الفساد وخراب العمران..

في الخطاطة الخلدونية لانهيار الدول والحضارات ثمة تبئير على الظلم، فحسب عبارة بن خلدون الشهيرة : الظلم مؤذن بخراب العمران.

ووردت العبارة عنوانا للباب الثالث والأربعين من “المقدمة” .

وكتب بعد قرون من وفاته الكواكبي مصنفه الشهير : طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، فانتشرت كلمة الاستبداد وصفا للظلم السياسي.

والمستبد عند الكواكبي ” فرد عاجز، لا حول له ولا قوة، إلا بأعوانه، أعداء العقل، وأنصار الجور”، ويرى الكواكبي أن تراكم الثروات المفرطة ” مولد للاستبداد، وأن الاستبداد أصل لكل فساد”.

ويرى أن الشورى الدستورية هي الدواء، والشورى الدستورية كما يوضح معالمها الكواكبي هي نفسها الديموقراطية.

إن عبارة الظلم عند بن خلدون أو الاستبداد عند الكواكبي نجد لهما أشباها ونظائر في الفكر السياسي المعاصر: الشمولية، التوتاليتارية، الدكتاتورية، السلطوية، الحكم الفردي، على ما بين هذه العبارات من اختلافات في درجات الاستبداد بالسلطة.

على أن شبه إجماع قد انعقد على أسبقية الاستبداد على الفساد، بمعنى أن الأول مولد للثاني، وبأن الاستئثار بالسلطة يقود للاستئثار بالثروة، وبأن السلطة المستبدة تحمي مصالحها عبر خلق طبقة من الأثرياء المستفيدين من الريع الفائض عنها، ليقوموا بأعمال السخرة، المتمثلة في حراسة المعبد السلطوي من أي إمكانية لتحرر العامة.

هل هذه الخطاطة ما زالت تكتسب راهنية اليوم؟

بمعنى هل بالفعل ما زال الاستبداد هو الأصل، والفساد هو النتيجة، أم أن الآية قد انقلبت، وتغول الفساد لدرجة أنه من أصبح يصنع الاستبداد القادر على حماية مصالحه ؟

هل انتقلنا من الشجرة التي يسقط منها التفاح الفاسد، أم أن بذور ذلك التفاح الفاسد قد توغلت عميقا في الأرض، توغلت فتغولت لتنبت شجرا كثيرا يحمل تفاحا فاسدا، ويحرس الغابة غلاظ شداد لا يعصون ما يؤمرون؟

ومناسبة السؤال، ما كشفت عنه أوراق باندورا، وقبلها تسريبات بنما من أرقام ومعطيات، تختبئ خلفها عمليات احتيال كبرى من أجل تبييض الأموال في ملاذات ضريبية.

ولحد الآن لم تشكك أي جهة في الوثائق التي تم تسريبها، بل إن ردود الفعل تراوحت بين الصمت أو محاولات التبرير بدفوعات قانونية.

وإذا كانت الأسماء الكبيرة المتورطة، والتي تنتمي إلى العالم المتقدم صناعيا وماليا، والذي ينعت عادة بعالم دول الرفاه، تواجه خدشا أخلاقيا في سيرها الذاتية، باعتبار أن ما قامت به غير مجرم قانونيا في تلك البلدان، ولكنه يضع شبهات من طبيعة إيتيقية، خصوصا للشخصيات السياسية، بما فيها المنتمية لتيار الاشتراكية الديموقراطية أو التيار الثالث كطوني بلير ودومينيك ستراوس كان.

فإن الأمر في الدول التي لم تتخلص بعد من نعت العالم الثالث، والتي تعيش أوضاعا اقتصادية صعبة، ويعيش كثير من مواطنيها تحت عتبة الفقر، فإن لجوء حكام أو أفراد من العائلات المالكة وسياسيين يحوزون مواقع متقدمة في السلطة إلى الملاذات الضريبية من أجل اقتناء عقارات أو تأسيس شركات، أو غيرها من القيم المنقولة، لا يطرح فقط المعضلة الأخلاقية، بل يسائل طرق خروج هذه الأموال، وانتقالها للخارج.

إننا أمام شبهات قوية لفساد مالي، ولتهريب للعملة الصعبة في ظروف مشبوهة، لخدمة مصالح خاصة على حساب ميزانيات منهكة، واحتياطات للعملة الصعبة مهددة بالنفاذ أو التقلص عند أبسط أزمة اقتصادية عالمية.

في دول مثل العراق أو لبنان نجد أن النقاش حول الفساد جد متقدم قياسا مع ما يقع في دول شمال إفريقيا.

لقد أصبح السياسي في العراق ولبنان مرادفا لحماية الفساد، وسواء تقنع بمظلة مذهبية أو عشائرية أو عائلية، فإن التنافس بين أعمدة الفساد المالي والسطو على الثروة الوطنية يؤدي إلى تسريبات متبادلة تكشف في الخلاصة عن نتيجة صادمة: إن القرار السيادي تتحكم فيه بنية الفساد، وإن الانتخابات ليست ممرا للتداول على السلطة كما تقول بذلك أبجديات الديموقراطية، بل ممر للتداول على الفساد.

وهو مناخ تشجعه الهيمنات الخارجية، إذ يتحول فساد السلطة إلى ورقة ابتزاز في يد الحكومات الغربية، والشركات المتعددة الاستيطان، ولوبيات السلاح والطاقة، وبالتالي تسقط السيادة الوطنية واستقلالية القرار.

سوسة الفساد أخطر حتى من الاستعمار غير المباشر.

في بلدنا، ورغم التسريبات، ورغم التقارير الدولية المنبهة لخطر الفساد، فإن النقاش حول الموضوع شبه غائب، ويمارس المثقفون والإعلاميون رقابة ذاتية حول الموضوع، ولا تتساهل السلطة مع الصحافة الاستقصائية الحقيقية التي تجازف بالاقتراب من عش الدبابير.

في بدايات الألفية الثالثة وقع تطور في الترسانة القانونية المرتبطة بمكافحة الفساد، وتم فتح ملفات فساد كبرى أمام المحاكم، واكتشف المغاربة أرقاما خيالية تم نهبها في صناديق مؤسسات عمومية كالتعاضدية العامة للموظفين والبنك العقاري والسياحي وغيرهما.

لكن توقف القطار فجأة، وصدرت أحكام في السنين الأخيرة مخففة في ملفات فساد كبرى، وتم تضييق الخناق على كاشفي الفساد.

واستيقظنا مؤخرا على مؤسسات منتخبة يتحكم فيها الفساد المالي والريع الانتخابي.

ينتقل المغرب بسرعة كبيرة  نحو توسيع دوائر الفسادقراطية والعائلقراطية والريعقراطية، وتضييق دوائر الديموقراطية والحريات.

ولا يمكن استنبات الدولة الاجتماعية كما بشر النموذج التنموي الجديد والتصريح الحكومي وسط مستنقع الفساد.

  • نشر في العدد 475 من جريدة ملفات تادلة

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...