عقود، حيث أصبح الآن حوالي 60 في المائة من السكان في المغرب في المدن، أي أن التمدن في المغرب لم يضر بالملكية كمؤسسة رمزية ولكن في نفس الوقت هناك مطالب بالدمقرطة الفعلية وليس الخطابية فقط، أي أن الناس يريدون من الحكومة أن تدافع عن مصالحهم وأن تطبق الأحزاب الوعود التي تعطيها للناس، وهذا لا يمكن أن يحصل إلا بأن تكون الحكومة هي الهيئة التنفيذية فعلا. الشعور الشعبي ليس بهذا الوضوح ولكن كثيرا من الناس يعبرون عن هذه الفكرة بطرق مختلفة، وشيئا ما مبهمة، إذ يقولون إن “الملك نحترمه، ولديه دور كبير جدا مرتبط بديننا ولديه سلالة شريفة ويجب أن يبجل ولكن نحن من يجب أن يتحكم في الحكومة لكي تخدم مصالحنا وتحمي حقوق الضعفاء”. هذا ما قاله لي حرفيا بالدار البيضاء منذ أسابيع حارس عمارة متوسط العمر غادر المدرسة وسنه ستة عشر عاما وكان والده عضوا بحزب الاستقلال خلال الستينيات.

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...